الرسالة اليومية لرباط الفقراء إلى الله

....(دعاء اليوم: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُد، ولَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُد، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّارِ مُلْحِقٌ. اللَّهُمَّ عَذّبِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، ويُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقاتِلُونَ أوْلِيَاءَكَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ للْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ والمُسْلِمِيَن والمُسْلِماتِ، وأصْلِح ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِم الإِيمَانَ وَالحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ على مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى اللّه عليه وسلم، وَأَوْزِعْهُمْ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ على عَدُّوَكَ وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الحَقّ وَاجْعَلْنا مِنْهُمْ. " اهـ - [ دعاء القنوت لسيدنا الفاروق أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه - من كتاب " الأذكار" للإمام العارف الرباني محيي الدين بن شرف النووي - رضي الله تعالى عنه ].......

صورةصورةصورة

"....ِاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيَّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةٍ تُنْجِينَا بِهَا [ وإخوتنا المستضعفين من المؤمنين والمسلمين المظلومين المضطهدين المكروبين في غزة وسوريا والعراق وفلسطين ومصر واليمن وتونس وليبيا والسودان والصومال وأفريقيا الوسطى وبورما وسيريلانكا والشيشان وداغستان وأفغانستان وباكستان وأحواز عربستان وتركستان الشرقية وكل مكان فيه يضطهدون ] مِنْ جَمِيعِ الْمِحَنِ وَالإِحَنِ وَالأَهْوَالِ وَالْبَلِيَّاتِ وَتُسَلِّمُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ الْفِتَنِ وَالأَسْقَامِ وَالآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ وَتُطَهِّرُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ وَتُطَهِّرُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعَ الْخَطِيئَاتِ وَتَقْضِي لَنَا بِهَا جَمِيعَ مَا نَطْلُبُهُ مِنَ الْحَاجَاتِ وَتَرْفَعُنَا بِهَا عِنْدَكَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَتُبَلِّغُنَا بِهَا أَقْصَى الْغَايَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ يَا رَبِّ يَا الله يَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ.... " اهـ . [ من صلوات العارف الرباني الإمام الغوث الصمداني عبد القادر الجيلاني - رضي الله تعالى عنه، في كتاب " أفضل الصلوات على سيد السادات" للعارف الرباني القاضي يوسف النبهاني - رضي الله تعالى عنه

كتاب الحركة السنوسية للدكتور الصلابى كاملا للقراءة

إمام الطريقة: حضرة سيدي الشيخ محمد بن علي السنوسي - قدّس الله سرّه (ت: 1276هـ )

كتاب الحركة السنوسية للدكتور الصلابى كاملا للقراءة

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الأربعاء 1 محرم 1429هـ/9 يناير 2008م/14:50

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحركة السنوسية
في ليبيا

الإمام محمد بن علي السنوسي
ومنهجه في التأسيس
(التعليمي والحركي والتربوي والدعوي والسياسي)

- الجزء الأول -

تأليف
علي محمد محمد الصلابي


الإهداء

الى العلماء العاملين ، والدعاة المخلصين،
وطلاب العلم المجتهدين،وأبناء الأمة الغيورين
أهدي هذا الكتاب سائلاً المولى عز وجل بأسمائه
الحسنى وصفاته العُلا أن يكون خالصاً
لوجهه الكريم
قال تعالى: ................ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِهِ فَلْيَعمَل عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشرِك بِعِبَادَةِ رَبِه أَحَدَاً.
(سورة الكهف، آية 110)

إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حَق تقاتِهِ ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون} (سورة آل عمران : آية 102).
{ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطعِ الله ورسوله فقد فازاً فوزاً عظيماً} (سورة النساء، الآية1).
أما بعد؛
يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت.
هذا الكتاب السابع يتحدث عن الحركة السنوسية في ليبيا وقد سميته (الإمام محمد بن علي السنوسي ومنهجه في التأسيس، التعليمي، الحركي، التربوي، الدعوي).
وقد ذكرت في مقدمة الكتاب الأول من سلسلة (صفحات من التاريخ الاسلامي في الشمال الأفريقي)؛ أن اهتمامي بالتاريخ كانت بدايته خلف أسوار السجن السياسي في ليبيا، وقد اكرمني الله تعالى أن ألتقي في مدرسة يوسف عليه السلام ببعض وجهاء بلادنا في فترة الستينات من ذوي الثقافات المتنوعة، والخبرات المتعددة، والأتجاهات المتباينة، وقد حرصوا على توريث تجاربهم وخبراتهم، وتاريخهم للأجيال القادمة ، وقد استمعت الى بعض أبناء الحركة السنوسية وهم يتحدثون على ماقام به الدعاة والمجاهدون من أبناء الحركة في إعزاز دين الله، ونصرة أهله والدعوة إليه في الصحراء الكبرى، وغرب ووسط أفريقيا، وبلاد الحجاز، ومصر والشمال الأفريقي ، وكان لذلك الحديث أثره في نفسي ومن ثم اهتميت بجمع المعلومات عن كل ما يتعلق بالحركة السنوسية، من أجل الكتابة عنها، ودراستها ، دراسة تحليلية وافية، وكنت شديد الفرح بكل معلومة أحصل عليها من أفواه رجال الحركة، فأكتبها على أوراق الصابون، وأوراق البسكويت، وأوراق حليب الكورنيش بواسطة أقلام الرصاص، والجرافيت التي كنا نستخرجها من بطاريات الشحن الصغيرة؛ لأنه كان من الصعوبة بمكان الحصول على أوراق أو أقلام في المعتقل.
وبعد خروجي من السجن في 3/3/1988م وقد أكرمني الله بوضوح الهدف، والشعور بوجوب الدعوة الى الله تعالى، والإستعداد للتضحية في سبيلها قال الشاعر:
خرجنا من السجن شم الأنوف
كما تخرج الأسد من غابها
نمرّ على شفرات السيوف
ونأت المنية من بابها
وعندما خرجنا من المعتقل، كانت الصحوة الاسلامية قد امتدت في شرايين المجتمع الليبي، لقد غمرتني سعادة كبرى بظهور التيار الاسلامي، وامتلاء المساجد وانتشار الحجاب، وظهور التدين في المناسبات الاجتماعية إلا أنه بعد احتكاكي ببعض أبناء الصحوة، لاحظت أنها عاطفة جياشة ينقصها العلم الشرعي من الكتاب والسنة، كما وأنني لمست أنقطاعاً واضحاً عند هذا الجيل المبارك عن تاريخ أجداده وجهادهم ضد فرنسا في وسط أفريقيا والصحراء الكبرى، وجهادهم العظيم ضد ايطاليا في طول البلاد وعرضها، وجهادهم ضد بريطانيا على الحدود المصرية الليبية، وللأسف الشديد لايتذكرون من فتوحات الصحابة والتابعين لليبيا والشمال الأفريقي إلا ثقافة ضحلة لاتسمن ولاتغني من جوع، لذلك ازدادت قناعتي بأهمية كتابة تاريخ بلادنا ليس من الحركة السنوسية فقط؛ بل ليمتد من الفتح الاسلامي الى العصر الحديث، وبعد خروجي من بلادنا العزيزة لطلب العلم ألتحقت بالجامعة الاسلامية بالمدينة النبوية، وكانت فكرة كتابة التاريخ قد استقرت في ذهني، وشرعت في تنفيذها مستعيناً بالله العليم الحكيم، ومتضرعاً الى التواب الرحيم أن يلهمني الصواب، وييسر لي الأسباب ، وبعد عشر سنين ظهرت تلك الفكرة بفضل الله ومنه وتوفيقه الى حيز الوجود في سلسلة صفحات من التاريخ الاسلامي في الشمال الأفريقي طبع منها ستة كتب، وانتشرت في المكاتب العربية، والمعارض الدولية، ووصلت الى كثير من القراء، فكانت بين مادح وذام ، ومنتقد ومستدرك؛ قال الشاعر:
إن تجد عيباً فسدَّ الخللا
جل من لاعيب فيه وعلا
وقال الشاعر:
من الذي ما ساء قط
ومن له الحسن فقط
وقد وصلتني ملاحظات علمية قيمة أشكر أخواني على حسن نصحهم، وجميل أهدائهم، وتشجيعهم، وأدعو الله العلي الكبير ان يوفقني وأياهم لخدمة دينه وسنة نبيه ، وتاريخ الاسلام المجيد.
وها أنا الآن أقدم للجزء الأول للكتاب السابع وقد أطلع عليه بعض المختصين بعلم التاريخ، وقد قال أحد المؤرخين: إن مايقوم به هذا الباحث الشاب رد عملي على كل من يريد أن يفصل ليبيا عن جذورها الاسلامية الممتدة في أعماق التاريخ، ومن النوادر اللطيفة عندما كنت أكتب في هذا الكتاب طرق باب بيتي مجموعة من الشباب الليبي المهاجر، فأدخلتهم وأكرمتهم وبدأت أحدثهم عن الدرر ، والجواهر، والأمجاد العظيمة التي يزخر بها تاريخ بلادنا المعاصر، فقال أحدهم لي أحدهم لانريدك أن تكتب التاريخ وإنما نريدك أن تصنعه؛ فقلت لهم: أنتم تصنعونه وأنا أكتبه، فضحك الجميع ، وماكانت تلك الكلمة لتثنيني عن هدفي الذي هيمن على نفسي ومشاعري وأحاسيسي، فبذلت له وقتي وجهدي ومالي سائلاً المولى عز وجل أن تكون أعمالي خالصة لوجهه الكريم.
إنني كلما توغلت في دراسة التاريخ ازددت قناعة بأهميته في تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، وبناء الدول، ومحاربة الباطل، وإزالة الظلم، ونشر العدل.
إن هذا الجزء الأول من الكتاب السابع يعرّف القارئ الكريم بالإمام محمد بن علي السنوسي حامل لواء النهضة الحديثة في ليبيا، ومرسي قواعدها، وموقد جذوة الإيمان في قلوب قبائلها.
يتحدث هذا الكتاب عن حياة هذا الإمام الذي بارك الله في علمه وعمله واحيا الله به شعباً حمل لواء الدعوة والجهاد في الصحراء الكبرى، ووسط أفريقيا ولم يتردد في بذل ماله ورجاله من أجل نصرة دين الله تعالى.
ويسلط الأضواء على جوانب متعددة في منهج الحركة السنوسية، ليبين للقارئ الكريم أن شعب ليبيا عندما أكرمه الله تعالى بداعية رباني، استطاع أن يفجر طاقته الكامنة تحول الى مجتمع اسلامي قوي حمل مشاعل النور في قلب أفريقيا المظلمة وبذل الغالي والنفيس في سبيل الاسلام.
ويوضح للقارئ الكريم أن ابن السنوسي يعتبر رائداً من رواد مدرسة الاصلاح الاسلامي في الشمال الأفريقي ووسطها وغربها عمل على نشر الاسلام الصحيح، ومحاربة البدع، والخرافات، والشعوذة بأنواعها وأشكالها، التي لحقت به في عصورها المتأخرة في مشرقه ومغربه على حد سواء.
إن هذا الجهد المتواضع يزيل اللثام عن شخصية علمية دعوية ربانية كان لها أثر ولازال في لييا خصوصاً وافريقيا عموماً ويجيب القارئ على كثير من الأسئلة التي يحتاجها المهتمون بدراسة الدعوات الاصلاحية، والتي يبحث عن إجابتها دعاة الاسلام في لييا خصوصاً.
ماهي رحلات ابن السنوسي العلمية؟ وماهي العلوم التي درسها؟ ومن هم شيوخه؟ وماسر نجاحه؟ وماهي صفاته؟ وكيف تعرف على أحوال المسلمين واخلاقهم؟ وكيف استطاع أن يتصل بالكثير من القادمين من مختلف أنحاء العالم الاسلامي؟ وماهي خطة عمله التي سار عليها؟ وهل استفاد من حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وتجربة محمد علي باشا حاكم مصر؟ وماهو اسلوبه في التعامل مع الدولة العثمانية، وعلمائها؟ وكيف تعامل مع الطرق الصوفية، والقبائل البدوية، والقبائل الوثنية؟ وماهي حقيقة الزوايا السنوسية؟ وهل استطاع ابن السنوسي أن يجعل من قبائل ليبيا قوة اسلامية يحسب لها حسابها الاقليمي، والدولي؟ وهل كانت مفاهيم الحركة السنوسية سلفية؟ وماهي علاقة ابن السنوسي بحركة الجهاد ضد ايطاليا وفرنسا؟ وهل كان من الممكن أن يخرج أبطال الجهاد، من أمثال أحمد الشريف، وعمر المختار وغيرهم لولا الله ثم جهود ذلك المصلح العظيم؟
نعم علامات استفهام كثيرة نحاول الاجابة عليها في الجزء الأول ثم الجزء الثاني بإذن الله تعالى.
هذا وإنني لم آتي بجديد، وإنما وفقني الله تعالى للجمع والترتيب والتحليل، فإن كان خيراً؛ فمن الله وحده، وإن أخطأت السبيل فأنا عنه راجع إن تبين لي ذلك والمجال مفتوح للنقد، والرد والتعليق والتوجيه، كما أقرر بأنني قد استفدت كثيراً في كتابي هذا من الجهود التي سبقتني، ككتاب (السنوسية دين ودولة) لمحمد فؤاد شكري، والحركة السنوسية، للدجاني ، وبرقة العربية أمس اليوم للأشهب، والسنوسي الكبير للأشهب، والفوائد الجليلة في تاريخ العائلة السنوسية لعبدالقادر بن علي، والمجموعة المختارة للإمام ابن السنوسي التي جمعها محمد عبده بن غلبون وإخوانه، وغيرها من الكتب، وقد دونت مااختصرته من مباحث وأشرت إليه في هامش الكتاب للأمانة العلمية، كما أنني انتهجت منهجاً دعوياً ، تاريخياً يعتمد على توسيع النقاط البيضاء المشرقة ، وتضييق النقاظ السوداء المظلمة ، مساهمة مني في علاج الهزيمة النفسية التي يمر بها شعبنا المظلوم ومتضرعاً لله تعالى الحي القيوم أن يحي شعبنا وأمتنا بالإيمان والقرآن الكريم، وسنة سيد الخلق أجمعين.
وقد قمت بتقسيم الجزء الأول من الكتاب السابع في السلسلة التاريخية الى مقدمة ، وثلاثة فصول ، وخاتمة ، وهي كالآتي:
الفصل الأول : الإمام محمد بن علي السنوسي ، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبه وشيوخه ورحلاته في طلب العلم.
المبحث الثاني: اسباب اختيار ابن السنوسي برقة مركزاً لدعوته.
المبحث الثالث: إقامة ابن السنوسي في الحجاز وعودته الى برقة .
الفصل الثاني: البعد التنظيمي ، والمنهج التربوي، والبعد السياسي عند ابن السنوسي ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: البعد التنظيمي.
المبحث الثاني: المنهج التربوي.
المبحث الثالث: البعد السياسي.
الفصل الثالث: اسلوبه الدعوي، وثروته الفكرية، وصفاته الربانية ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الأسلوب الدعوي.
المبحث الثاني: الجانب الفكري عند ابن السنوسي من خلال كتبه .
المبحث الثالث: من أهم صفات ابن السنوسي.
ثم نتائج البحث.
وأخيراً: أرجو من الله تعالى أن يكون عملاً خالصاً لوجهه الكريم وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكافة مايملكون من أجل إتمام هذا الكتاب .
((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين)).


الفقير الى عفو ربه ومغفرته
علي محمد محمد الصّلابي


المدخل
أحوال العالم الاسلامي قبيل ظهور الحركة السنوسية

بدأ الضعف والانحلال يدب في أوصال الأمة الاسلامية بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي الذي هزم الصليبين، وطهر بلاد المسلمين منهم، ومما زاد الأمر سوءً احتلال التتار للمماليك الاسلامية، وتمزيقهم للأمة، والعمل على إزالت معالمها الحضارية، والدينية، والعلمية، وشاءت إرادة الله النافذة أن يلطف بهذه الأمة، فأكرم الله العثمانيين بالتمكين، وكان قمة ذلك التمكين في زمن السلطان محمد الفاتح الذي أجرى الله على يديه فتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية عام 857هـ/1453م، وبذلك عادت للأمة هيبتها، وقوتها، ومجدها، وعزتها، وتولى العثمانيون زعامة الأمة الاسلامية ، وكان الشعب العثماني قد تميز بالحماس، وحب الجهاد، وعشق الشهادة في سبيل الله، وسلامة الفطرة، والبعد عن الأمراض الاجتماعية التي اصابت غيره من الشعوب، أضف الى ذلك القيادة الربانية التي كانت تقود الشعب نحو ساحات الوغى، وتعمل على نشر الاسلام، وتزيل العوائق من أمام الأمم المفتوحة، ليعرض عليها الاسلام صافياً نقياً من كل شائبة، وهيمن الاسلام من جديد على زعامة العالم وقيادته، وأصبحت الدولة العثمانية تحكم في ثلاث قارات: أوروبا ، وأفريقيا، وآسيا، وتوغلت في أوروبا، حتى بلغت الجيوش العثمانية أسوار فينا، وكانوا سادة البحر المتوسط من غير نزاع، وقد جمعوا بين السيادتين، البرية ، والبحرية، وبين السلطتين الروحية والسياسية( ).
(ولكن من سوء حظ المسلمين. أخذ الترك في الانحطاط ودب إليهم داء الأمم من قبلهم: الحسد والبغضاء، واستبداد الملوك وجورهم، وخيانة الأمراء وغشهم للأمة. وإخلاد الشعب الى الدعة والراحة. وكان شر ما أصيبوا به الجمود في العلم والجمود في صناعة الحرب، وتنظيم الجيوش)( ).
وأخذت ملامح القوميات العرقية تظهر على مسرح الأحداث في الدولة، وتفجرت الثورات في البلقان، وشرعت في تشكيل جمعيات قومية سراً، وعلناً، وبدأت التوجيهات العلمانية تظهر في الأمة، وعمل اليهود والنصارى على تقوية هذه الاتجاهات المفسدة، فاليهود أرادوا الانتقام لأن العثمانيين منعوهم من فلسطين، والنصارى يريدون أن ينتقموا لحملاتهم الصليبية التي فشلت في تحقيق أهدافها أمام جهاد عماد الدين، ونور الدين ، وصلاح الدين .
كانت الأحزاب العلمانية ، والجمعيات السرية، والعصبيات القومية، تنخر في كيانها الدولة العثمانية؛ فظهر من يدعو الى القومية الطورانية، والعربية ، والكردية...الخ وبدأت الثورات تتفجر في البلدان، وأخذت الحركات الانفصالية تتكاثر ، وأخذت الدول الأوروبية في دعمها، وتعد المشاريع لاقتسام تركة الرجل المريض، وكان العالم الاسلامي آنذاك منضوي تحت لواء الدولة العثمانية التي فقدت عوامل النهوض، واهملت شروط التمكين، وتباعدت عن اسبابه، وتخلفت عن ركب الحضارة، فدخلت الأقاليم الاسلامية في دوامة التدهور، والظلام الحالك، والمحنة الشاملة، والجهل المطبق والظلم الفادح، والفقر المدقع، فتفجرت الثورات بدوافع مختلفة، فمرة بدوافع العرق والقومية، واخرى دفاعاً عن النفس ضد الجور، والتعسف والظلم، وتارة بدافع الحقد، والتعصب، وكانت اليهودية والصليبية خلف تمزيق السلطنة، وإضعافها، فكثرت مصائبها، وتعددت جبهاتها، وأصبح مركز الخلافة، مفككاً، ضعيفاً، متدهوراً، منحلاً، وقد اصيبت الولايات، كالجزائر ، وتونس ، وليبيا، ومصر، والشام والحجاز، بالضعف الشديد، والتدهور المريع، بسبب الظلم والاستبداد، وانتشار الجهل، وجمود العلم، وغياب القادة وصاحب هذا الانهيار في كيان الدولة ، أحداث خطيرة، كان لها أثر فعال على المسلمين وجميع جوانب حياتهم، الفكرية ، والدينية، والعلمية والسياسية فمن ذلك:
أ‌. احتل الفرنسيون مصر عام 1798م وظلوا فيها حتى عام 1801م، وتمكن محمد علي باشا من الانفراد بحكمها بعد خروج فرنسا
(1805-1848م) وكان هذا الرجل مصيبة كبرى على الأمة، واستطاعت الدول الأوروبية ، والمحافل الماسونية أن تحقق اهدافها بواسطته، فعمل على:
تحطيم الدولة السعودية الأولى التي كانت خنجراً مسموماً في ظهر الاطماع البريطانية في الخليج العربي خصوصاً، والمشرق عموماً.
فتح البلاد على مصرعيها لإقامة مؤسسات معادية للدين الاسلامي والمسلمين؛ كالمحافل الماسونية، والارساليات التبشيرية، والأديرة والكنائس، ومدارس تتعهد التيارات القومية المعادية للاسلام، وبث الافكار المعادية للأمة.
اتاح الفرصة لشركات أوروبية تحكمت في اقتصاد البلاد.
منح امتيازات واسعة للأوروبيين، ومنع المسلمين منها.
خنق التيار الاسلامي الأصيل، وضيق على العلماء والفقهاء، ولم يسمح للمسلمين أن يتكتلوا من أجل أهدافهم السامية، وغير ذلك من المساوئ.
ب- وفي عام 1830م احتلت فرنسا الجزائر، وفشلت الدولة العثمانية في منعها، وحاولت فرنسا جعل الجزائر قطعة منها، ثم امتد نفوذها الى تونس عام 1881م، ودخلت الى السودان الغربي.
ج- احتلت بريطانيا عدن عام 1839م وبدأت في توسيع نفوذها وسلطانها على دول الخليج العربي، وبعض بلاد الشام، وحاولت الدولة العثمانية وقف السرطان الصليبي الذي انهك جسم الأمة ولكنها فشلت وأصبحت الأمة تعاني من الآثار المترتبة بسبب ابتعادها عن شرع الله تعالى؛ فمن الناحية الاجتماعية، تفشى الجهل، وأصبح عاماً شاملاً لكل الديار الاسلامية، وضمر الايمان ، وتقاعست النفوس، وكان النزاع بين الأمراء مستمراً على حطام الدنيا، وأصبح كل حزب بما لديهم فرحون، وولاة الدولة العثمانية همهم جمع الاموال، وتكثير الأملاك إلا مارحم الله، وأخذ الظلم الذي استشرى يعجل بزوال الدولة العثمانية، أما من الناحية العلمية؛ أصبحت الأمة في ليل حالك وظلام دامس؛ وتفشى الجهل في كل طبقات الأمة وفي جوانبها الثقافية كالأدب، والعلم، والصناعات، ... وكان العالم الاسلامي من شرقه الى غربه مصاباً بالجدب العلمي، وشبه الشلل الفكري، وأصبح في حالة غيبوبة، واستولى عليه النعاس الشديد، ومات فيه النشاط، والحيوية، والأبداع، والاجتهاد في العلم والدين، والأدب، والشعر، والحكمة ودخلت الأمة في نفق التقليد الأعمى، وكان مظلماً شديد الظلمة.
وأصبحت الجامعات الكبرى كالأزهر، والزيتونة تهتم بالمتون وتترقى في الشروح، ومن بلغ الذروة في العلم والمعرفة فهم ما في الحواشي، وعاش العالم الاسلامي في عزلة سياسية وعلمية مخيفة، فلا علاقة له بشعوب الارض إلا من خلال النزاع السياسي، والصدام العسكري، فتجمدت حياته العلمية وانتهت الى ترديد كتب وعبارات الأقدمين والمجتهد النحرير من يفهمها( ).
(وأصبح العلم مع الزمن، احتكاراً لأسر معينة، وغدت طبقة العلماء طبقة اجتماعية ذات امتيازات خاصة، واتخذت موقفاً صلباً ضد كل تجديد في عالم الفكر، فقد قاوموا إدخال المطابع الى الدولة وطباعة الكتب الدينية الاسمية...)( ).
وكان العلماء هم المشرفون على التربية والتعليم في الدولة، ولم يستطع العلماء أن يجعلوا للتعليم في المدارس والمعاهد برنامجاً متطوراً يتناسب مع عصرهم، وقد تحدث بعض المفكرين عن عيوب التعليم متخذين من الأزهر الشريف مثلاً على ماوصلوا إليه؛ فقد قال محمد خليل المرادي عن عيوب التعليم في الأزهر مايلي:
1. قبول أبناء الأكابر والأغنياء في الأزهر ممن لايتمعون بمستوى تعليمي جيد.
2. تدني مستوى الأساتذة.
3. استئثار بعض الاساتذة بتعليم كثير من المواد بحيث يعينون بدلاء عنهم مقابل مرتب زهيد.
4. تحديد الموضوعات، وضيق النظر في التدريس، فقد كان الهدف في التعليم تلقي بعض المعلومات المحدودة، أما تجاوز هذه المعلومات أو مجرد التساؤل عن صحتها، فقد يثير الشكوك ومقاومة العلماء أو قد يصل الى حد العقاب والطرد من المعهد أو فقدان مصدر العيش ناهيك عن التشهير( ).
هذه أهم ملامح الحياة الأدبية والعلمية في ذلك العصر .
أما من الناحية الصناعية:
فقد ضيع المسلمون الأعمار، وأخلدوا الى التقليد الأعمى، ورضوا بالجمود، ولم يبتكروا في الصناعات، بل أضاعوا ماكان لديهم من صناعات قديمة، وفقدوا مهارتهم، وحاول السلطان العثماني سليم الثالث أن يهتم بالإصلاح الصناعي ، فأنشأ مدارس جديدة، وكان يعلم نفسه في مدرسة الهندسة، وألف جيشاً على الطراز الحديث فثار عليه الجيش لغرابة ذلك، وتم قتله.
ومن الناحية الدينية:
(كان علماء الدين في الدولة العثمانية يعتبرون أنفسهم حماة الشريعة والحريصين على التمسك بمذهب أهل السنة، إذ كان دين الدولة الاسلام ومذهبها الرسمي هو المذهب الحنفي، وكان على رأس هؤلاء العلماء شيخ الاسلام ووظيفته شبيهة بوظيفة الخليفة العباسي الذي كان يقيم في القاهرة في ظل حكم الممالك، وكان مركزه معادلاً لمركز الصدر الأعظم (رئيس الوزراء)، ويتمتع شيخ الاسلام بصلاحية إصدار الفتاوى في القضايا الكبرى، كأن يصدر فتوى بعزل السلطان أو أعلان الجهاد، ولكنه من الناحية العملية يعين من قبل السلطان ويلي شيخ الاسلام في منصبه (قاضيا العسكر) في الروملي، والاناضول، وقاضي استانبول ، ويليهم عدد من القضاة يكونون جميعاً مع شيخ الاسلام (المجلس الاعلى للعلماء)( ).
وجمد المسلمون في علوم دينهم فليس لديهم إلا ترديد بعض الكتب الفقهية، والنحوية، والصرفية، ونحوها، وجمدوا على فقه المذاهب، وجل همهم التعمق في الحواشي، وحفظ المتون، دون القدرة على الاجتهاد.
وجعلوا لكل مذهب من المذاهب الفقهية مفتياً وإماماً ، وتعددت الجماعات في المسجد الواحد كل ينتصر لمذهبه، وكل يصلي خلف إمام حسب المذاهب المتواجدة في ذلك المسجد، كما أن الافتاء في أي مسالة حسب مذهب السائل، وحرم على الناس خروجهم عنها، وأغلق باب الاجتهاد بمغاليق من حديد، وكان علماء الدين كما وصفهم المؤرخ الجبرتي: (انهم قد زالت هيبتهم من النفوس، وانهمكوا في الأمور الدنيوية والحظوظ النفسانية والوساوس الشيطانية، ومشاركة الجهال في المآتم، والمسارعة الى الولائم في الافراح والمآتم، يتكالبون على الاسمطة ، كالبهائم، فتراهم في كل دعوة ذاهبين ، وعلى الخوانات راكعين ولما وجب عليهم من النصح تاركين)( ).
أمور يضحك السفهاء منها
ويبكي من عواقبها اللبيب
وعندما دخل نابليون بونابرت مصر غازياً، استفاد من أمثال أولئك العلماء وألف منهم ديوان القضاء وقال: (إني استعين بهم لاتقاء أكثر العقبات إذ أن أكثرها دينية، ولأنهم لا يعرفون أن يركبوا حصاناً، ولا أن يقوموا بأي عمل حربي، وقد استفدت منهم كثيراً، واتخذتهم وسيلة للتفاهم مع الشعب)( ).
لقد انتشرت في ذاك العصر الدعوات المنحرفة، والأفكار المسمومة ، وكثرت مظاهر تقديس القبور، وطلب الحاجات من أصحابها، وبناء القباب الضخمة عليها والصلاة حولها، وارتكاب البدع الخطيرة، وانتشر التصوف المنحرف في ارجاء البلاد الاسلامية، شرقها، وغربها، عربيها وعجميها، لقد ضاع مفهوم العبادة الصحيح، والولاء والبراء، وانحرفت الأمة عن كتاب ربها وسنة رسولها ، فكان من الطبيعي أن تتعرض لضربات أعدائها، وأطماعهم الشريرة، فإذا نظرنا للدولة العثمانية، نجدها قد انقلبت الى مطايا استبداد وفوضى واغتيال، وكثر السلب والنهب، وفقد الأمن، وانحرفت بعض السلاطين عن الصواب يقول محمد كمال جمعة: (وكانت قصور السلاطين والوزراء وكبار رجال الدولة مملؤة بالجواري والسبايا، وكان بعض أولئك السبايا أجنبيات من بلاد أجنبية فكن عيوناً لدولهن على الدولة العثمانية)( ).
(وقد تعالى سلاطين هذه الدولة على الرعية فإذا خاطبوا الرعية كانوا لايوجهون الخطاب إليها مباشرة بل يقولون لولاتهم بلغوا عبيد بابنا العالي)( ).
وكانت الدولة العثمانية في آخر زمانها لا تحارب التصوف المنحرف بمختلف طرائقه وبصوره التي بعدت عن الاسلام بعداً شاسعاً، وكانت قد دخلت من عادات بعضها نصرانية، كالرهبانية، واللعب بذكر الله، وابتداع أساليب فيه، كالرقص، والغناء والصياح، والتصفيق...الخ.
فإذا نظرنا الى بلاد فارس؛ نجد الدولة الصفوية الرافضية قد عاصرت الدولة العثمانية، وكانت تدعي الاسلام وهي دولة رافضية على مذهب الامامية وكانت تغالي في الرفض حتى أنها حاربت الدولة العثمانية لأنها منسوبة الى السنية أشد الحرب بتحريض من النصارى والصليبيين، واستجابة لمعتقدهم الفاسد.
أما إذا نظرنا الى بلاد الهند؛ فقد كانت الدولة المغولية ؛ لكنها كانت بقية ورثها أبناء ملك الهند المغولي أكبر خان، وقد قرب الشاعر الشيعي المسمى الملا مبارك ووليده، أبا الفائز (وكان شاعراً متصوفاً) وأبا الفضل (وكان فيلسوفاً على طريقة الصوفية المنحرفة)، وجعل فتح اله الشيرازي من أكابر علماء الشيعة من فارس مستشاره الشرعي، وهو شديد الوطأة على علماء أهل السنة، وألغى اللسان العربي من بلاطه وجعل الفارسي مكانه، وكان ميالاً الى التصوف المنحرف ويراه أرقى طريقة إسلامية، وهو على طريقة تصوف أهل وحدة الوجود، وله عقائد أخرى منها تناسخ الأرواح - أخذه عن البراهمة( ).
مما دعا الشيخ العالم ولي الله الدهلوي (ت1176هـ) في نهاية هذا العصر المغولي أن يقوم بجهود تكسر الجمود، وتطلق العقول لتتمش مع صلاحية الاسلام لكل زمان ومكان( )، لكن انتهت دولة المغول في الهند، وطمعت البرتغال الكافرة في مسلمي الهند بسبب فساد ملوك هذه الدولة المغولية، وقامت حروب داخلية كثيرة، وتغلب فيها الهندوس واستعمرتها شركة الهند الشرقية الانجليزية حوالي 1175هـ( ).
وأما المغرب الأقصى:
كانت دولة العلويين تعاني من خلافات القبائل وثورات البربر ونزاع الطامعين على العرش، وتحاول جاهدة في الحفاظ على نفسها أمام أطماع الدول الاستعمارية، وقد كان لها قبل ذلك القرن اسطول بحري قوي حمى حدودها البحرية، وفرض احترامها على الدول الأوروبية ولكنها خسرته في عهد السلطان سليمان الذي اهمله واختار اتباع طريقة عقد المعاهدات مع الدول الأوروبية، وعندما حاول ابنه السلطان عبدالرحمن اعادة بناء الاسطول وقفت له تلك الدول بالمرصاد واجبرته على التخلي عن عزمه( ).
وبدأت الدول الأوروبية تستقطع من العالم الاسلامي دولاً كلما اتيحت لها الفرصة، لقد اهتز المسلمون لاحتلال الصليبيين لأجزاء من الوطن الاسلامي اهتزازاً عنيفاً، كما أثر عليهم احتكاكهم بالغرب، واطلاعهم على تقدمه، بالاضافة الى إحساس بعضهم بتخلف المسلمين وانحطاطهم.
ومن هذا نبعت حركات الاصلاح التي تتابعت في العالم الاسلامي منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، بتأثير عوامل عديدة منها؛ إحساس بعض العلماء الربانيين بسوء الاوضاع في العالم الاسلامي، وتحدي العالم الصليبي الأوروبي للعالم الاسلامي احتلاله أجزاء منه، فقامت حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في نجد، وكان الدافع لها إحساس مؤسسها بإنحطاط المسلمين، وتأخرهم؛ لقد أذن الله سبحانه وتعالى بظهور دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب، بعد ما أطبقت الجهالة على الأرض، وخيمت الظلمات على البلاد، وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين، وانطمس نور الاسلام، وخفي منار الحق والهدى وذهب الصالحون من أهل العلم فلم يبقى سوى قلة قليلة لا يملكون من الأمر شيئاً، واختفيت السنة وظهرت البدعة، وترأس أهل الضلال والأهواء واضحى الدين غريباً والباطل قريباً، حتى لكان الناظر الى تلك الحقبة السوداء المدلهمة ليقطع الأمل في الإصلاح ويصاب بيأس قاتل في اية محاولة تهدف الى ذلك.
فكانت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- تعد البداية الحقيقية لما حدث في العالم الاسلامي من يقظة جاءت بعد سبات طويل، وما تمخض عنها من صحوة مباركة ورجعة صادقة الى الدين( ).
لقد كان أثر دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب عظيماً في العالم الاسلامي، ويكفي في ذلك أن تكون عقيدة أهل السنّة آخذة في الظهور والزيادة والقوة، بعد أن كانت غريبة ومحاربة في أكثر البلاد، وبدأت الأمة تلتمس كتاب الله وسنة رسوله  لتسير على هدى الاسلام الصحيح في حياتها.
وظهر الامام محمد بن علي السنوسي بدعوته الاسلامية بعد وفاة محمد بن عبدالوهاب بعشرات السنين وكان لدعوته، أثر في مسيرة الأمة الاسلامية في الشمال الأفريقي، وغربها ووسطها، وكذلك في الحجاز وغيرها من أقطار العالم الاسلامي، ونترك للصفحات القادمة إعطاء القارئ الكريم صورة واضحة عن حياته ، ورحلاته، وأعماله، وكيف عاش واقع المسلمين المؤلم، وخطر الأوروبيين المحدق، فاندفع يعمل محاولاً الاصلاح، وماهي العوامل التي أثرت عليه ودفعته الى القيام بحركته؟ وماهي مؤلفاته وأفكاره؟ وماهو نظامه الحركي الذي سار عليه حتى وصل الى ماوصل إليه؟
هذا ماسوف نتركه للكتاب للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها.
الفصل الأول
الإمام محمد بن علي السنوسي

المبحث الأول
اسمه ونسبه وشيوخه ورحلاته في طلب العلم

أولاً : اسمه ونسبه:
هو الشيخ محمد بن علي بن السنوسي بن العربي بن محمد بن عبدالقادر بن شهيدة بن حم بن يوسف بن عبدالله بن خطاب بن علي بن يحيى بن راشد بن أحمد المرابط ابن منداس بن عبدالقوي بن عبدالرحمن بن يوسف بن زيان بن زين العابدين بن يوسف بن حسن بن ادريس بن سعيد بن يعقوب بن داود بن حمزة بن علي بن عمران بن إدريس بن إدريس بن عبدالله الكامل ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي( ) بن أبي طالب الهاشمي القرشي.
ولد سنة 1202هـ صبيحة يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول عند طلوع الفجر ولذلك سماه والده محمداً تيمناً باسم النبي وكانت ولادته بضاحية ( مَيْثاً ) الواقعة ضفة وادي شِلْف بمنطقة الواسطة التابعة لبلدة مستغانم في الجزائر( ) وتوفي والده بعد عامين من ولادته، وتولت عمته فاطمة تربيته وتنشئته تنشئة صالحة وكانت من فضيلات أهل زمانها، ومتبحرة في العلوم ومنقطعة للتدريس والوعظ يحضر دروسها ومواعيظها الرجال( ) واهتمت السيدة فاطمة بابن أخيها الذي أظهر حباً عظيماً لتحصيل العلوم، فأخذ يطلب العلوم من شيوخ مستغانم، وغيرها من البلاد المجاورة لها مع تعهد عمته له ومن أشهر شيوخه في تلك المرحلة، فمنهم من أخذ عنهم القرآن الكريم مع القراءات السبع، محمد بن قعمش الطهراوي زوج عمته، وابنه عبدالقادر وكانا عالمين جليلين صالحين وابن عمه الشيخ محمد السنوسي الذي تولاه بعد وفاة عمته في الطاعون عام 1209هـ وعمره لم يتجاوز السابعة واتم على ابن عمه حفظ القرآن الكريم برواياته السبع مع علم رسم الخط للمصحف والضبط وقرأ عليه الرسالات الآتية، مورد الظمآن، المصباح، العقيلية، الندى، الجزرية، الهداية المرضية في القراءة المكية، حرز الأماني للشاطبي، وغيرها مما هو من وظائف قارئ القرآن( ) وبعد أن أتم مايلزمه من لوازم حفظ القرآن واتقانه شرع ابن عمه الشيخ محمد السنوسي في تعليمه العلوم العربية ثم الدينية بالتدرج وتربيته على العمل بما تعلم وكان يزوده بتراجم العلماء والقادة والفقهاء وتوفي ابن عمه عام 1219هـ فجلس محمد بن علي على شيوخ من مستغانم وهم: محي الدين بن شلهبة، ومحمد بن ابي زوينة، وعبدالقادر بن عمور، ومحمد القندوز، ومحمد بن عبدالله، وأحمد الطبولي الطرابلسي، وكلهم من جهابذة العلماء في زمانهم ومكث يطلب العلم في مستغانم سنتين كاملتين( ).
وفي أوائل 1221هـ خرج من مستغانم إلى بلدة مازونه ومكث بها سنة واحدة وتتلمذ على مجموعة من المشائخ هم، محمد بن علي بن أبي طالب، أبو رأس المعسكري، وأبو المهل أبو زوينه( ).
وبعد ذلك رحل إلى مدينة تلمسان وأقام بها مايقارب من السنة وتتلمذ على كبار شيوخها( ).
ثانياً: نبوغ مبكر :
كان الشيخ محمد بن علي السنوسي في صغره يميل إلى الإنزواء والإنفراد ويمضي وقتاً طويلاً في التفكير العميق، ويتألم من حال الأمة وما وصلت إليه من الضعف والهوان والضياع وكان يبحث عن عوامل النهوض، وأسباب توحيد صفوف الأمة، واحياء الملة الإسلامية، وحدث ذات مرة أن وجده بعض العلماء جالساً فوق كثيب من الرمال تظهر على صفحات وجهه المشرق علامات التفكير العميق، فلما سألوه عن السبب في ذلك، أجاب بأنه ( يفكر في حال العالم الإسلامي الذي لايعدو عن كونه قطيعاً من الغنم لاراعي له على الرغم من وجود سلاطينه وأمرائه ومشايخ طرقه وعلمائه، فمع أن هناك عدداً كبيراً من المرشدين وعلماء الدين الموجودين في كل مكان، فإن العالم الإسلامي لايزال مفتقراً أشد الافتقار إلى مرشد حقيقي يكون هدفه سوق العالم الإسلامي أجمع إلى غاية واحدة ونحو غرض واحد والسبب في هذا إنعدام الغيرة الدينية لدى العلماء والشيوخ وإنصرافهم إلى الخلافات القائمة بينهم قد فرقتهم شيعاً وجماعات فأصبحوا لايعنون بنشر العلم والمعرفة ولايعملون بأوامر الدين الحنيف، وهو دين توحيد أساسه الاتحاد وجمع الكلمة. زد على هذا أن على هؤلاء العلماء والشيوخ واجب عظيم في حق الملة الإسلامية، إذ أن الشعوب المجاورة في السودان والصحراء من افريقية الغربية - لاتزال تعبد الأوثان، ومع هذا فانهم بدلاً من وعظ هذه الشعوب الوثنية وإرشادهم إلى الدين القويم، مازالوا يفضلون القبوع في كل مسجد من مساجد المعمورة غير عاملين بعلمهم لاهم لهم إلا راحة أجسامهم، حريصين على لذاتهم، غير قائمين بواجبات مراكزهم، لاضمائر لهم تؤنبهم على إهمالهم إرشاد هؤلاء المساكين، الوثنيين( ). ومع ذلك فقد بلغ السيد من القوافل الواصلة إلى بلده مستغانم أن الإسلام مغلوب على أمره في كل محل، ( وأن المقاطعات والخطط المعمورة تذهب من أيدي المسلمين في كل وقت وبسرعة البرق، فالإسلام في حالة التدهور المخيف. تم ختم كلامه بقوله: ( هذا ما أفكر فيه! فلما سألوه وماذا يجب على المسلمين عمله لتلافي ماذكرت، أجاب: سأجتهد، سأجتهد)( ).
لقد كان تفكيره في حال الأمة مبكراً، واجتهد في البحث عن العلل والأسباب التي أدت إلى التدهور والضعف المخيف في كيان الأمة وذكر أن من أسباب هذا الضياع فقدان القيادة الراشدة، وغياب العلماء الربانيين، وانعدام الغيرة الدينية، والإنشغال بالخلافات التي فرقتهم شيعاً وجماعات، والتفريط في حق دعوة الناس إلى الإسلام، وضياع الأقاليم الإسلامية، ولذلك اهتم بالبحث عن عوامل النهوض فرأى أن بدايتها في الإيمان العميق الذي هو أساس كل خير وسبب لحصول البركات ونزول الأرزاق قال تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ... } ( سورة الأعراف، الآية: 9 ).
إن الإيمان هو القضية الأولى والأساسية لهذه الأمة، فإذا تخلف المسلمون عن غيرهم في وسائل الحياة الحرة الكريمة فمرد ذلك إلى انحرافهم عن فهم الإسلام فهماً سليماً، وعن ضعف إيمانهم بقيمه ومثله ولاسبيل إلى إصلاح حالهم ومآلهم إلا بالإيمان على الوجه الذي بينه الله في كتابه، ورسوله  في سنته. وهو أن يكون طاقة دافعة إلى العمل، وقوة محركة للبناء، وحافزاً طبيعياً للتفوق( ).
وقد وصل إلى حقيقة مهمة ألا وهي أهمية العلم في نهوض الأفراد والجماعات والأمم، لأن العلم ظهير الإيمان، وأساس العمل الصالح، ودليل العبادة( ).
فبعد أن قطع المرحلة الأولى من طلب العلم في بلده الجزائر اشتاقت نفسه للمزيد:
قال أبو اسحاق الألبيري - رحمه الله - :
فلو قد ذقت من حلواه طعماً
لآثرت التعلم واجتهدت
ولم يشغلك عن هوى مطاع
ولادنيا بزخرفها فتنا
ولا ألهاك عنه أنيق روض
ولاخدر بزينتها كلفتا
فقوت الروح أرواح المعاني
وليس بأن طعمت ولاشربتا
ثالثاً: الرحلة إلى فاس :
وكانت المرحلة الثانية في الطلب، حيث قصد مدينة فاس في المغرب الأقصى ومكث فيها سبع سنوات تقريباً، فأخذ العلم بالرواية عن أفاضل علماء فاس مثل، حمودة بن حاج، حمدون بن عبدالرحمن، والطيب الكيراني، محمد بن عامر المعواني، وأبي بكر الأدريسي، وادريس بن زيان العراقي، ومحمد بن منصور، ومحمد بن عمر الزروالي، ومحمد البازعي، والعربي بن أحمد الدرقاوي، وكان العربي الدرقاوي من شيوخ الطريقة الشاذلية، وتبحر ابن السنوسي في معرفة الطرق الصوفية إلى جانب التفقه في علوم الدين، وتحصل على إجازات من علماء راسخين وأصبح مدرساً بالجامع الكبير بمدينة فاس ونال المشيخة الكبرى بها( ) وأقبل الناس عليه لما رأو من صلاحه وتقواه وفهمه الدقيق لعلوم الشريعة، وروحه الفياضة، وعقله المتنور، وفكره الناضج، وخشيت حكومة السلطان سليمان من نفوذه وبدأت العراقيل، ووجد أن لافائدة ترجى من بقائه بفاس وقرر الارتحال عنها بعد أن تبلورت أصول الدعوة في ذهنه وعزم على محاربة الأوهام والخزعبلات التي أبعدت الاسلام عن حقيقته، وحجزته بينه وبين أتباعه من أن يحقق لهم ماحققه في عهده الأول من رفعة وتلك هي الوسيلة الوحيدة التي تمنح المسلمين القوة، وتمكن لهم من دفع عدوهم عنهم، كما أن تجربته مع السلطان أكسبته خبرة في التعامل مع الحكام في المستقبل، ولقد لاحظ في فاس تباعد الأمة عن دينها وعقيدتها وانحرافها عن كتاب ربها وسنة نبيها وكيف بدأ الغزو الأوروبي يؤثر على المدن المغربية؟ وكيف دخلت البلاد في الصراعات والخلافات الداخلية؟ ولعل الذي جعله يبقي في المغرب الأقصى مدة سبع سنين متتالية جامع القرويين الذي وجد فيه جماعة من العلماء الذين ذكرت بعضهم، وكان يتشوق الى لقائهم( ) ولقد تعمق أحساسه بالخطر الأوروبي وشعر بالاخطار التي كانت تتهدد هذه البلاد من الدول الصليبية، ولقد سمع بعض الناس يتحدثون عن النكبات التي حاقت بها من هذه الدول منذ قرنين من الزمن، حين احتل الاسبان أجزاء كثيرة منها، كالمرسى الكبير، ووهران ، وعنابة وتنس ومدينة الجزائر، ومستغانم (مسقط رأسه) ومازالت أعمالهم الشنيعة، وأفعالهم القبيحة يرويها جيل عن جيل من القتل الذريع، والسبي الشنيع، وإهدار كل حرمة، وتحويل المساجد الى كنائس كانت تلك الأمور محل تأمل وتفكر من قبل ابن السنوسي( ).
لقد كانت تجربة فاس ثرية بالنسبة لابن السنوسي وقد نقل لنا شكيب ارسلان عن أحمد الشريف السنوسي مادرسه جده في فاس والشيوخ الذين أخذ عنهم فقال : (ومنهم العلامة الهمام سيدي محمد بن الطاهر الفيلالي الشريف العلوي قرأت عليه مختصر السعد، وجمع الجوامع، السلم ، وجملة صالحة من مختصر الشيخ خليل ، وهو يروي عن الحافظ بن كيران والعلامة الزروالي وشيخهم العلامة ابن الشقرون باسانيدهم السابقة وغيرهم من أماثل علماء فاس. ومنهم العلامة المتقي المتفنن ابو المواهب سيد أبوبكر بن زياد الادريس حضرته في علوم كثيرة وقرأت عليه الفرائض والحساب والاربعين ومضاعفاتها والاسطرلابيين وصناعتها والعلوم الاربعة الرياضة والهندسة والهيئة والطبيعة والارثماطقيقي واصول قواعد الموسيقى والمساحة والتعديل والتقويم وعلم الاحكام والنسب والوقف والتكسير والجبر، والمقابلة وغيرها الخ....)( ) ولقد بقي ابن السنوسي مهتماً بهذه العلوم وقام بتدريسها لبعض طلابه ومريديه.
ويمكن للباحث أن يلاحظ عدة عوامل أثرت في شخصيته لما كان في الجزائر، وظهور خطوط واضحة بعد انتهاء تجربة المغرب الأقصى في فاس، أما العوامل التي أثرت في شخصيته لما كان بالجزائر منها:
1- تأثر ابن السنوسي مما كان يراه من ظلم الولاة العثمانيين، ومن الثورات التي كانت تقوم بها القبائل ضدهم.
2- لمس أطماع الدولة الأوربية في بلاده.
3- ولادته في بيت شريف مشهور بالعراقة والأصالة، وتأثره بتاريخ أجداده الأدارسة الذين حكموا المغرب، ولذلك صمم على السير في طريق أجداده ولقد برز اهتمامه بتاريخ أجداده في الكتاب الذي ألفه فيما بعد عنهم وسماه " الدرر السنية في أخبار السلالة الادريسية ".
4- نشأته في بيئة علمية حببت اليه العلم وفتحت عينيه على حقائقه الكثيرة، فأبوه وعدد من أجداده كانوا من الفقهاء والعلماء.
5- تأثره بعمته فاطمة التي أشرفت على تربيته في طفولته الأولى وقد بقى ابن السنوسي في كهولته يذكر بعض توجيهاتها له.
6- التقاليد والأعراف التي ورثتها أسرته ساعدت في صقل شخصيته، من ذلك اهتمام الأسرة بتربية علمية عملية فيها الدراسة وفيها الفروسية( ).
وأما الخطوط العريضة التي اتضحت في شخصيته بعد الإقامة بفاس فمنها:
1- الصوفية التي تعمق ابن السنوسي في دراستها وساعدته الظروف على ذلك حيث كانت فاس مركزاً نشطاً للطرق الصوفية، وميداناً خصباً لنشاطها، ومعلوم لدى الباحثين أن الشمال الافريقي على وجه خاص حافل بالحركات الصوفية ولدى أهلها اهتمام كبير بها. وكان من الطبيعي أن يتأثر ابن السنوسي بالنظام المغربي للصوفية. ولقد استمر اهتمامه بالصوفية حتى آخر حياته وبقى خطها واضحاً في شخصيته حتى انه نظم طريقة خاصة عرفت باسمه وكتب كتاباً سماه ( السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين ) تحدث فيه عن الطرق الصوفية عامة ووصف الطريق المثلى التي رضى بها والتي عرفت بنسبتها إليه( ) وكانت تجربته في الصوفية قد أعطته خبرة في التعامل معها فهو لم يقبل الصوفية على اطلاقها، ولم يرفضها بالجملة، بل قيدها بالكتاب والسنة وجعل طريقته مبنية على ( متابعة السنة في الأقوال والأحوال والاشتغال بالصلاة على النبي في عموم الأوقات )( ) وقد اهتم بالصوفية اهتماماً كبيراً وظهرت هذه النزعة في منهجه التربوي الذي جعله لأتباعه والذي سنفصله في الصفحات القادمة بإذن الله تعالى.
2- اهتمامه بالدراسة الفقهية، فقد واصل ابن السنوسي في فاس دراسته الفقهية على المذهب المالكي ودرس كتب الفقه على يد شيوخه وقد ذكر في مقدمته للموطأ انه أخذه على طريقتي المغاربة والمشارقة، وذكر اثنين من شيوخه المغاربة وهما محمد بن عامر المعداني، ومحمد بن عبدالسلام الناصري ولقد ظهرت سعة اطلاعه في الفقه المالكي وفقه المذاهب الأخرى في تأليفه، ولقد بقى اهتمامه بالجانب الفقهي حتى آخر حياته، واستمر على المذهب المالكي مع اجتهاده فيه ومخالفته للمالكية في مجموعة من المسائل سنبينها في الصفحات القادمة ان شاء الله، ونلاحظ بأن اهتمام ابن السنوسي بالتصوف والفقه اكسبت حركته طابعاً متميزاً، فهو لم يغلُ في صوفيته ولم يغرق في شطحاتها كما انه لم يغل ولم يقف عند الحروف الفقهية ولم يتجمد في فهم احكامها بل زاوج بين دراستها، فأكسب صوفيته طابع السنة ولجمها بحدود الشرع وأعطى فقهه رونقاً وروحانية متألقة بعيدة عن الجمود.
3- اهتمامه بالحركات الإصلاحية، والوقوف في وجه الحكام ضد انحرافهم، والوقوف معهم لتحقيق الإصلاح وتنظيم تكتل شعبي يسند هذه المطالبة ويعززها، فقد زاد هذا الاهتمام بفاس عاصمة الدولة المغربية ومركزها المهم في نشر الوعي، وإشعاع العلم( ) يقول الدكتور محمد فؤاد شكري: ( ولما كان حبه لمنفعة المسلمين ورغبته في أن يرى العدل باسطاً جناحيه على أهل السلطنة وعلى شعوب الإسلام طراً، هي كل مايريد في حياته، فقد أكثر من الموعظة الحسنة في أثناء دروسه، وجرب مع الأهلين وأصحاب الشأن في فاس طرق الإرشاد بالحسنى تارة وبالشدة أخرى، ولكن دعوته إلى العدل والخير وجمع كل المسلمين وتطهير النفوس والابتعاد عن المنكر لم تثمر ثمرتها، بل إن كل ماحدث هو تنبه حكومة السلطان مولاي سليمان إلى هذه الدعوة وتلمس الخطر من جانبها، خشية أن تنقلب الدعوة الدينية إلى أخرى سياسية، فقد تعصف بالسلطنة .. وعلى ذلك فقد شددت الحكومة في مراقبة السيد، فوجد ألا فائدة ترجى من بقائه في فاس وقرر الارتحال )( ).
رابعاً: الأسباب التي جعلت ابن السنوسي يغادر فاس:
في عام 1235هـ( ) غادر ابن السنوسي فاس إلى الجزائر وقد ذكر المؤرخون عدة أسباب جعلته يغادر فاس منها:
1- أن فتناً كثيرة ثارت في فاس، حيث عمت الفوضى المدينة واضطر أهل الحل والعقد أن يقوموا بضبطها. ثم حدثت فتنة أخرى بسبب نزاع جرى بين القاضي والمفتي رفع أمره للسلطان سليمان فأخر المفتي عن الفتوى، فغضب للمفتي جماعة من المدرسين وطلبة العلم وتحزبوا على القاضي فكتبوا رسماً يتضمن الشهادة بجوره وجهله( ) ثم اضطرمت نار الفتنة حتى انتهت بخروج أهل فاس على السلطان سليمان، وعزموا على بيعة المولى ابراهيم بن يزيد زوج ابنة السلطان، فامتنع أولاً فهددوه قائلين " إن لم نبايعك بايعنا رجلاً من آل المولى ادريس  " فخاف خروج الأمر من بيتهم فوافق( )، وكان من العلماء الذين حضروا البيعة محمد العربي الدرقاوي وهو أحد أساتذة ومشايخ ابن السنوسي، ولم يكن دور ابن السنوسي كبيراً في تلك الأحداث، وكانت الأحوال في فاس تدعو ابن السنوسي للمغادرة وخصوصاً بعد أن استطاع السلطان سليمان استعادتها ودخول شيخه الدرقاوي إلى السجن وتزعزع مركز العلماء والطلاب الذين وقفوا ضد السلطان سليمان ولاشك أن تلك الأحداث أكسبته خبرات كثيرة وأضافت إلى رصيده تجارب مهمة في حياته المستقبلية( ).
2- ومن الأسباب التي شجعت ابن السنوسي على مغادرة فاس انه كان قد اخذ حظاً وافراً من الدراسة على علمائها وتاقت نفسه للأخذ على علماء جدد، ولذلك نراه في طريق عودته من فاس يدخل في أعماق صحراء الجزائر ليتعرف على أشهر الزوايا وليقابل مقدميها حتى بلغ عين مهدي( ) ومكث فيها مدة قصيرة ثم قصد " الأغوات " التي كانت تمتاز بموقعها في جنوب الجزائر بوصفها ملتقى القوافل الآتية من السودان الغربي. وفيها مكث بعض الوقت يلقى دروساً في الفقه والشريعة ثم ارتحل منها إلى مسعد ثم إلى جلفة ثم إلى بوسعده وهو في أثناء رحلته يوعظ ويدرس ويفقه الناس بأمور دينهم( ) وكانت لرحلته في جنوب الجزائر أثر في انضاج شخصيته، وفي إعداده لما أخذ نفسه به، فهاهو ذا يشهد ذلك العالم الذي يختلف إلى حد بعيد عن العالم الذي عهده في مدن الجزائر وفي فاس بالمغرب الأقصى، وهاهو ذا يرى ميادين جديدة للدعوة والإصلاح تتفتح له، عالم بدوي بعيد عن صور الحضارة وتعقيداتها، ثم هو في الوقت نفسه ملتقى الإسلام والوثنية.
ولقد كانت تلك البوادي، على سكونها وهدوئها، تضطرب بـألوان من الحركات الدينية والاقتصادية، وكانت الزوايا الدينية التي يقوم عليها أصحاب الطرق الصوفية هي أهم مراكز هذه الحركات، أو لعلها المراكز الوحيدة لها، وكانت هذه الزوايا، أو هذه المراكز الثقافية، تضع في الغالب على طرق التجارة التي تربط السودان بالشمال، وتنتقل بواسطتها السلع في قوافل ماتزال رائحة وغادية.
وفي هذه الزوايا يلتقي رجال القوافل القادمون من الجنوب والعائدون من الشمال، يجلسون إلى شيوخها، ويستروحون بالتلقي عنهم، والانغمار في جوهم، وبتبادل الأحاديث المختلفة عن البلاد التي جاءوا منها أو مروا بها وبذلك كانت تلك الزوايا محلاً ثرياً غنياً بالمعلومات( ) وأخبار الشعوب الإسلامية، وفي هذه الزوايا كان نشاط ابن السنوسي في السودان الغربي يقوم بواجب الدعوة إلى الله تعالى وقد أيقن أن من عوامل نهوض الأمة القيام بهذا الدور العظيم، فإن الإسلام الذي آمن به ابن السنوسي لايكتفي بأن يكون في نفسه صالحاً مهتدياً، وإنما يريد منه أن يكون مصلحاً هادياً، متسلحاً بالعلم، ومتحلياً بالحلم، ومتجملاً بالصبر، ومتحرراً من كل القيود التي تشده الى الأرض، وتقعد به عن كلمة الحق، وأظهار الاسلام لكل أنواع البشر، وفي كل البقاع، لم يبالي ابن السنوسي بالتعب والنصب في سبيل رسالته ودعوته بل كان محتسباً الأجر والمثوبة عند الله تعالى وكان يرى أن شرفه منوط بأداء تلك الرسالة المقدسة.
وقد مكث في تلك الديار مايقارب العامين معلماً ومربياً وداعياً.
ولقد استفاد من هذه التجربة دروساً عظيمة جعلته يركز في مستقبله على دعوة البداية لما رأى فيهم من صفاء الفطرة، وجمال الخلق، وحب التدين وبعدهم عن الفساد وتعقيد الحياة الاجتماعية ، وسيطرة الأهواء السياسية كما لاحظ ذلك في المدن التي عاش فيها( ).
3- ومن الأسباب التي جعلته يغادر فاس رغبته الملحة لحج بيت الله الحرام، وزيارة مسجد النبي  ولذلك غادر بلاد السودان الغربي في رفقة قافلة ذاهبة الى المشرق( ).
خامساً: رحلته الى المشرق:
كان التفكير عند ابن السنوسي للسفر الى مكة طبيعياً، فهو من ناحية لابد وأنه تاقت نفسه الى بيت الله الحرام وحلم طويلاً بالعيش في الأراضي المقدسة، وقضاء فريضة الحج. كما أنه رأى في الإقامة بمكة فرصة لقاء كبار علماء العالم الاسلامي وقد استقرت في نفسه نصيحة أحد شيوخه إذ قال له: (إن الارتحال المستمر صعب فإذا أردت أن تستزيد من العلم فما عليك إلا السفر الى مكة حيث يلتقي جميع علماء المسلمين)( ). بالإضافة الى التعرف على الشعوب الاسلامية عن قريب.
وقد ذكر بعض المؤرخين( ) أن ابن السنوسي قبل أن يسافر الى المشرق رجع الى بلده مستغانم وفيها قام بإتمام أول زواج له إذ بنى باحدى بنات عمومته ثم نشب بينه وبين أقاربه الأدنين خلاف حول أملاكه وذلك لأنهم كانوا قد وضعوا أيديهم عليها ولم يرسلوا له بشيء من ريعها طيلة مدة غيابه وطالب أولاد عمه بالريع وتسليم الملك له فامتنعوا عن ذلك فرفع عليهم قضية وربحها فسلمت له الحكومة أملاكه أما الريع فلم يجدوا منه شيئاً يدفع له لذا قامت الحكومة بسجن اولاد عمه فتنازل ابن السنوسي عن طلبه وطلب اخلاء سبيلهم فكان له ذلك. ثم انه بعد ذلك صفى أملاكه وانتقل الى جهة قسطنطينية وجاء عند عرب اسمهم اولاد نايل كانوا في جنوب شرق القسطنطينية فبنى عندهم زاوية ومارس هناك الوعظ والتعليم والارشاد.
وقرر بعد ذلك (ابن السنوسي) الارتحال الى مكة وعرض على زوجته ان ترافقه فلم ترغب في ذلك، فرأى أن يطلقها لعلمه بطول المدة التي يرغب فيها بالانقطاع عن بلده( ) وولد له من زواجه الأول طفل توفى وهو صغير ثم ماتت أمه بعد ذلك( ).
وغادر ابن السنوسي الجزائر ودخل تونس وقابس وجامع الزيتونة واستفاد من شيوخها واستفاد الطلاب منه وطلب منه التدريس ولبى الطلب ثم واصل سيره ودخل طرابلس الغرب وكان ذلك في حكم يوسف القرمانلي الذي كان مستقلاً عن الدولة العثمانية، فأكرم نزله ومكث في مدينة طرابلس وضواحيها مدة للوعظ والارشاد والتعليم ونفع العباد ولم يترك بها مسجداً معروفاً إلا ألقى فيه دروساً وتعلق به آل المنتصر وأصبحوا فيما بعد هم النائبون عنه في طرابلس وسافر الى زليطن للوعظ والارشاد والدعوة واستطاع أن يكسب لدعوته انصاراً من مصراته وزليطن وطرابلس ومن أشهر الأسر التي أصبحت من ركائز الدعوة السنوسية فيما بعد؛ آل المحجوب ، وآل الآشهب ، وآل الدردني ، وآل عمران بن بركة ، وآل يوسف، وآل بن فرج الله وآل المقرحي وآل الثني وآل الغرياني وآل العيساوي وآل الغزالي وآل الهوني وآل الزناتي( ) وساعده على تعلق الناس به خلق كريم ، وطلعة بهية ، وقبول من رب العالمين.
ونستطيع أن نحدد تاريخ دخول ابن السنوسي بطرابلس الغرب من حديث حفيده احمد الشريف الذي تحدث عن اجتماع جده بأحد مريديه وهو عمران بن بركة (فكان اجتماعه به اثناء مروره عليهم قادماً من المغرب الى المشرق سنة ثمان وثلاثين بعد المئتين والالف في بلده زليتن بغرب طرابلس الغرب)( ).
ومن خلال مروره على طول الساحل الافريقي تعرف على احوال مسلمي المغرب وكون فكرة عن أوضاعهم، واتاحت له تلك الرحلات التعرف على اناسٍ كثيرين وعلى اماكن كثيرة، وقد استفاد من هذا التعارف فيما بعد عند عودته من الحجاز، وكان من طبيعة ابن السنوسي ان يوطد علاقاته بمن يتعرف عليهم ووثق صلته بأشخاص كثيرين ونجح في كسب قلوب الكثيرين حتى ان رجلاً كعمران بن بركة كان يريد مرافقة ابن السنوسي ولكنه طلب منه التريث والانتظار حتى يرسل له( ).
ووصل ابن السنوسي سيره ودخل برقة وقبل وصوله الى مدينة اجدابيا مر على نجع شيوخ المغاربة الشيخ علي لطيوش فأكرمه وقام بخدمته خير قيام دون سابق معرفة ورافقه الى اجدابيا وجهزه الى اوجله، ولم يمر ببنغازي ولا الساحل وتعرف على الشيخ عمر بوحوا الاوجلي وكان في رفقته عبد له، وعبدالله التواتي واستمر في رحلته مع الصحراء بواسطة القوافل حتى وصل القاهرة( ).
سادساً: دخوله القاهرة:
دخل ابن السنوسي مصر وكان الحكم آنذاك لمحمد علي باشا وكان صاحب الجولة والصولة وكان ذلك في عام 1239هـ/1824م وكان محمد علي باشا قد قبض على زمام الأمور في مصر بقوة منذ سنة 1805م وكانت فرصة لابن السنوسي ليتعرف على تجربة محمد علي باشا عن قرب وقد لاحظ ابن السنوسي عدة أمور جعلته لايرتاح الى نوع الحكم الذي أقامه محمد علي باشا وطريقة الاصلاح وازدادت قناعة ابن السنوسي فيما بعد بخطورة حركة محمد علي باشا التي كانت سياسته تخدم أعداء الاسلام وهيئة سياسته المنطقة بأكملها لمرحلة استعمارية مازالت آثارها تعاني منها الامة حتى اليوم لقد استطاعت السياسة النصرانية الأوروبية ان تحقق أهدافها الآتية بواسطة محمد علي باشا:
تحطيم الدولة السعودية الأولى التي كادت أن تكون خنجراً مسموماً في ظهر الأطماع البريطانية في الخليج العربي خصوصاً والمشرق عموماً.
فتح الأبواب على مصراعيها لإقامة مؤسسات معادية للدين الاسلامي والمسلمين في محافل ماسونية وإرساليات تبشيرية وأديرة وكنائس ومدارس في بذر التيارات القومية المعادية للإسلام، وبث الافكار المعادية لمصالح الامة الاسلامية .
إتاحة الفرصة لشركات أوروبية تتحكم في الاقتصاد.
منح امتيازات واسعة للأوروبين ، ومنع أهالي مصر والشام من تلك الامتيازات.
خنق التيار الاسلامي الأصيل، وضيق على العلماء والفقهاء ولم يسمح للمسلمين أن يتكتلوا من أجل اهدافهم النبيلة( ).
وأما حالة الأزهر في ذلك الوقت فقد كان في انحطاط، فالعلوم التي تدرس فيه تراكم عليها الغبار لقدمها وفقدت لمعانها وبريقها لانعدام الإبداع فيها والتزام التقليد؛ أما علماء الأزهر فقد عمل محمد علي باشا على اضعاف دورهم ووقعت بينهم المنافسات والضغائن واستعان بعضهم بالحكام واستعداء السلطة على بعضهم وعمل محمد علي باشا على تقويض صف العلماء؛ كالخلاف الذي وقع بين الشيخ عبدالله الشرقاوي شيخ الأزهر ، وبين بعض المشايخ الآخرين حيث ترتب على ذلك الخلاف صدور الأمر من محمد علي باشا الى الشيخ الشرقاوي بلزوم داره وعدم الخروج منها ولا
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الأربعاء 1 محرم 1429هـ/9 يناير 2008م/14:54

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


حتى الى صلاة الجمعة( )، وسبب ذلك كما يقول الجبرتي: (أمور وضغائن ومنافسات بينه وبين إخوانه...، فأغروا به الباشا ففعل به ماذكر فامتثل الأمر ولم يجد ناصراً وأهمل أمره)( ).
وقد أصيبت العلوم الدينية في الأزهر بالجمود والتحجر نتيجة لعدة عوامل منها؛
الاهتمام بالمختصرات:
(فأصبح الفقهاء ينقلون أقوال من قبلهم ، ويختصرون مؤلفاتهم في متون موجزة، ويأخذون هذه الأقوال مجردة من أدلتها من الكتاب والسنة، مكتفين بنسبتها الى اصحابها)( ).
ويذكر الإمام الشوكاني اهتمام الناس في عصره بهذه المختصرات والخطورة التي تنطوي على ذلك فيقول :(قد جعلوا غاية مطالبهم ونهاية مقاصدهم العلم بمختصر من مختصرات الفقه التي هي مشتملة على ماهو من علم الرأي والرواية، والرأي أغلب، ولم يرفعوا الى غير ذلك رأساً من جميع أنواع العلوم، فصاروا جاهلين بالكتاب والسنة وعلمهما جهلاً شديداً، لأنه تقرر عندهم أن حكم الشريعة منحصر في ذلك المختصر، وأن ماعداه فضلة أو فضول فاشتد شغفهم به وتكالبهم عليه، ورغبوا عما عداه، وزهدوا فيه زهداً شديداً)( ).
الشروح والحواشي والتقريرات:
انتشرت الشروح والحواشي والتقريرات في تلك الفترة في الأزهر الشريف وفي عموم الأمة، فكانت كالأغلال التي كبلت العقول وأدت الى جمود العلوم وكانت توجد بعض الحواشي والشروح المفيدة ولكنها لاتكاد تذكر، وكانت مناهج التعليم بعيدة عن منهج أهل السنة والجماعة، وكان الازهر مركزاً لعلوم المتكلمين البعيدة عن روح الاسلام وأصيبت المناهج الاسلامية بالاضافة الى الجمود موجة من الجفاف: (...وأصبحت الدراسات الاسلامية دراسة لا حياة فيها ولا روح، وجرت عدوى هذه الدراسات الى جميع أبواب الفقه حتى الأبواب التي كانت يجب أن تكون دراسة الروح أهم عنصر فيها...)( ).
الإجازات :
من عوامل تدهور الحياة العلمية في الأزهر في تلك الفترة التساهل في منح الاجازات؛ فكانت تعطى جزافاً، إذ كان يكفي أن يقرأ الطالب أوائل كتاب أو كتابين مما يدرسه الأستاذ حتى ينال إجازة بجميع مروياته وكثير ما أعطيت لمن طلبوها من أهل البلاد القاصية عن طريق المراسلة، فكان العالم في القاهرة يبعث الى طالب في مكة بالإجازة دون أن يراه أو يختبره( ).
فكان ذلك التساهل من الأمور التي شغلت المسلمين عن تحصيل العلوم، كما كان ينبغي، وهكذا كان التساهل في منح الإجازات عاملاً مهماً من عوامل انحدار المستوى التعليمي وضعف العلوم الشرعية، حيث أضحىالهدف عند كثير من المنتسبين الى العلم، حيازة أكبر عدد من هذه الإجازات الصورية التي لم يكن لها في كثير من الأحيان أي رصيد علمي في الواقع( ).
رفض فتح باب الاجتهاد:
أصبحت الدعوى بفتح باب الاجتهاد تهمة كبيرة تصل الى الرمي بالكبائر ، وتصل عند بعض المقلدين والجامدين الى حد الكفر، وكانت الدعوة الى قفل باب الاجتهاد توارثها المتعصبون على مر العصور واصبح حرصهم في أواخر الدولة العثمانية ظاهراً ونافحوا من أجل عدم فتحه، ومقاومة كل من يحوم حوله مما شجع المتغربون بالسعي الدؤوب لاستيراد المبادئ والنظم من أوروبا ولقد ترتب على إغلاق باب الاجتهاد آثاراً خطيرة لاتزال أضرارها تنخر في حياة المسلمين الى يومنا هذا. (فحين يتوقف الاجتهاد مع وجود دواعيه ومتطلباته فما يحدث؟
يحدث أحد الأمرين: إما أن تجمد الحياة وتتوقف عن النمو، لأنها محكومة بقوالب لم تعد تلائمها؛ وإما تخرج على القوالب المصبوبة، وتخرج في ذات الوقت من ظل الشريعة ، لأن هذا الظلم لم يمد بالاجتهاد حتى يعطيها ، وقد حدث الأمران معاً، الواحد تلو الآخر.. الجمود أولاً ثم الخروج بعد ذلك من دائرة الشريعة)( ).
لقد عانت الأمة من قفل باب الاجتهاد وكانت الدولة العثمانية في أواخر عهدها لم تعطي هذا الباب حقه وكانت عجلة الحياة أسرع وأقوى من الجامدين والمقلدين الذين ردوا كل جديد، وخرج الأمر من أيديهم: (وهكذا توقفت الحركة العقلية عند المسلمين إزاء كل جديد تلده الحياة، والحياة ولود لا تتوقف عن الولادة أبداً، فهي تلد كل يوم جديداً لم تكن تعرفه الانسانية من قبل وكان من هذا أن مضى الناس -من غير المسلمين- يواجهون كل جديد، ويتعاملون معه، ويستولدون منه جديداً، وهكذا سار الناس من غير المسلمين قدماً في الحياة ووقف المسلمون حيث هم لايبرحون مكانهم الذي كان عليه الآباء والأجداد من بضعة قرون)( ).
التعصب المذهبي:
استمر التعصب المذهبي في الأزهر يضعف المستوى التعليمي، وانحدرت العلوم، وتكبلت العقول والأفهام وفرق بين كلمة المسلمين وأفسد ذات بينهم، وزرع العداء والشقاق بين أفرادهم وجماعتهم بعد أن تحزبوا طوائف وجماعات، كل طائفة تناصر مذهبها، وتعادي غيرها من أجله ، وفي تلك الفترة تفاقم هذا التعصب وعم الاقطار الاسلامية ولم يسلم منه قطر ولا مصر؛ فالجامع الأزهر كان ميداناً رحباً للصراعات المذهبية خصوصاً بين الشوافع والاحناف وذلك من أجل التنافس الشديد على مشيخة الأزهر( ). إن العصبية المذهبية أوجدت حواجز كثيفة بين المسلمين في القرون الأخيرة؛ فأضعفت شعورهم بوحدتهم الاسلامية اجتماعياً وسياسياً، وأورثت فيما بينهم من العداوات ماشغلهم عن أعداء الاسلام على اختلاف أنواعهم، وعن الاخطار المحدقة بالمسلمين والاسلام...)( ).
كانت زيارته لمصر قد رسخت في نفسه ضعف دولة الخلافة من جهة، وزاد ضعفها بظهور حكومة محمد علي باشا على مسرح الأحداث في مصر وقد وصل الى قناعة مهمة في الإصلاح والنهوض من أهمها:
1. أن المسلمين كانوا في حاجة ضرورية الى العلماء الربانيين الذين يقومون بنشر الدعوة للدين القويم.
2. أهمية احياء مبدأ الشورى على مستوى الحكومات وخطورة الحكام المستبدين الذين يتحكمون في رقاب الأمة بإسم الاسلام.
3. خطورة جمود العلماء وتعصبهم وتقاعسهم في نشر العلوم النافعة بين جميع طبقات الشعب.
4. أهمية تعلم الصنائع وتعميمها لسد حاجات الشعب، وتحبيب عوام المسلمين الفروسية، والرياضة واستعمال السلاح.
5. خطورة التسويف وترك العمل الجاد الخلاق.
وقد عمل ابن السنوسي في تلك الفترة على اكمال فكره ورأيه وظهر بهذه النتيجة التي تقول؛ أنه في حاجة ملحة الى تحصيل علوم كثيرة غير العلوم العقلية والنقلية التي استفادها من فاس، واقتنع أن تفوق أوروبا هو وليد العلم الذي سبب لهم التفوق في مجال الصناعة والرياضة، والفنون الحربية العملية وقد لمس ذلك في المشاريع التي اشرفت عليها فرنسا وبريطانيا في مصر في زمن محمد علي باشا.
والنتيجة الثانية أن من أسباب عدم تقدم الاسلام وعدم اتحاده ؛ اختلاف المذاهب وكثرة الطرق، والحكم الفردي الاستبدادي، وابتعاد الأمة عن روح الاسلام المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله  ( ).
وبعد هذه التجربة القصيرة في مصر قرر مواصلة سفره الى الحجاز بعد أن أقام عاماً واحداً وقد أحدثت زيارته لها آثاراً في نفسه من ذلك انه ازداد إيماناً بأن دولة الخلافة كانت في طريق الانحلال والاضمحلال، وقد ذكر المؤرخ التركي احمد حلمي قوله: (وأحدثت هذه الزيارة في نفسه تبدلاً عظيماً وانتقش في ذهنه ان الدولة العثمانية في طريق الانحلال والاضمحلال )( )
لقد خبر ابن السنوسي اوضاع الدولة العثمانية في وطنه الاول الجزائر حيث تسلط الولاة الاتراك وحكمهم الاستبدادي ، وعجز الدولة عن منعهم من الظلم، وجاء الى القاهرة فرأى حكم محمد علي باشا وانفراده بشؤون مصر ، فزاد اقتناعاً بعجز الدولة وضعفها( ).
سابعاً : دخول الحجاز:
دخل ابن السنوسي الحجاز عام 1240هـ/1825م، ونزل بمكة المكرمة وكانت تلك الزيارة لمكة ذات اثر كبير في قيام الدعوة السنوسية وظهور شأنها، و ساعد على هذا جملة اسباب:
1- استطاع ابن السنوسي ان يتحصل على انباء عظيمة عن احوال واخلاق المسلمين الوافدين الى مكة .
2- اتيحت له فرصة طيبة للإحتكاك بعلماء وفقهاء ومفكري الامة، وتبادل معهم الآراء ، والافكار في كيفية النهوض وإعادة مجد الامة .
3- كانت مكة منبراً مهماً للدعوة ولذلك اشتغل ابن السنوسي بنشر العلوم وتحصيلها و المناظرة فيها واجتهد في دراسة المذاهب الاسلامية حتى حذق مخاطبة جميع العالم الإسلامي .
4- اتيحت له دراية بحركةالشيخ محمد ابن عبدالوهاب عن قرب وعاشر اتباع الدعوة السلفية ومريديها وتتلمذ على علمائها وشيوخها ودرس الحركة السلفية دراسة واعية في مواقفها السياسية واجتهاداتها العملية
5- شيوخه في مكة :
اقبل ابن السنوسي في مكة على العلماء يتعرف عليهم ويأخذ عنهم ، لقد كان تشوقه للعلم وتواضعه في اخذه يبدوا جلياً في أي مكان حل فيه وكانت مكة تضم عدداً من العلماء المسلمين يمثلوا المذاهب والاتجاهات الفكرية المختلفة ، ففيهم الصوفي وفيهم المالكي وفيهم السلفي ، وهذا جعله يطلع على معظم الاتجاهات في عصره ، ومن اشهر العلماء الذين اخذ عنهم :
1- ابو سليمان عبدالحفيظ العجمي مفتي مكة وقاضيها .
2- ابو حفص عمر ابن عبدالرسول العطار ، وقد ذكرهما في رسالته التي كتبها ، كمقدمة لموطأ مالك باعتبارهما العالمين الذين يروي الموطأ عنهما من المشارقة .
3- احمد الدجاني ، حيث اخذ عنه ابن السنوسي عدداً من الطرق الصوفية وغيرهم كثير .
4- احمد ابن ادريس من افضل شيوخ ابن السنوسي وقد تأثر به ابن السنوسي تأثراً عظيماً وقد اخذ عنه ابن السنوسي عدداً من الطرق الصوفية ، ودرس ودرس عليه الحديث والسنة ، ولد محمد ابن ادريس سنة 1173هـ بميسورة( ) اصله من المغرب الاقصى وتلقى العلم على اكابر علمائها ثم هاجر الى مكة واستقر في الحجاز ، واصبح من علماء وقته ومر هذا العالم بالجزائر وتونس وطرابلس وبنغازي سيراً على الاقدام ، واستقر فترة من الزمن في بنغازي ، ثم رحل الى الاسكندرية بحراً ، واثنى على اهل بنغازي واهل الجبل الاخضر لما رأى عندهم من محبة الخير والصلاح وقال فيهم ( هذه بلادنا فيه تحيا اورادناحيها سعيد وميتها شهيد طوبى لمن اراد الخير لأهلها وويل لمن اراد الشر بأهلها )( ).
ودخل الحجاز واستمر يتنقل بين مكة والمدينة والطائف ما يقارب ثلاثين سنة واستفاد منه خلق كثير من اصقاع العالم الإسلامي ، من مصر ، والسودان،والهند،واليمن،وبلاد المغرب وغيرهم وكان دخول الحجاز عام 1213هـ( )
وعندما دخل سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود الحجاز عام 1221هـ لم يتعرضوا للشيخ احمد بن ادريس بأذىوكذلك اتباعه وقد وصف ابن ادريس بانه ذو ميول سلفية
قضى ابن السنوسي سنوات عديدة مع استاذه ابن ادريس الى ان اضطر الاخير الى الارتحال من الحجاز :( وكان سبب الارتحال مالقيه ابن ادريس من عنف السلطات الحكومية ،ومعارضة علماء مكة الذين صاروا ينقدون السيد على اعتبار انه كان لا يتفق في منهجه مع ما اعتاد عليه هؤلاء من ازمان طويلة حتى صاروا يعدونه مبتدعاً ثم انقلب نقدهم اضطهاد اضطر بسببه السيد ابن ادريس لمغادرة مكة الى صبياً العسير ) وكانت ( صبيا العسير ) ضمن املاك الدولة السعودية ومبادىء الدعوة السلفية متمكنة في نفوس اهلها وهذا ماكان يكرهه علماء الدولة العثمانية في مكة واتباعها .
ان ارتحال احمد ابن ادريس الى صبيا دليل على حسن الصلة التي بينه وبين اتباع حركة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب( ) وسافر ابن السنوسي مع استاذه الى صبيا واقام معه هناك حتى وفاته( ).
ان تتلمذ ابن السنوسي على احمد ابن ادريس افاده كثيراً وقد توثقت العلاقة بين ابن السنوسي وشيخه ابن ادريس واصبحت علاقة قوية جداً يوضحها احمد الشريف في كتابه الانوار القدسية ما نقله عن ابن ادريس ( ...أما ولدنا السيد محمد بن السنوسي فنحن أمرناه أن يدل الخلق على الله ويجذب الطالبين الى الله اياكم ثم اياكم من كل مايقطعكم عن صحبته فانه النائب عنا قد اختاره الله لذلك، وقد طلب منا مراراً أن نجعل ذلك لمن يقوم به غيره فلم نر فيه المصلحة إلا هو ... ونحن ماأقمناه حتى أقامه الله ورسوله فقد قام امتثالاً لأمرهما فلم يكن له غرض لطلب دنيا ولا طلب جاه)( ).
لقد اخذ ابن السنوسي من شيخه الاذن لإعطاء العهود وتلقين الذكر فأذن له وأمره (أن يدل الخلق على الله ويجذب الطالبين الى الله)( ) ولم يلبث ابن السنوسي طويلاً بعد ذلك حتى بنى أول زاوية له في الحجاز وباشر الدعوة في حياة شيخه ابن ادريس وشرع ابن السنوسي في إلقاء الدروس في مكة وتعليم من يجتمع حوله من المريدين وطلاب العلم، ويعتبر المؤرخون زاوية ابي قيس أول الزوايا التي أسسها ابن السنوسي بعد اعتزامه القيام بالدعوة واختياره لنظام الزوايا كوسيلة لنشر تعاليمه وأفكاره ، ومكث في الحجاز في رحلته الاولى خمسة عشر سنة استطاع أن يجمع خلالها من التلاميذ والاتباع والمريدين أعداداً كثيرة، مما حرك ضده عداوة شيوخ مكة وعلمائها الذين كانوا يخالفونه وينقدون اعتماده الصريح الخالص على الكتاب والسنة في دروسه واقتفاء السلف الصالح في إرشاده وتعليمه، وإقامته الحجة على أن الاجتهاد لم يغلق بابه، وزاد على ذلك أن السلطات الحكومية بدأت تشعر بخطورته، وخطورة الدعوة التي يحملها من جراء التفاف الناس حوله، وكان ابن السنوسي على اتصال مستمر بأبناء ابن ادريس في صبيا وهي تابعة للحركة السلفية، وكان العداء على أشده بين الحكومة العثمانية والاشراف بمكة وبين اتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب وهكذا كثرت الصعاب والعوائق في طريقه وفكر في الانتقال بالدعوة الى مكان آخر، ولاشك أن قامته الطويلة في مكة أثرت على جوانب كثيرة في تفكيره ووجهت اتجاهه الاصلاحي الوجهة التي سار عليها، فهناك في مكة أخذ كفايته على العلماء، ودرس معظم الاتجاهات الفكرية ، والتقى بأستاذه ابن ادريس، وكذلك بوفود الحجيج القادمين من مدن وقرى العالم الاسلامي وتعرّف على احوالهم ، وزاد فهماً للداء الذي ينخر فيهم، وكانت هذه الجموع من الحجيج تربة خصبة استطاع أن يبذر فيها دعوته واختار منهم من يصلح لمعاونته( ).
ولم ينس القضية الجزائرية واذكاء جذوة الجهاد في نفوس ابناء الجزائر ضد فرنسا ، وعندما قدم محي الدين الجزائري برفقه ولده وأشراف قومه الى مكة إلتقى بهم ابن السنوسي وأكرمهم غاية الاكرام، وبعد ان ارادوا السفر ودعهم وقال لهم : إن الدين الاسلامي يحتم على كل مسلم أن يدافع عنه بقدر استطاعته ويحرْم على المسلمين الاستسلام للعدو الغاصب المعتدي والمنتهك لحرمات الدين والاسلام والمعطل لأحكام الله واني استوصيك بولدنا عبدالقادر هذا خيراً فإنه ممن سيذود عن حرمات الاسلام ويرفع راية الجهاد فكان هذا سبباً في ايجاد روح الجهاد والمقاومة فيهما وتفكيرهما فيه ومعلوم لدى الباحثين جهاد عبدالقادر محي الدين الجزائري في الجزائر( ).
زواجه الثاني:
وفي فترة اقامته في الحجاز تزوج ابن السنوسي زوجته الثانية السيدة خديجة الحبشية وقد قام بتزويجه استاذه ابن ادريس الذي رآه يعيش عزباً منذ طلاقه لزوجته الاولى. وكانت السيدة خديجة تتصف بالتقوى والصلاح. وقد قامت بدورها نحو زوجها فهيأت اسباب الراحة له ورافقته في رحلاته، ورضيت باسلوب حياته الصعب الذي يتصف بالانتقال المستمر والعمل المرهق. وقد توفيت فيما بعد بالجغبوب بعد وفاة ابن السنوسي بحوالي عشرين سنة عام 1296هـ( ).
ثامناً: رحلته من الحجاز الى المغرب:
تضافرت عدة اسباب دفعت ابن السنوسي لمغادرة مكة منها؛ توفي استاذه احمد بن ادريس، عداوة شيوخ مكة وعلمائها لما كان يطرحه ابن السنوسي، خوف الحكومة العثمانية من علاقته بأبناء احمد بن ادريس في عسير وهي أرض تابعة لأتباع الحركة الوهابية، دعوة مريديديه من أهالي المغرب لزيارة بلادهم()، وأضاف عبدالقادر بن علي رغبة ابن السنوسي للجهاد في بلاده ضد الفرنسيين؛ فعقد النية وصمم على السفر للاشتراك في جهاد فرنسا في الجزائر، والتحق بركبه عدد كثير من اتباعه واخوانه وعين الشيخ عبدالله التواتي على زاوية ابي قيس بمكة للقيام بشؤون الاتباع وكان سفره ذاك في آخر عام 1255هـ في 26 ذي الحجة حسبما هو مذكور في مذكرة مرافقيه الشيخ محمد بن صادق البكري، ثم سافر الى مصر من مكة ومعه عدد كبير من الاخوان وذلك آخر عام 1255هـ ودخلها أول عام 1256هـ وزار الجامع الأزهر وألقى دروساً نافعة ووقف احد كبار مشايخ الأزهر وقال : (انصتوا أيها العلماء لقد حل بين أظهركم عالم الأمة المحمدية ونبراس الشريعة المطهرة وشمس سماء المعارف الإلهية:
إذا صلصل الباز فلا ديك صارخ
ولا فاخت في ايكة يترنم
ألا وهو الشيخ الكامل سيدي محمد بن علي السنوسي الحسني الأدريسي فارتج الجامع بعلمائه ولم يمكث الشيخ بمصر غير مدة قليلة ثم سافر)( ).
وتعرض ابن السنوسي لهجوم الشيخ عليش المالكي بسبب دعوة ابن السنوسي لفتح باب الاجتهاد وقد ذكر محمد عبده في كتابه الاسلام والنصرانية أن ابن السنوسي تعرض للقتل: (ألم يسمع السامعون ان الشيخ السنوسي كتب كتاباً في أصول الفقه زاد فيه بعض المسائل على أصول المالكية وجاء في كتاب له مايدل على دعواه أنه ممن يفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة وقد يرى ما يخالف رأي مجتهد أو مجتهدين فعلم بذلك أحد المشايخ المالكية وكان المقدم من علماء الجامع الأزهر الشريف فحمل حربة وطلب الشيخ السنوسي ليطعنه بها لأنه خرق حرمة الدين وتبع سبيل غير سبيل المؤمنين، وربما كان يجترئ الاستاذ على طعن الشيخ بالحربة لو لاقاه وإنما الذي خلص السنوسي من الطعنة ونجى الشيخ المرحوم من سوء المغبة وارتكاب الجريمة باسم الشريعة هو مفارقة السنوسي للقاهرة)( ).
وقد تعرض الشيخ ابن السنوسي في مصر لمرض اضطر على أثره أن لايأكل شيئاً من الزاد سوى مقدار بسيط من الحليب صباحاً ومثله مساءً فقط وكان الذي يقدم له الحليب رجل تركي، فوضع له سماً في الحليب فلما شرب منه سقطت اسنانه في الإناء واشتد به الألم حتى يئس منه جميع الاخوان وأخيراً منَّ الله عليه بالشفاء بعد معالجات إلا أنه سبب له مضاعفات من جسمه تخرج على جلده جبة ( أي قشرة تشبه جبة الحنش وصارت له عادة يسلخها رأس كل عام وقت أخذه لذلك الحليب، ولما تحسنت صحته أرسل للشيخ عبدالله التواتي في مكة ولما حضر إليه ارسله الى قابس بتونس يرفقه بعض الاخوان ومعهم زوجته الحبشية وأمر بعض الأخوان أن يواصل رحلته الى الجزائر( ).
وكان ابن السنوسي في سفره ذلك قد قصد المدينة المنورة للوداع ثم نزل ببدر في الصلاة وإن حصلت في اثناء سفره يقصر ويجمع في الصلاة وإن حصلت له اقامة ببلد أو غيرها واستمر على ذلك يقصر ويجمع إلى تسعة عشر يوماً ، تارة يجمع جمع تقديم وتارة جمع تأخير، وهو في عمله هذا يخالف المالكية ويتبع الاحاديث الواردة في قصر الصلاة وجمعها بعد ان اعتقد صحتها( ).
وبعد الشفاء من مرضه اجتهد في الدعوة الى الله وتعليم الناس وارشادهم واقام مدداً متفاوتة في عدد من المدن والقرى فترك في كل منها ركائز وأنصاراً، وقد تميز أسلوبه الدعوي بالبساطة وباتفاقه مع مستواهم العقلي( ).
وواصل ابن السنوسي رحلته براً من سيوه الى جالوا ثم أوجله وكان برفقته الشيخ عمر بوحوا، ومحمد الشفيع ، والمهدي الفيلالي ثم توجه الى برقة ونزل على نجع عائلة اللواطي من العواقير، ففرحوا وقاموا باكرامه ورفقائه ورافقوه الى منتجع قبيلة المغاربة فنزل على الشيخ علي لطيوش فأكرم ابن السنوسي ورافقه الى محل يسمى الهيشة مابين سرت ومصراته وهناك قابله آل المنتصر ومعهم اعيان مصراته فدخل معهم إليها وبعد مدة قليلة واصل سيره الى بلدة زليتن ومنها الى طرابلس ونزل في بيت احمد المنتصر وترك عنده بعض الاخوان وولي سفره الى زوارة ودخل حدود تونس( ) وشعرت المخابرات الفرنسية بخطورة ابن السنوسي منذ فترة طويلة وحاولت ان ترصد تحركاته مع الحجيج الجزائري والمغاربة عموماً، فبثت المخابرات الفرنسية عيونها وآذانها على طول الحدود وجاءته الأخبار بذلك وتقرر ان لايواصل شخصياً سيره، وندب محمد بن صادق وحمّله بعض الاموال والاسلحة لتوصيلها الى الأمير عبدالقادر الجزائري( ) وعاد الى طرابلس، وتبنى ابن السنوسي دعم حركة الجهاد في الجزائر بالاموال والاسلحة والرجال مااستطاع الى ذلك سبيلا، وقد أوفد في فترات متفاوتة عدداً من تلاميذه النجباء من أمثال محمد بن الشفيع، وعمر الفضيل المعروف بأبي حواء، والشيخ ابو خريص الكزة( )، وقد نقل محمد الطيب الاشهب عن دوفربيه الفرنسي مايشير الى اعتقاد الفرنسيين بتدخل ابن السنوسي في اعمال المقاومة في الجزائر؛ فدوفرييه يقول: (إن السنوسية هي المسؤولة عن جميع اعمال المقاومة التي قامت ضد فرنسا في الجزائر وانها السبب في الثورات المختلفة التي قامت ضد فرنسا كثورة محمد بن عبدالله في تلمسان وصحراء الجزائر سنة 1848-1861 وعصيان محمد بن تكوك في الظهرا عام 1881م..... الخ).
وقد بين المؤرخ الليبي عبدالقادر بن علي الذي رافق احمد الشريف السنوسي حوالي اربعين سنة أن بعض الاخوان من السنوسية شاركوا في الجهاد الجزائري حتى ان بعضهم أكل تمرات غرس نواها وطلع وكبر وأثمر وأكل من ثمرها وهو في ميدان الجهاد( ).
وقد عثر المؤرخ احمد الدجاني على خطاب ارسله احد تلاميذ ابن السنوسي من الجزائر الى مدير غدامس التركي (غدامس في ليبيا) وارشدنا الخطاب الى ان دعوة ابن السنوسي بلغت الجزائر وان عدداً من اتباعه كانوا يقاتلون الفرنسيين فيها ومنهم مرسل الخطاب وتاريخ الخطاب سنة 1268هـ. وقد كان ابن السنوسي في الحجاز في ذلك التاريخ. ومن بين ماجاء فيه (...وأما انا عبدالله حين قدمت بلاد وارقلة ففتح الله علينا بها وصارت محمدية بعد ما كانت في يد الرومي دمره الله وخليفة الرومي فيها، سبحان من حكم الضعيف في القوى وصار القوي من عبده مخذولاً مذموماً، لكن من بركة الشريف شيخنا سيدي محمد بن علي السنوسي  ونفعنا وإياكم به آمين. وصاروا عربان وارقلة وقصورها وقبائل الشعامبة وقصور تغورت وعربانها والأرباع والخرزلية والحجاج وكثير من عربان الظهيرة وقصور بني مصاب كلهم تحت طاعة الله ورسوله وطاعتنا والمجاهدين كل يوم في الزيادة...وبعث لنا الرومي دمره الله في هذه الساعة ثلاثة أمحل... تلاقينا معهم وصرنا مثل الشامة البيضاء في ثور اسود فنصرنا الله نصراً عزيزاً واعلننا على اعدائه، ووقع القتال بيننا بالبارود والسيوف حتى كسرناهم كسرة عظيمة وقتلنا منهم نحو ثلاثة ماية وستة وثمانون رجلاً وقلعنا من الخيل كثير والبنادق بلا عدد والخزنة والابل والأخبية والحمدلله على ذلك....)( ).
إن الحقائق التاريخية تثبت للباحث اهتمام ابن السنوسي بالجهاد في الجزائر ضد فرنسا وحاول أن يشارك بنفسه إلا أن الظروف منعته من ذلك، وعمل على ارسال تلاميذه بالاسلحة والمال وتحريض اتباعه في الجزائر على القتال وقد استمر اتباع السنوسية والشعب الليبي في دعم حركة الجهاد حتى تم دحر الاحتلال الفرنسي من الجزائر وتحصلت الجزائر على استقلالها عام 1962م.

تاسعاً: ابن السنوسي في طرابلس:
عاد ابن السنوسي من قابس الى طرابلس مع صحبة مجموعة من الاخوان في عام 1257هـ ونزل ضيفاً عزيزاً على عائلة المنتصر، وتخوف الوالي العثماني من ابن السنوسي واستطاع عميد عائلة المنتصر أن يقنع الوالي علي عشقر بأن ابن السنوسي من المخلصين والمحبين للدولة والخلافة، وعمل على جمع الوالي العثماني بابن السنوسي وقد تأثر الوالي بورعه وقد فصّل محمد الطيب الأشهب في هذه النقطة فقال: (فبعد أن وصل قابس عاد الى طرابلس وذلك في أوائل 1257هـ وكان حاكم طرابلس يومئذ علي باشا عشقر الذي وصلته انباء مشوهة عن دعوة السنوسي وحركته التي قيل على لسان رواة الحاكم العثماني انها ترمي الى ما يبعث على قلق السلطات العثمانية وكان رواية هذه الاتهامات هو احد شيوخ الطرق الصوفية سامحه الله.
فأمر علي عشقر بالقبض على رفاق الامام السنوسي الموجودين بمنزل الحاج احمد باشا المنتصر ريثما يتسنى القبض على شخص الامام. وتقدم المنتصر بوساطته في ان يبقى الاخوان السنوسيون في منزله وقدم بذلك ضماناً شخصياً متعهداً أن يخبر الحكومة عن الإمام السنوسي حينما يعود. وشاء الله أن يصل الامام فجأة وماكان يعلم عما حدث فلما علم أصر على رؤية الوالي وهناك اجتمع بمجلس علمي وقف فيه الوالي على حقيقيته فاعتذر له وانضم إليه اثنان في المجلس المقرحي والقزيري...)( ). وكان العلامة المقرحي من طليعة علماء طرابلس وقد كلفه اشقر باشا مع غيره من العلماء بمناقشة الامام ابن السنوسي فما كاد يستمع إليه حتى تأثر به واصبح من اتباعه ومريديه.
وكان رأي العلماء الذين ناظروا ابن السنوسي بأنه نعمة من الله ساقها إليهم وفرح الباشا بذلك واعتذر لابن السنوسي، وقال له هذه بلادك والاهل اهلك، فأنفعهم بقدر استطاعتك ونحن في الحاجة الشديدة لامثالك، فأقام ابن السنوسي في طرابلس مدة يعلّم الناس ويذكرّهم ويبصرّهم بأمور دينهم، وتعلق الناس به ، وسارت إليه الركبان( ).
ويذكر بعض المؤرخين أن الوالي العثماني علي عشقر أخذ عن ابن السنوسي طريقته وصار من أتباعه، ويبدو أن الدولة العثمانية كانت في حاجة ماسة الى يد قوية تستعين بها في ضبط الأمور على أساس استتباب الأمن واخماد الفتن والمصادمات في داخل البلاد التي استمرت سبع سنوات مضت قريباً( ) وأن الأحداث في تلك السنة كانت على أشدها حيث كانت الثورة مشتعلة في جبل نفوسة بقيادة غومة المحمودي، وسيف النصر في سرت ضد الدولة العثمانية واستطاع غومه المحمودي وسيف النصر أن يستقل كل منهما بمنطقته لفترة من الزمن مقابل دفع مبلغ معين للولاة، ثم تفاقم أمرهما، فعمل الوالي العثماني على الخلاص منهما ونجح في القبض عليهما، فأما غومه فنفاه من طرابلس ، وأما عبدالجليل سيف النصر فقطع رأسه( ).
ولذلك حرص الوالي العثماني من الاستفادة من نفوذ ابن السنوسي في ليبيا وخصوصاً بعد أن ظهر منه حرصه على الأمن واجتماع الكلمة، ونبذه للتنافر والخصام بين جميع المسلمين وشعوبهم( ) وقد كانت نظرة الوالي العثماني تدل على بعده السياسي ، وحرصه على الأمن واستقرار البلاد، وحبه للدعوة الى الله تعالي.
عاشراً : ابن السنوسي في برقة:
واصل ابن السنوسي سيره الى سرت وبرفقته امراء من آل المنتصر بأمر عميد الأسرة، وأعيان من مصراته ودخل سرت ووجد هناك كوكبة من الفرسان في انتظاره ، هم بعض اعيان وشيوخ ،ووجهاء برقة من العواقير والمغاربة واهل الجبل الاخضر ومدينة بنغازي فرحبوا بسيادته ورافقوه في رحلته ومر في طريقه بالكثير من القبائل وبعد وصوله الى بنغازي تنافست بيوتات بنغازي البارزة في اكرامه ، كعائلة الكيخية ، وآل شتوان ، وآل منينة وقام في بنغازي شهر رمضان كاملاً وبعد العيد جاء رجلان من قبيلة العواقير لشراء الكفن للشيخ ابي شنيف الكزة زعيم قبيلة العوافير عموماً الذي مرض مرضاً تحقق اقاربه منه بالموت ، ولما وصل الرجلان الى بنغازي دخلوا على الرجل الصالح علي خريبيش وكانت لهم به معرفة ، واخبروه بمرض الشيخ ابو شنيف وطلبوا منه الدعاء له بالشفاء فقال لهم هنا رجل صالح عالم نزوره أنا وأنتم ونطلب منه الدعاء له بالشفاء فلما التقوا بابن السنوسي اظهر لهم عدم الانزعاج واطال لهم في المجلس وهم كأنهم على نار فألحوا في طلب الأذن لهم بالخروج فقال لهم: ربما هذا المريض يدفن بعض الحاضرين ثم قال لهم نخرج معكم إليه ففرحوا وفعلاً ترك بعض اخوانه وثقل اثاثه وخرج معهم مخفاً وكان الشيخ أبي شنيف نازلاً بأهله بمكان يسمى الظاهر يبعد عن بنغازي بمسافة يوم كامل فلما وصل الى الشيخ ابي شنيف وكان في حالة غيبوبة ومرضه في بطنه وهي منتفخة فوقف عليه ووضع يده الشريفة على بطنه فأنتفشت كأنها قربة منفوخة وافاق في الحال وتكلم، فعلت اصوات النساء بالزغاريد وسرت القبيلة بشفاء عميدها العظيم( ).
لاشك أن ابن السنوسي قد أخلص في دعوة الله لشفاء هذا المريض، وقرأ عليه بعض الأدعية النبوية المباركة وربما سورة الفاتحة وقرأ عليه القرآن الكريم وهذا جائز في الشرع، فعن ابي سعيد الخدري ؛ أن ناساً من أصحاب رسول الله  كانوا في سفر؛ فمروا بحيٍّ من أحياء العرب؛ فاستضافوهم. فقال لهم: هل فيكم راقٍ؟ فإن سيد الحي لديغ أو مصاب؛ فقال رجل منهم: نعم. فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب؛ فتبسم وقال : (وماأدراك أنها رقية؟) ثم قال: (خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم)( ) وقد علّم رسول الله  الأمة كيف يفعلون مع مرضاهم، فكان  إذا أتى المريض يدعو له ويقول: (أذهب الباس. رب الناس واشف أنت الشافي. لا شفاء إلا شفاءً لايغادر سقماً)( ).
لقد كانت حادثة شفاء زعيم قبيلة العواقير على يدي ابن السنوسي مدخلاً عظيماً للدعوة الى الله في قبائل برقة واعتبره المؤرخ عبدالقادر بن علي اول فتح لابن السنوسي في برقة والجبل الأخضر وأقام في نواجع العواقير مايقرب من الشهر واجتمعت على سيادته الناس من انحاء برقة لزيارته وطلب الدعاء منه( )، وقد انتشرت بين الناس كرامات نسبت لابن السنوسي وقد ذكر الحشائشي أن ابن السنوسي عندما قدم من المغرب الى الحجاز على طريق قابس من أعمال تونس نزل بحي من أحياء العرب ولم يظهر الشيخ انه من العلماء وليس معه إلا أربعة أنفار، فأكرم نزله رب الحي المذكور لما رأى عليه من المهابة، فلما أراد المسير من عنده أهداه رب المكان بغلته ليركبها بالطريق فأخذها الشيخ من عنده ولما ركبها في اليوم الأول من سفره عثرت به فسقط من أعلاها وانكسرت ذراعه الأيمن من حينه ورجع الى رب الحي المذكور فتلقاه مذعوراً وفي الحال أحضر له أناساً عالمين بجبر الكسر، فطفقوا يعالجون الشيخ بمطارق من الحديد تحمى في النار ثم تجعل على محل الألم ومع ذلك فإن النار لم تؤثر في ذراعه؛ فتعجب الناس من ذلك وعرفوا فضله، ومن هناك أخذ الشيخ في الاشتهار( ).
إن المفتاح الكبير لقبائل برقة هو قناعتها بأن ابن السنوسي ولي من أولياء الله الصالحين ولذلك سمعت لنصائحه، واطاعت أوامره، فأرشدهم الى كتاب الله وسنة رسوله ، وعلماء الأمة يثبتون الكرامات للصالحين: (فأولياء الله المتقون هم المقتدون بمحمد ، فيفعلون ما أمر به وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم بملائكته وروح منه، ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين، وخيار أولياء الله كراماتهم لحاجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين، كما كانت معجزات نبيهم  كذلك. وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسول الله ....)( ).
(ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بسبب حاجة الرجل ، فإذا احتاج إليها الضعيف الإيمان أو المحتاج ، أتاه منها مايقوي إيمانه أو يسد حاجته ، ويكون من هو أكمل ولاية منه مستغنياً عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته، ولهذا كان هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة)( ) ومن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بكرامات الأولياء( ).
إن ابن السنوسي صحت معرفته بالله ورسوله ودينه وصدقت متابعته للشرع ظاهراً وباطناً، ونحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحد، ولذلك فتح الله عليه بما لم يفتح على غيره، من إلهامات صحيحة ، وفراسات صائبة، وأحوال صادقة، قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا مايوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وإذاً لأتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم صراصاً مستقيماً} (سورة النساء، آية 66-68) وكان عمر بن الخطاب  يقول: (اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم مايقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة)( ).
وقال ابن عثمان النيسابوري (من أمّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه { وإن تطيعوه تهتدوا}( ).
وقال الكرماني (من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشبهات، وعمّر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال لم تخطي له فراسة)( ).
بعد شهر من بقائه في نجع العواقير واصل سيره متوغلاً في برقة الحمراء ومنها الجبل الاخضر وبصحبته جمع غفير من الاخوان ومشايخ مختلف القبائل من الحاربي والعواقير حتى وصل الى مكان يسمى ماسة وتقدم من ماسة الى محل يسمى دنقلة حيث مكان الزاوية البيضاء بالقرب من ضريح الصحابي الجليل رويفع بن ثابت الانصاري ( ) وقد شرع الاخوان السنوسيون في تأسيسها قبل مجيء ابن السنوسي وذلك بتوجيه منه، وهي أول زاوية يؤسسها ابن السنوسي خارج الحجاز ولها مقام كبير عند السنوسية ويطلق عليها أم الزوايا، وقد بنيت زاوية البيضاء خارج البلدة وعلى بعد حوالي ثلاثة كيلومترات منها ويلاحظ الباحث أن ابن السنوسي اختار لها موقعاً استراتيجياً جيداً يتميز بسهولة الدفاع عنه وصعوبة الوصول إليه. كما يلاحظ أيضاً أنه أحسن بناءها. ولقد تميزت كل الزوايا التي أنشئت ببرقة بالموقع الاستراتيجي، كما أنها تتتابع بانتظام مما يدل على أن ابن السنوسي كان يرمي الى جعلها كالقلاع لتقوم بصد المعتدين في الحروب لانه كان يتوقع هجوم الأعداء عليها( ) ولا ننسى زعيم البراعصة الشيخ ابوبكر بوحدوث الذي وقف بجاهه وماله ونفسه مع الحركة السنوسية، وكان من تواضعه يشارك العمال في كافة أعمالهم بنفسه فضلاً عن اتباعه وكان بجلالة قدره ممن يخلط الطين للبنائين الذين يبنون المسجد والزاوية البيضاء رغبة في الثواب( ).
وشرع ابن السنوسي من الزاوية البيضاء يعلم الناس ويذكرهم بالله ويرشدهم الى طريق النجاة في الدنيا والآخرة، وبدأت القبائل تتوافد إليه وتطلب زيارته لها تبركاً به وتطلب اقامة زوايا لها اسوة بالزاوية البيضاء، فكان  يتوجه بنفسه الى القبيلة أو المكان المطلوب اقامة الزاوية فيه وأحياناً ينتدب بعض الاخوان لذلك وهكذا بدأت القبائل تتسابق والزوايا تنتشر( ).
وظل في نواحي برقة والجبل الأخضر يزور القبائل، ويؤسس الزوايا حتى تم تأسيس ماينوف عن عشرين زاوية كما كان طيلة هذه السنوات يتردد مابين القبائل ويصلح مابينها ويزيل ما تأصل بينهم من الاحقاد والمشاجرات التي طال أمدها رغم ضررها وكان يعظهم ويذكرهم ويرشدهم الى إخوة الاسلام، ورابطة الايمان، ويحثهم على التعاون على البر والتقوى، ويأمرهم بترك العقائد الفاسدة والعادات القبيحة مثل التبرج والاختلاط، وقتل النفس بأتفه الأسباب وعدم الانقياد لأوامر الدين والدولة، وكان يأخذ منهم العهود والمواثيق على أنهم ينقادون لأوامر مشايخ الزوايا ويرجعون إليهم في مختلف قضاياهم وحل مشاكلهم، ويدخلون ابناءهم في الزوايا ليتعلموا القرآن وأمور دينهم، كما كان يأخذ عليهم عهوداً بأحترام الزوايا ومشائخها والاخوان وان يبذلوا جهودهم لمساعدة الزوايا والاخوان فيما هو ضروري لبقائها عامرة وكل قبيلة تطالب اقامة زاوية لها تقيمها لهم بالشروط المتقدمة( ).
والزوايا التي تم تأسيسها خلال السنوات الأربع المتقدمة في الجبل الأخضر وبرقة (البيضاء، شحات، بنغازي، درنه، ماره، ام الرزم، والعرقوب، توكرة، طلميثه، الطيلمون، الفائدية، المخيلي، القصور، المرج، ام ركبه في (فزان)، مرزق، زويلة، هون، سوكنه (في طرابلس) مزده، طبقة الرجبان، تونين، مصراطه، ازليتن، زله، وفي تونس زوايا الجريد.
وعلى الحركة الاسلامية المعاصرة في بلادنا وغيرها أن تراجع حسابتها وتتفقد الاماكن التي كانت منارات للعلم والتربية والدعوة، وتعمل على احياء مااندرس منها على منهج صحيح وسليم وقويم من عقيدة السلف، ومنهج أهل السنة والجماعة، مع الاستفادة من خبرات الحركات المعاصرة وتجديد الوسائل، لعل الله ينفعنا وينفع بنا ويهدينا سواء السبيل.
زواجه الثالث:
في أواخر عام 1258هـ جمع ابن السنوسي اخوانه في ليلة من الليالي وقال لهم تعلمون اخواني انني تقدمت بي السن (وكان سنة آنذاك سبعة وخمسون سنة) وضعف جسمي وقوتي بعد شربي للسم ولم يبقى لي مأرب في النساء غير اني رأيت سيدنا محمد  في منامي وقال لي خذ احدى بنات هذا الرجل أي السيد احمد بن فرج الله تأتيك بولدين يكونان من المهاجرين والانصار وانني امتثالاً لامره  اريد ان اخطب من اخينا السيد احمد احدى بناته، ثم عقد  على فاطمة وهي الوسطى من البنات( ).
إن الرؤية الصالحة في المنام بشرى تزف لعباده الصالحين، وأمر رسول الله  في المنام إذا لم يخالف الشريعة لايوجد ما يمنع من تنفيذه وكانت بشرى صادقة وقد وقعت كما رآها ابن السنوسي.
إن أمر الرؤية في حياة ابن السنوسي واضح وجلي ، ويستأنس بها في رحلاته واعماله وبالنسية لرؤية رسول الله  في المنام فلا خلاف بين أهل العلم فيها، فعن ابي هريرة  أنه قال: سمعت النبي  يقول : (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي)( ) وفي رواية عن أنس  قال: قال النبي  (من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل بي)( ) وفي رواية عن ابي قتادة  قال : (قال النبي  من رآني فقد رأى الحق)( ).


المبحث الثاني
أسباب اختيار ابن السنوسي برقة مركزاً لدعوته


إن أقليم برقة أحد أقاليم ليبيا الثلاثة (برقة ، طرابلس، فزان)، بل أكبر هذه الأقاليم من حيث المساحة (700 الف كيلومتر مربع) وإن لم يكن أكثرها سكاناً، ويمتد هذا الاقليم من هضبة السلوم شرقاً وحدود طرابلس غرباً، وكان يعرف عند الرومان باقليم (سيرينة) التي سماها العرب (قيرين) أو (قرناه) ثم أصبح يعرف منذ الفتح الاسلامي باقليم برقة( ).
وسطح الاقليم متنوع بين سهل ساحلي يضيق في الجزء الأوسط بحيث يتكون من جيوب ساحلية تنحشر بين رؤس صخرية تصل الى الساحل، ولكن في جناحي برقة: في البطانان شرقاً، وفي برقة البيضاء والحمراء غرباً، يتسع هذا السهل الساحلي بحيث يمتد عشرات الاميال الى أن يلتقي بالصحراء( )، والى جانب هذا السهل الساحلي يوجد الجبل الأخضر الذي يرتفع عن مستوى سطح البحر بحوالي ألف متر وتكسوه الخضرة الدائمة، ويرتفع الساحل ارتفاعاً مباشراً ولكنه ينحدر تدريجياً نحو الصحراء في الجنوب، وبه الأراضي الصالحة للزراعة المساحات الكبيرة التي ترويها مياه الامطار الغزيرة.
والى الجنوب من الجبل الأخضر توجد الصحراء الواسعة التي تكون معظم مساحة الأقليم وهذه الصحراء مستوية وان وجد بها بعض الكثبان والهضبات فهي مستوية أيضاً، وفي صحراء برقة توجد أودية عميقة بعضها يمتلئ بالماء فترة ما وبعضها يكون جافاً طول السنة( )، كما توجد بعض الآبار والينابيع المتناثرة وسط الصحراء تحيط بها واحات فقيرة مثل الجغبوب والكفرة، وجالو، وأوجلة( ).
وسكان برقة يعيشون في تنظيم قبلي اتضحت صورته منذ الفتح الاسلامي ثم عندما زحفت قبائل بني هلال، وبني سليم من مصر الى المغرب منذ القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي، أصبحت هذه القبائل تنقسم الى قسمين رئيسين: القبائل السعدية ، وقبائل المرابطين ، ويذكر البعض أن السعديين هم قبائل بني سليم، وأن المرابطين هم بقية القبائل العربية اليمنية التي جاءت مع الفتح الاسلامي والتي اختلطت مع سكان البلاد وعربتهم، وأن ثمة قبائل من المرابطين لها شرف في النسب الى بيت الرسول  ومن أهم القبائل السعدية ، العبيدات، وعائلة فايد، والحسا والبراعصة، والدرسة، والعبيد، وعرفة، والعواقير، والمغاربة، وأهم قبائل المرابطين: المنفة ، والقطعان، والحوطة، والفواخر والزوية( ).
وقبائل برقة تعيش نفس التنظيم القبلي العربي من حيث انقسامها الى عشائر وبطون وأفخاذ، وللقبيلة أرض تملكها وتنتقل في ارجائها، وأفراد كل قبيلة متضامنون في أداء ما عليهم من واجبات وفي الحصول على مالهم من حقوق، ولكل قبيلة رئيس أو شيخ له الرياسة العامة على أفرادها. ومنذ أيام الفتح الاسلامي حتى العصر الحديث كان الحكم في برقة يأخذ القبيلة بعين الاعتبار في تقسيم البلاد الى وحدات ادارية، بحيث تكون القبيلة أساساً لتطبيق النظام ومساعدة الحكام( ).
كان القبائل في برقة تعيش حياة غير مستقرة؛ فيما عدا الواحات، وكثيراً ما تتقاتل من أجل المراعي أو مياه الآبار( ).
وقد توفرت في برقة ظروف ملائمة لظهور الحركات السنوسية بوصفها حركة اسلامية شاملة:
أن برقة منفصلة عن الاقطار المجاورة بالصحارى والفيافي التي تحيط بها.
تتألف برقة من قبائل عربية بدوية تربطها أنماط حياة اجتماعية متجانسة.
يقوم النظام القبلي في برقة على (عصبيات) دموية مشتركة وتقاليد وأعراف متشابهة.
لاتزال المناطق الريفية بعيدة عن سيطرة المدن.
لم يمارس الحكام العثمانيون إلا سيطرة ضعيفة على المناطق الداخلية( ).
إن النظام القبلي في برقة كان حلقة مفقودة في خطة ابن السنوسي ووجد ضالته في ذلك المجتمع، فقد أوجد النظام القبلي القواعد السياسية التي اقيمت عليها الحركة السنوسية، إن النظام القبلي في برقة تميز بالتعقيد ووجود مؤسسات متطورة لها مصالحها الاقتصادية، وتركيبتها الاجتماعية ويرجع نجاح الحركة السنوسية في برقة في بعض جوانبه الى التكيف مع هذه التركيب القبلي المعقد( )، إن الحركة السنوسية وجدت بنية اقتصادية، وتركيبية اجتماعية استطاعت أن تتفاعل معها الحركة، لقد استطاع ابن السنوسي أن يشيد على البناء القبلي تنظيماً ارشادياً ووعظياً، ولم يكن من الممكن اقامة مجتمع جديد بدون ذلك البناء القبلي( ).
لقد وجد ابن السنوسي ضالته في قبائل برقة، ووجدت القبائل ضالتها المنشودة في دعوة ابن السنوسي.
كانت قبائل برقة قبل مجيء ابن السنوسي تتخبط في دياجير الظلام، حيث استفحل الجهل في تلك القبائل رغم اعتناقها الاسلام الذي تنتسب إليه اسمياً وبالفطرة، ولم يبقى لها من الاسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه وإليك بعض الصور من هذا الانحراف الخطير:
اتخذت بعض القبائل مواقع من برقة لتأدية فريضة الحج بدلاً من الحج الى بيت الله الحرام.
كانت بعض القبائل لا ترى ضرورة صيام رمضان فتكلف ثلاثين شاباً قوياً، فيصومون يوماً واحد، ويرون بذلك قد أدوا واجب الصيام على المسنيين والعجزة وارباب الأعمال من أهل القبيلة.
كثر الأدعياء والدجالين الجهلة الذين يدعون لأنفسهم مقام الولاية والصلاح دون معرفة أصول الدين وعلى غير علم به، وكان حقهم في هذا المقام هو بالتوارث خصوصاً إذا ماكان بين هؤلاء الأدعياء من له صلة بنسب شريف ولهؤلاء مكانتهم في نظر العامة التي اعتقدت أنهم يتصرفون في ملكوت الله أحياء وأمواتاً، وأنهم في حالة الغضب أو الرضى يشقون ويسعدون .
لقد غابت كثير من شعائر الدين بين تلك القبائل( ).
كانت القبائل يكثر بها الجهل قلما تجد من يعرف القراءة والكتابة، فكل من يصل إليه كتاب يذهب به الى اقرب المدينتين إليه بنغازي أو درنة لقراءته.
كان القوي منهم لا يتورع في الحصول على ماتصبو إليه نفسه بالقوة حتى أن الضعيف لا يرى له حقاً.
كانوا لايرون في شن الغارات والغزو والقتال عيباً، فكل قبيلة من القبائل العربية تعمل ما يعزز مركزها ويقوي شوكتها في نظر القبيلة الاخرى.
كانت الحروب تندلع بين القبائل بأقل الاسباب واتفهها ، فتارة من أجل شخص حلب ناقة غيره بدون استئذانه، وتارة من أجل شخص ضاف آخر فلم يكرم وفادته، ومرة من أجل بهيمة أكلت زرعاً، وحيناً من أجل رجل تزوج امرأة ولها ابن عم لا يريد زواجها منه...الخ فبمثل هذه الاسباب كانت تقع الحروب الكثيرة التي جرت القبائل الى هاوية الخراب والدمار، ولم يمر وقت طويل بدون حرب، ومن أهم الحروب التي وقعت ببرقة قبل مجيء ابن السنوسي حرب العبيدات وأولاد علي ، وحرب قبائل الجبارنة مع الفوائد، ثم الجبارنة مع الحرابي المعروف بحرب (بياض)، وحرب المغاربة مع الزواوات، الى غير ذلك من الحروب الكثيرة( ).
ولكن الدعوة السنوسية استطاعت أن تزكي النفوس، وتقوى الايمان، وتنشر العلم، وتزيل الجهل ، وتحارب الظلم، وتحبب العدل الى نفوس تلك القبائل ، وبعد فترة من الزمن اصبح من تلك القبائل علماء عاملون يدعون الى الخير وبه يعدلون ولقد استطاع الشاعر أبوسيف مقرب حدوث البرعصى أن يصف الحالة التي كان عليها قومه وكيف تحولوا عنها نتيجة للدعوة السنوسية:
وكم من حريم قد أباحوا واجحفوا
بمال غني لايخافون عادياً
وكم جهول أسود اللون خلقة
كساه لبوس العلم ابيض صافياً
وكم بدوي في الفلا خلف نوقه
يبول على الاعقاب أشعث حافياً
تلافاه في مهوى الضلالة هاوياً
فأصبح نجماً بالهداية عالياً
فتاهوا به فخراً على كل حاضر
ومن جاور الأعلى يحوز المعاليا( )
وهذه قصيدة الشاعر الأديب الاستاذ احمد شنيب المعروفة بـ (عقيدة وخلود) توصف حال المجتمع الليبي فتقول:
ارض الجدود وقد جفاك بنوك
حتى استحل دم العروبة فيك
ماخطبهم باعوا الهداية بالدجى
وتفرقوا ، وبجهلهم خذولك
وتشتتوا في الأرض لا من غاية
غير التناحر والدم المسفوك
شعب تفرق شمله وقبائل
لم يدركوا (التعارفوا) فرموك
ياوحيهم ماجاء عمرو غازيا
إلا لنشر الحق في ناديك
ودم الصحابة لم يرق عفواً ولم
يستشهد الابرار حين غزوك
وهبوا حياتهم لنصرة ربهم
والدين والقرآن كي يحموك
عادت عصور الجاهلية بينهم
وتصدع الاسلام بين يديك
واحسرتاه على الحنفية كم غدت
تبكي كرامة مجدها المهتوك
لا الدين أصبح يهتدي بجلاله
لا السنة العصماء تسعد فيك
والمسلمون أدلة ليست لهم
من دينهم غير اسمه ياسوك
ساءت موازين الحياة وبالهوى
ساسوا الأمور، وخسفهم ساموك
وتطلع الغرب الغريب توثباً
واعد عدته لكي يرو يك
ابناء روما في الشمال تحفزوا
وبنوا فرنسا في الجنوب قلوك

الله يارض الجدود ومن سوى
رب السماء من الأذى ينجيك
ان الذي بعث النبي محمداً
للتائهين اعز من يهديك
ياابن السنوسي الكبير تحية
من أمة في عصرها المنهوك
جاءت إليك تحط كل رجائها
وتطوف حول ركابك المبروك
او لست سيد عصره وامامها
والقائد الاعلى بغير شريك
في لينه حزم، وفي ايمانه
كل اليقين بنصر خير مليك
وغناه في قصد، وفاقته على
اسمى التجمل في اعف سلوك
ياارض قرى خاطراً وتقدمي
بتحية الاكبار من هاديك
حملت آثاماً فجاء مطهراً
اكرم به من مؤمن يحبوك

وغدوت اشتاتاً فاقبل هادياً
ومبشراً، والى العلا يدعوك
ويلم شعث المسلمين ويبتني
ركنا يقام وامة تفديك
ويعيد للدين القويم بهاءه
ويقيل عثرة شعبك المملوك( )
إن اختيار ابن السنوسي لبرقة كان قراراً حكيماً، يدل على معرفته للمنطقة جيداً، فقد اتصفت برقة بفراغها السياسي وبجهلها العلمي وبكونها مخرجاً لأواسط أفريقيا( ).
وظل ابن السنوسي خمس سنين وقيل ستة في برقة، ينشئ الزوايا وينظمها، ويرسم مناهج الدعوة ومبادئها ويبث دعوته الاصلاحية عن طريق هذه الزوايا. ثم عاد بعد هذه السنوات الخمس الى الحجاز، المركز الأول لدعوته، ومنذ ذلك الوقت كان للدعوة عنده مركزان رئيسيان : شرقي في الحجاز وغربي في برقة، وعن هذين المركزين أخذت الدعوة السنوسية تنتشر بواسطة الزوايا هنا وهناك( ).
إن سفر ابن السنوسي الى مكة يدلنا على إنه كان لديه مشروعات دعوية كثيرة في العالم الاسلامي، وأن هدفه فتح أراضي جديدة لدعوته، لقد استطاع ابن السنوسي أن يرسي قواعد الدعوة في برقة ويثبت أسسها ، فغادر برقة وهو مطمئن الى أن دعوته ستنتشر ، وقد خلف وراءه عدداً من الاخوان للاشراف على الحركة.
لقد كان ابن السنوسي يخطط في تنظيمه بحيث يكفل الاستمرار بغض النظر عن وجوده أو عدم وجوده( ).






















المبحث الثالث
إقامة ابن السنوسي في الحجاز وعودته الى برقة

سافر ابن السنوسي الى الحجاز، واستمرت مدة اقامته حوالي ثماني سنوات، وحفلت هذه السنوات بنشاط دعوي عالمي لابن السنوسي، دل على قدرته التنظيمية، وذكائه في تصريف شؤون الحركة، وشرع في إنشاء الزوايا، وكثر دخول الناس في الدعوة، وتعرض لمتاعب من قبل بعض العلماء وقد تحدث الصادق المؤيد عن ذلك فقال: (مع أن المرحوم ابن السنوسي عندما كان في الحجاز لم يتعرض للهجوم على الطرق الصوفية الأخرى، فإنه اصبح هدفاً لنقمة الآخرين ونقدهم. ومع ذلك فقد توسع نفوذ السنوسية ودخلت الصحراء جزيرة العرب حيث اعتنقها عدد من القبائل كبني حارث وبني حرب، كما انتشرت الطريقة بواسطة الحجاج: وهذا سر انتشارها بسرعة خارقة في الحجاز واليمن على الخصوص.
وعلى الرغم مما وقع للسيد السنوسي من رقابة ومنافسة وعداء، فقد كان عدد المريدين في ازدياد، ولذلك أسس زوايا أخرى عدا الزاوية الرئيسية التي في جبل ابي قبيس في المدينة والطائف والحمراء وينبع وجدة)( ).
وكانت كل زاوية من هذه الزوايا عمل خاص (فزاوية أبي قبيس فيها مسجد شريف ومدرسة للتعليم ومساكن لقبول الزوار والمسافرين ، وتكتظ هذه الزاوية بالناس في موسم الحج خاصة. أما زاوية جدة فكانت تستقبل الوافدين من المنسوبين للطريقة وغيرهم وتتولى إسكانهم وإعاشتهم مجاناً، فهي محل ضيافة عامة) ( ).
واستطاع ابن السنوسي أن يساهم في تربية وتعليم القبائل من الحجاز، وارشدهم الى دينهم وعمل ابن السنوسي بالاضافة الى تأسيس الزوايا على تعليم مريديه بنفسه، فجلس في مكة يدرِّسهم الفقه والعلوم الأخرى. كما ألف لهم عدداً من الكتب منها كتابه (بغية المقاصد وخلاصة الراصد) المسمى بالمسائل العشر. وقد انتهى كما تشير الى ذلك النسخة المطبوعة سنة 1264هـ أي أثناء اقامته في الحجاز، ومنها رسالة كتبت مقدمة لكتاب موطأ الامام مالك في أول سنة 1267هـ (وذلك حين بداءته لقراءة الموطأ) بغية إعطاء طلابه فكرة عن الكتاب( )، وربما قد كتب بعض مؤلفاته الأخرى في تلك الفترة، كإيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، والدرر السنية في أخبار السلالة الادريسية، والسلسبيل المعين، وقد ظهر في كتبه هذه اتجاهه الصوفي واعتماده على الكتاب والسنة وقوله بالاجتهاد.
وكان طوال إقامته في الحجاز، يحرص على الحج كل عام، ويتصل بالناس ويدعوهم الى دعوته ويضم من يستجيب منهم وكان على اتصال مستمر بأتباعه في برقة يوجههم ويصدر إليهم تعاليمه وارشاداته بواسطة الرسائل. ويذكر الأشهب : (أنه كان يندب سنوياً من يزور مختلف الزوايا لإبلاغ توصياته وتوجيهاته)( ).
وكان ابن السنوسي قد ترك زوجته وولديها محمد المهدي ومحمد الشريف في برقة وكان على اتصال بهم عن طريق الرسائل وكان قد عين عمران بن بركة ومحمد بن ابراهيم الغماري للأهتمام بشؤون أهله وولديه وقد ذكر عبدالقادر بن علي، بأن ابن السنوسي عندما بشر بمولوده الجديد قال (الآن ظهر الصباح وخفي المصباح) وكان يقصد بالصباح ابنه والمصبح نفسه( ).
وعندما بلغ محمد المهدي الخامسة من عمره (أرسل ابن السنوسي الى الاخوان الكافلين له وقال لهم أدخلوه الكتّاب وعلموه الوضوء والصلاة ففعلوا كما أمر)( ).
وعندما بلغ محمد المهدي السابعة من عمره أرسل إليهم، ليوجهونه إليه مع زوج خالته، فارتحل به، ولما اجتمع ابن السنوسي بولده سر به سروراً عظيماً وطلب لوح قراءته فوجد أوله (وإنك لعلى خلق عظيم) فازداد سروراً، وزوَّره الروضة الشريفة ولقنه ماعنده من الدعاء ثم زوّره المآثر كلها التي بالمدينة، كمسجد المائدة ومسجد القبلتين وجبل أحد، وقبور شهداء احد، وقبر حمزة ( ).
وكان قبل مجيء ابنه قد تزوج ابن السنوسي زوجته الرابعة والأخيرة (ابنة حسن البسكري). وكانت بدرنة مع أختها وأخواتها وتوفي والدها، فأرسل ابن السنوسي الى ابن أخ حسن البسكري أن يأتي بالأم وبناتها، وكانت أكبر البنات تحت عبدالله البسكري ابن أخ حسن البسكري، فرحل بها الى الحجاز وتزوجها ابن السنوسي ورزقت منه بولد وتوفي صغيراً ولم يفارقها حتى مات( ).
وعندما بلغ محمد المهدي التاسعة غادر والده المدينة الى مكة وتركه مع زوجة أبيه البسكرية فأعتنت به كثيراً. وفي جمادي من سنة 1269هـ طلب ابن السنوسي ابنه محمد المهدي من المدينة وأرسل يطلب من الأخوان في برقة بإرسال ابنه محمد الشريف.
وذكر احمد الشريف رحلة والده فقال : (فأرتحل محمد الشريف من الجبل وهو ابن سبع سنين ومعه والدته وجده السيد أحمد بن فرج الله ومروا على العقبة ثم منها الى الاسكندرية ثم الى كرداسة، ثم نزلوا بمصر ببيت الشيخ عمر الزروالي أقاموا بها أياماً ثم الى السويس وركبوا البحر قاصدين جدة.. وأتتهم ريح عاصفة قبل نزولهم قلعت بالمركب حتى أيقنوا الغرق. وتقطعت الأشرعة وآخر الأمر سلمهم الله ورمتهم الريح على الينبع فنزلوا بها وأقاموا أياماً للاستراحة. ثم ارتحلوا الى المدينة المنورة فزاروا الروضة الشريفة واجتمعوا بالباشا الذي رحب بهما وأعطاه ساعة تساوي مئة، وبعد ذلك بني جامع الزاوية التي بالمدينة بناءً متقناً من نفسه جزاه الله خيراً. وكان بالمدينة يومئذ السيد عبدالله التواتي وأكرمهم غاية الاكرام. وأقاموابها ثلاثة أشهر ونصف ثم ارتحلوا منها الى مكة المشرفة منتصف ذي القعدة سنة تسع وستين بعد المئتين والألف صحبة السيد التواتي .. وتخلف السيد عبدالله لوجع في رأسه وحمى معه آخر فناما ليستريحا ويلحقا بالقافلة، فلم يشعروا إلا وهبت الريح.. وقطاع الطريق قد أحاطوا برواحلهما لينهبوا ماعليها فقاموا إليهم للمدافعة عما أرادوه فضربوا السيد عبدالله بفأس على رأسه فسقط على الأرض وجرحوا صاحبه، وأكتشف رجال القافلة الأمر بعد أن أرسلوا رسولاً ينظر سبب تأخر الرجلين، فتوقفوا لدفنه وساروا في خوف وحزن يحرسهم العسكر الذي أرسله الباشا الى أن وصلوا مكة المكرمة( ).
وقد حزن ابن السنوسي على مقتل عبدالله التواتي الذي كان من أوائل رفاقه وكان المسؤول الأول عن نشاط الحركة في الحجاز، وقد أمر ابن السنوسي بنقله الى بدر، حيث دفن بجوار الشهداء رضي الله عنهم أجمعين( ).
كان عبدالله التواتي من كبار العباد في الحركة السنوسية وقد حدثني استاذي في اللغة العربية الشيخ راشد الزبير السنوسي عندما كنا معاً في المعتقل السياسي بطرابلس الغرب بأن عبدالله التواتي كان يقول والله لازاحمنَّ اصحاب النبي  على ابواب الجنان بركبتي ، وكان عبدالله التواتي شديد الاخلاص لابن السنوسي حتى أنه دعا الله أن يكون فداء له ولأنجاله( )، وقد أصاب قاتليه مرض مزمن وماتوا ميتة بشعة، وانتشر خبر وفاتهم بين قبائل الحجاز، فأصبحوا يتحاشون السنوسية واتباعهم ولا يمسونهم بسوء أبداً حتى أن أهل مكة والمدينة كانوا اذا أرادوا الحج أو الزيارة فلا يخرجون إلا مع الركب السنوسي لكي يأمنوا حياتهم وامتعتهم( ).
أولاً : عودة ابن السنوسي الى برقة:
بعد وصول محمد الشريف ابن السنوسي الى مكة وكان بصحبته جده لأمه احمد بن فرج الله ووالدته وعمران بن بركة الفيتوري، وكثير من الاخوان ، وحج الجميع مع ابن السنوسي، وقدم من برقة في هذا الحج كثير من اعيانها ووجهائها ومشائخ القبائل منهم( )، الشيخ ابو شنيف الكزة والشيخ عمر جلغاف، وعبدالله ابو سويحل، والحاج محمد كاهية وغيرهم ليلتمسوا من السيد عودته الى البلاد المتعطشة لدعوته، فكان يعدهم خيراً، ومما يلفت النظر أن الشيخ ابو شنيف الكزة الذي تجشم مشاق الطريق لرؤية السيد كان عمره يتجاوز المائة سنة، لقد كان شوق الاخوان في برقة الى ابن السنوسي عظيماً، فهذا احمد الطائفي يرسل من درنه قصيدة الى ابن السنوسي جاء فيها:
يامن نأو عني وشط مزارهم
وتجددت لبعادهم احزاني
نار الجوى بين الجوانح اضرمت
والروح فارق بعدكم جثماني
لا كان يوم البين لا كان النوى
ياليتني أدرجت في اكفاني
حر النوى أوهى قوى تجلدى
واعل جسماً طبه اعياني
وأطال سهري والخلائق هجع
واثار وجداً كامنا ًبجناني
وسقى رياض الشوق يوم وداعهم
بسواكب العبرات من اجفاني
فطويت حينئذ بساط مسرتي
ونشرت بعدكم رداً احزاني
فاليك يامولاي أشكو علتي
وعظيم شوقاً بعضه أضناني
وحتى أفوز بنظرة تطفى الجوى
وتزيل كرب حشاشة الولهاني
وأقول ياعيني انظري وتمتعي
بجمال مولانا عظيم الشان
استاذنا وملاذنا وغياثنا
منجي الغريق ومهدي الحيران
سلطان أهل الله ذاك محمد
العالم العلامة الرباني
ابن السنوسي المعظم قدره
من خص بالاسرار والعرفان
اكرم به من سيد ذي سؤدد
ومناقب جلت عن التبيان
لم استطع تعداد بعض صفاته
ولو استطعت لكلّ عنها بياني
يارب فارزقنا سلوك طريقه
فسلوكها ينجي من النيران
وأطل بفضلك عمره وأدم به
نفع العباد والفة الاخوان( )
وبعد أن ألح زعماء برقة على رجوع الشيخ ابن السنوسي معهم، استخار الله سبحانه وتعالى وسأله ارشاده الى الطريق التي يرضاها سبحانه وتعالى وفيها نفع للأمة المحمدية، فاراه الله ما ألهمه وقوى عزيمته على العودة الى برقة، فرتب الأمور بالحجاز وعين مشائخ للزوايا وزودهم بما رآه وحرضهم على سلوك طريقته في ارشاد العباد ودلالتهم على الله والتمسك بسنة سيدنا رسول الله  وبذل النصح للمسلمين اينما كانوا وأناب عنه في زاوية ابي قبيس الشيخ محمد ابراهيم الغماري، وابقي ابنيه ووالدتهم وجدهم في مكة وأمر محمد الغماري، وأحمد البقالي بتعليم ابنية القرآن الكريم وغيره من العلوم وحمل معه جميع كتبه وأثاثه ورافقه جميع الأخوان الملازمين له، والاعيان والشيوخ القادمين من برقة وتوجه من مكة الى المدينة وأقام بها مايزيد عن مدة شهر( )، وقد ذكر بعض المؤرخين أسباب خروجه من الحجاز، فقال بعضهم: كان لديه رغبة لزيارة الشام. وقد أثبت الملك محمد ادريس هذه الرغبة فقال: (إنه كان يفكر بزيارة الشام بعد إقامته الثانية وهم بالتوجه إليه، ولكن أهل برقة اصروا على اصطحابه معهم الى الجبل الأخضر)( ). ويذكر الأشهب أنه عندما طالت مدة غياب ابن السنوسي في الحجاز (اشتد القلق في ليبيا لطول غيبته، وسافر الى الحجاز أكثر من وفد ليبي ليلتمس منه ان يعود وكانوا يسافرون غالباً في موسم الحج)( ). أما غرضه من زيارة القدس والشام، فأغلب الظن أنها كانت لزيارة المسجد الأقصى لنشر دعوته، ولكن هذه الزيارة لم تتم( ). وقد ذكر ابن السنوسي (كان العزم الذي خرجنا له زيارة القدس، ثم في أثناء السفر أتانا الاذن بالذهاب الى هنا (يقصد برقة)( ).
وانفرد البستاني بالقول انه خرج من مكة خائفاً من تهمة مشاركته مع الشريف عبدالمطلب، شريف مكة، الذي عصى الدولة العثمانية: (لذلك خاف من الإقامة في مكة بعد هذه التهمة، فرحل منها عائداً الى الجبل الاخضر عن طريق مصر)( ) إلا أن هذا القول يسقط ويتهاوى امام حرص ابن السنوسي الابتعاد عن الصدام مع السلطة العثمانية واصل ابن السنوسي سيره من المدينة متجهاً الى مصر ودخلها عام 1854م، وغادرها الى الجبل الأخضر (ونزل بمحل يعرف بالغزيات وهو قصر قديم فرممه وأصلحه وسماه بالعزيات وأقام هناك سنتين)( ) وكان في تلك الفترة يشرف بنفسه على تنظيم وإنشاء الزوايا، وكان يرسل مندوبين عنه لتفقد احوالها، وكان كبار الاخوان يقدمون على العزيات لزيارة ابن السنوسي، فكان يسمع أخبار الزوايا، ويصدر إليهم تعليماته( ).
وبعد أن أقام ابن السنوسي عامين في العزيات عزم على التحول الىالجغبوب، وكان قصده التوغل في الصحراء حتى يكون أكثر أمناً( ).
ثانياً: اسباب اختيار الجغبوب:
إن اختيار ابن السنوسي للجغبوب كمقر لقيادة الحركة السنوسية دليل على بعد نظره، وثاقب فكره، ورجاحة عقله، وحسن تصرفه وقد ذكر المؤرخون اسباب ذلك الاختيار فقالوا:
أراد أن يجعل من الجغبوب مركزاً للتوفيق بين قبائل الصحراء المختلفة ونشر راية دعوة الاسلام بينهم جميعاً، وكان الجغبوب مركزاً أحسن اختياره، وكان صالحاً لأغراضه في وسط قبائل في الشرق والغرب، وكان النزاع بينهما مستمراً، ومن ثم أمن للحركة السنوسية أن تبسط نفوذها في المتنازعين، وأن تصلح ذات بينهم.
الاهتمام بأبواب الصحراء المترامية الأطراف من نواحي الغرب والجنوب والشرق ولذلك كانت زاوية الجغبوب نقطة مهمة واعقبتها عدة زوايا فيما بعد تخدم نفس الهدف، من أجل ضمان السلامة والأمن في الصحراء، وضمان المحافظة على طرق التجارة إذ كانت طرق القوافل تربط بين الجزائر وطرابلس ، وتشاد، وبرقة ومصر.
كان البدو في ليبيا يضطرون أحياناً الى ترك دواخل ليبيا بسبب خلاف يقع بين قبيلة واخرى او مع الدولة العثمانية، فتكون وجهة النازحين من سوء، ولذلك فكر ابن السنوسي ونظر الى هذا الأمر ببصيرة نافذة، فأوجد هذه الزوايا في المواقع البعيدة ليأوى إليه النازحون عن دواخل البلاد، فيجدوا أمناً وأماناً( ).
ازدادت عداوة علماء استانبول والقاهرة لأفكار ابن السنوسي الدعوية، فرأى أن يبتعد عن الساحل ويتوغل في الصحراء بعيداً عن السلطات العثمانية.
كان ابن السنوسي قد شعر بدنو استيلاء النصارى الصليبين على السواحل، فاختار الابتعاد الى الجنوب والإقامة في الصحراء( ).
وكان الجغبوب في تلك الآونة (واحة ملحة يأوى إليها الدعار واللصوص ولاتجسر القوافل أن تمر بها من جراء العبث في أنحائها. فلما اختارها (السيد) مقراً له وبني بها زاويته الكبرى صارت مهد أمان ومركز عبادة، ومشرق أنوار ومعلم هداية . فغرس بها الأشجار ونسق الجنان واستنبط العيون وتوسع في البناء، وأسس مدرسة لتخريج مريدي الطريقة أجلس للتدريس فيها جلة العلماء)( ).
(لم تكن الجغبوب مكاناً يصلح لحياة فخمة ولكنه مركز له عدة مزايا سياسية؛ فهو خارج قبضة الترك والفرنسيين والمصريين ، وهو على خط الحج الرئيسي القادم من شمال افريقيا الغربي عبر مصر الى مكة، وهذا الخط مقطوع عند الواحة بخط تجاري آخر من الساحل الى الصحراء الى السودان؛ وبالاضافة الى ذلك فإنها كانت أكثر النقط توسطا في برقة التي تشكل شبه جزيرة حتى أنه منها مايكون على مقربة من زواياه في برقة وطرابلس والصحراء الغربية في مصر والسودان)( ).
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الأربعاء 1 محرم 1429هـ/9 يناير 2008م/15:12

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ثالثاً: الأخوان السنوسيون الذين حملو مع ابن السنوسي الدعوة:
كان ابن السنوسي في تجواله بين الأقطار الاسلامية يقوم بدعوة الناس وتعريفهم بالاسلام، وسلك منهج القرآن الكريم في دعوته، فكان يقوم بوظيفته الدعوية امتثالاً لقوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون} (سورة البقرة، آية 151).
وتمثل هذه الواجبات الأمور التالية:
أ- تبليغ وحي الله الى الناس، وتعريفهم به { يتلو عليكم آياتنا} وكان يقوم بالتبليغ بالأمور الآتية :
شرح أصول الاسلام وقواعده للناس.
تفسير نصوص القرآن والسنة تفسيراً لمنهج السلف، وملائماً لعصره من حيث الأسلوب والوسيلة .
جمع الناس على الاسلام ومبادئه وأخلاقه، وتوجيههم نحو الفهم والعمل.
استهدف كل الناس بالدعوة سواء كانوا مشركين أو نصارى أو يهود أو ملاحدة، أو منافقين....الخ.
بيان الأخطار التي تواجهها الأمة الاسلامية من أعدائها.
ب- تزكية الناس: حيث قام ابن السنوسي بتربية الناس على الصفات المحمودة، وتذكيرهم بخطورة الاخلاق الذميمة.
ج- التعليم، حيث قام ابن السنوسي بتعليم الناس القرآن والحكمة، ونقلهم من ظلام الجهل الى نور العلم، ومن ظلال الباطل الى هداية الحق.
واستطاع أثناء تحركه بدعوته أن يختار من بين المسلمين مجموعة خيرة من العلماء والفقهاء والدعاة، ممن اتصفوا، بالتميز الايماني ، والتفوق الروحي، والرصيد العلمي، والزاد الثقافي ، ورجاحة العقل ، وقوة الحجة، ورحابة الصدر، وسماحة النفس وأصبحوا من أعمدة الحركة السنوسية أثناء حياته وبعد وفاته، فبعضهم أصبح مشرفاً ومعلماً في الزوايا المنتشرة في ليبيا وتشاد، والحجاز، ومصر ، وبعضهم أصبح من أعضاء هيئة التدريس العلياء في الجغبوب، وكان هؤلاء الأخوان الذين ساندوا الحركة السنوسية منهم من هو من الحجاز، كالشيخ فالح الظاهري، ومحمد بن الصادق الطائفي؛ ومنهم من هو من الجزائر، كأبي القاسم التواتي؛ ومنهم من هو من تونس، كعلي بن عبدالمولى؛ ومنهم من هو من السودان، كالسيد محمد بن الشفيع؛ ومنهم من هو من برقة ، كعبدالرحيم المحبوب، ومنهم من هو من طرابلس كعمران بن بركة الفيتوري( ).
واختار ابن السنوسي من كبار علماء الحركة للتفرغ للتدريس في معهد الجغبوب (...وجلس كبار العلماء للتدريس بمعهد الجغبوب، حيث تدرس جميع أنواع العلوم( )، فلا ينحصر التعليم على حفظ القرآن (وهذا شرط اساسي)، وبعض العلوم الدينية والعربية، كما هو الحال في كثير من المعاهد وقتذاك، وحتى الآن؛ بل إن التعليم قطع بالجغبوب شوطاً بعيداً وسار خطوات واسعة، فتناول أهم العلوم العقلية والنقلية، وكان يجلس للتدريس فطاحل العلماء والأعلام تحت اشراف السيد ابن السنوسي نفسه الذي يضع برامج التعليم ويقرها، فتخرج من هذا المعهد العدد الكبير بقسط وافر من العلوم...فمنهم العلماء والكتّاب والمصنفون( ).
وقد ذكر محمد الطيب أسماء بعض العلماء الذين قاموا بإلقاء الدروس في معهد الجغبوب تحت إشراف ابن السنوسي فمنهم: عمران بن بركة الفيتوري، أحمد عبدالقادر الريفي، فالح الظاهري، أحمد التواتي، عبدالرحيم أحمد المحبوب، محمد بن أحمد الشفيع، أبو سيف مقرب حدوث البرعصي، حسين الموهوب الدرسي، محمد صادق الطائفي، أحمد الطائفي، محمد مصطفى المدني، محمد القسطيني، محمد حسن البكري( ).
لقد قام عدد كبير بنصرة وتأييد الحركة السنوسية من العلماء والفقهاء والقادة، والشيوخ ومن أشهر هؤلاء الإخوان الذين ساندوا ووقفوا مع ابن السنوسي في حركته الواسعة:
محمد عبدالله التواتي، وهو من أوائل اخوان ابن السنوسي وتلاميذه، وقد قام بعدة أعمال كلفه بها ابن السنوسي في كل من الحجاز واليمن وليبيا، وقتل في الحجاز ودفن بزاوية بدر وقد مرّ ذكره .
أحمد أبو القاسم التواتي من الجزائر وقد تولى مشيخة زوايا سيوة والزيتون وزوايا فزان ، وكان أحياناً ينتدبه ابن السنوسي للتفتيش على الزوايا ومراقبة أحوالها ومما قاله ابن السنوسي في حقه في كتاب أرسله الى أعيان واحة سيوة قوله: (وولدنا الشيخ احمد التواتي قد أقمناه مقامنا، وماأرسلناه إلا لمنفعتكم خاصة ، وإلا فغيره يقوم مقامه، وأسمعوا لنصيحته فإنه نصوح أمين وقد هدى الله به أمماً عديدة)( ).
توفاه الله بزاوية الطيلمون وقد رثاه زميله العلامة فالح الظاهري بقصيدة عصماء مطلعها:
على مثل من أوقاته حلية الدهر
بصالح أعمال ، دموعك فتلجري
كما رثاه شاعر السنوسية أبوسيف مقرب بقصيدة مماثلة جاء فيها:
سل الدهر هل يبقي سعيد مخلداً
ولو كان أبقاه لأبقى محمداً
يكر علينا ليله ونهاره
شجاعين لا يثنيها من تجلداً( )
ومنها :
ألا ليت شعري كيف صاروا بنعشه
الى القبر وهو الطود ذو المجد والندى
حوى نعشه علماً وفخراً وسؤدداً
وحلماً وتقوى ماسواها تزودا
علي بن عبدالمولى من تونس، تولى مشيخة الجغبوب، وكان وكيل خاصة بن السنوسي واستمر في عهد محمد الثاني، وكان معروف بالصلاح والتقوى توفي بالجغبوب.
أحمد بن فرج الله من طرابلس، وهو والد أم محمد المهدي ، ومحمد الشريف وقد توفاه الله بالبيضاء ودفن بمقبرة الصحابي الجليل رويفع بن ثابت الانصاري ولم يترك عقباً من الذكور.
محمد بن الشفيع من سنار السودان، كان من بين تلاميذ العلامة احمد بن ادريس الفاسي دفين (صبيا)، تعرف على ابن السنوسي أثناء حضوره عند أحمد بن ادريس وسمع ماشهد به ابن ادريس لإبن السنوسي، وقد تولى أعمالاً كثيرة منها مشيخة زاوية المدينة، والقيام بالتفتيش على الزوايا في كل من الحجاز وليبيا وكانت آخر اعماله مشيخة زاوية سرت (خليج سدرى) ، وكان من أجل العلماء علماً وتقى وشدة في الحق وشجاعة( ) وكان يهابه حكام الاتراك وزعماء العرب لشدة تحرشه معهم في الحق رغم جميع المجاملات وكانت له مواقف مشهورة مع الفريق الحاج رشيد باشا عندما كان هذا الأخير حاكماً لبرقة وكان يحترم ويجل ابن الشفيع، وذات مرة سافر رشيد باشا الى الجغبوب وكان يصحبه بن الشفيع وشرع رشيد باشا يتلو القرآن وبن الشفيع يستمع حتى وصل القارئ لقوله تعالى: {إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآبا} فقال ابن الشفيع أتعلم يارشيد أن جهنم خلقت لمن؟ فقال رشيد الله أعلم ياسيدي فاجابه قائلاً: انها لك ولأمثالك مالم تأخذوا بكتاب الله ، فضحك رشيد وقبل يد ابن الشفيع، وتوفي بن الشفيع بسرت سنة 1324هـ( ).
أحمد المقرحي، وقد سماه ابن السنوسي بالمفرحي من بادية طرابلس وكان من طليعة علمائها الذين يرجع إليهم على باشا اشقر الحاكم العثماني، وفي بعض الروايات أنه تولى الافتاء في ولاية طرابلس، وقد مر ذكر المناظرة التي قامت بين علماء طرابلس وابن السنوسي وقد توفي المقرحي بالزاوية البيضاء عام 1263هـ ودفن بمقبرة رويفع الانصاري ولم يترك عقباً.
عمران بن بركة الفيتوري ، من زليطن، اسندت إليه مشيخة الزاوية البيضاء، وقام بالتدريس في معهد الجغبوب، وكان مدرساً لمحمد المهدي السنوسي، وكان يتمتع بمكانة مرموقة بين زملائه وتلاميذه توفي بالجغبوب عام 1310هـ ورثاه شاعر الحركة السنوسية أبوسيف مقرب البرعصي بقوله:
لقد سرت يامولاي للقبر نيراً
ولا عجب فلنيرات تسير
وان جار دهر في انتهابك واعتدى
فما زال قدماً يعتدى ويجور
له كلف بالاكرمين فكاسه
تدر عليهم عاجلاً وتدور
ويعتامهم بين الانام فنبله
يصيب وأما خليه فتغير
ألا أن للدنيا مصائب جمة
ولكن مصابي بالكبير كبير
مصاب له فاضت نفسيات أنفس
ولان له (رضوى) ولان (ثبير)
فيا واحداً ضج الجميع لفقده
وعج كبير بالبكاء وصغير
قضيت حميداً وانقضى العلم والتقى
وآضى جناح الدين وهو كسير( )
وقد تزوج الامام محمد المهدي كبرى بناته وتزوج محمد الشريف بالثانية، فأنجب منها المجاهد الاسلامي الكبير أحمد الشريف( ).
عبدالله بن محمد السني -من سنار السودان- كان من تلاميذ العلامة احمد بن ادريس ، وتولى أعمالاً كثيرة منها إلقاء الدروس في مختلف العلوم وتولى مشيخة زاوية مزدة حيث توفاه الله بها.
فالح الظاهري - من الحمراء بالحجاز- ينتسب لبني حرب التحق بأبن السنوسي سنة 1243هـ في مكة وتفرس فيه ابن السنوسي نجابة وذكاء، كان من طليعة المدرسين بالمعهد الجغبوبي ، زار استانبول مندوباً عن ابن السنوسي، كما زارها في عهد السلطان عبدالحميد ونزل في ضيافته معززاً مكرماً، ثم زار الهند، وجلس للتدريس في جميع البلاد التي زارها، ومما يلي نذكر بعض ماورد في رسالة منه الى العلامة احمد الريفي رحمها الله: (وفي هذه السبع سنين، بعد قدومي من البلاد الرومية حصل لي من إفادة العلوم غطوس ما أفقت منه إلا وأعضائي بها خلل من طول الجلوس، لكنني ولله الحمد حصلت من تبليغ العلم الى أهله غاية الأرب؛ ولم يبق قطر من الأقطار إلا وحمل عني إليه دفتر (مفالحه) شيخنا الأستاذ، وهذا أقصى أمنيتي من كوني جعلت في الخافقين لشيخنا المذكور أعلا صيت حتى في الهند والسند..)( ) كان العلامة فالح الظاهري متضلعاً في العلوم الدينية والفقهية والحديثية والتاريخية واللغوية وكان شاعراً يقرض الشعر، توفاه الله سنة 1327هـ بالحجاز( ) وله عدة تآليف لم تطبع منها، انجح المساعي ، وحسن الوفا لأخوان الصفا، وصحائف العامل بالشرع الكامل( ).
عبدالرحيم بن أحمد المحبوب (البنغازي) تتلمذ على يد ابن السنوسي، وتولى مهاماً كثيرة أسندت إليه منها، مصاحبة محمد المهدي من الحجاز الى الجغبوب ، وكان مفتشاً على الزوايا، وتولى مشيخة زاوية بنغازي ، وانتدب لزيارة استانبول في عهد ابن السنوسي، كما زارها في عهد محمد المهدي، وقام بإلقاء الدروس بمعهد الجغبوب توفاه الله بزاوية بنغازي 1305هـ( ).
حسين الغرياني ، تتلمذ على يد ابن السنوسي وانضم الى مجلس الاخوان وعرف عنه الصدق والاخلاص والحزم في جميع اعماله وتولى رئاسة الزاوية البيضاء ثم عين لرئاسة زاوية جنزور وعرف عنه الصلاح والتقوى والتفاني في عمله وتوفي بزاوية جنزور المعروفة باسم زاوية دفنه( ).
أحمد بن عبدالقادر الريفي، من تلمسان بالجزائر، التحق بابن السنوسي سنة 1267هـ فلازمه ملازمة صادقة وقام بكثير من أعمال الحركة السنوسية وأخذ عنه محمد المهدي السنوسي الكثير من العلوم، ثم أصبح المستشار الخاص لمحمد المهدي، وكان معروفاً بالحلم والورع ولين الجانب وذكر بعض المؤرخين أن محمد المهدي السنوسي كان يتلو القرآن الكريم، وعندما مر بقوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجداً وقياما} قال : إن معنى هذه الآية ينطبق على السيد أحمد الريفي( )، وكان مستشار الحركة السنوسية الخاص، وتولى رئاسة مجلس الاخوان بالجغبوب توفى عام 1329هـ/1911م ، فشق موته على افراد البيت السنوسي وجميع الاخوان وعامة أهل برقة ورثاه الشعراء والعلماء ومن بينهم تلميذه أحمد ادريس الأشهب حيث قال:
صبرت وماقلبي عليك بصابر
فانت امام الاولياء الاكابر
تركت دموع العين تجري صبابة
وسرت الى أهل العلى والمقابر
مكثت بجغبوب وتاج ومكة
وأنت تفيد القوم أهل المحابر( )
محمد الصادق -من الطائف- التحق بابن السنوسي بالحجاز واسندت إليه أعمال كثيرة، وقد أرسله ابن السنوسي الى الجزائر أكثر من مرة بمهمات خاصة تتعلق بدعم حركة الجهاد في الجزائر، وتولى مشيخة زوايا الجريد بتونس كما كان حلقة الوصل بين المجاهدين في الجزائر والزوايا السنوسية، وقد توفى بالجريد.
محمد بن مصطفى حامد المدني - من تلمسان- التحق بابن السنوسي في الحجاز عام 1267هـ، وتولى اعمالاً كثيرة في الحركة السنوسية منها تعليم القرآن الكريم ، وإلقاء الدروس، والاشراف على شؤون الطلبة والعمال في الجغبوب، ثم مشيخة زاوية تازربو حيث توفاه الله هناك.
عمر محمد الأشهب من زليطن - تعرف على ابن السنوسي مع زميله عمران بن بركة، تولى زاوية درنة، ومشيخة زاوية مارة، ثم مشيخة زاوية مسوس توفاه الله بها.
مصطفى المحجوب من مصراته، وقد تعرف على ابن السنوسي والتحق به في الزاوية البيضاء سنة 1258هـ تولى مهام كثيرة آخرها مشيخة زاوية الطيلمون.
أحمد بن علي أبو سيف من بادية طرابلس، تولى أعمالاً كثيرة منها التدريس ومشيخة زاوية مسوس، وزاوية مارة، وتوفي بالحجاز 1294هـ.
أبو القاسم العيساوي - جبل طرابلس - تولى مشيخة زاوية الرجبان، وانتدب إلى دار الخلافة.
محمد ابراهيم الغماري من المغرب الأقصى (مراكش) تولى أعمالاً كثيرة منها مشيخة الزاوية البيضاء والأشراف على صناعة تجليد الكتب الخاصة بمكتبة الجغبوب وتنظيمها.
إبراهيم الغماري - مراكش - تولى مشيخة زاوية دريانة ضمن الأعمال المناطة به.
مصطفى الغماري - مراكش - تولى أكثر من زاوية بالحجاز حيث توفاه الله هناك.
محمد حسن البسكري، كان يقوم بالسكرتيرية لمحمد المهدي فيما بعد.
عمر أبو حواء الفضيل الأوجلي كان من أوائل رفاق ابن السنوسي، وقد اشتهر بالصلاح والتقوى والاستقامة، وقد ندبه ابن السنوسي إلى أكثر من مهمة في كل من الحجاز وليبيا والسودان وشمال إفريقيا، وقد تولى مشيخة زاوية الجوف بواحة الكفرة التي توفاه الله بها.
مصطفى الدردفي - من مصراته - كان من رفاق ابن السنوسي تولى مشيخة زاوية شحات.
محمد بن حمد الفيلالي - من المغرب - كان من رفاق ابن السنوسي، وقد انضم إليه من الجزائر، وتولى أعمالاً كثيرة منها رئاسة مجلس الإخوان في برقة وقد وصفه ابن السنوسي بالرئاسة( ) إلا أنه بعد سفر ابن السنوسي الأخير إلى الحجاز انفرد (بن حمد) في عمله وأساء التصرف واستبد عن رأي مجلس الأخوان، كما أخذ يهددهم ويهينهم بمختلف الإهانات وهم يتحملون ذلك ويرون طاعته مع الصبر على المكاره شيئاً ضرورياً لأنه الوكيل عن ابن السنوسي، ولما ظهرت تصرفاته لابن السنوسي أمر بفصله ثم سافر إلى الحجاز وهناك استقبله ابن السنوسي وقال له :( اتعبتنا يا أخينا بن أحمد فما من كلمة سوء وجهتها لأحد إخواننا إلا وقد وجهت لنا بالذات وما من ضربة سوط أصابت جسم أحدهم إلا وقد أصابتنا مباشرة )( ).
محمد أحمد السكوري - من صنهاجة بالمغرب، تولى مشيخة زاوية الواحات البحرية وأوفده ابن السنوسي في مهمة إلى الحجاز ثم ولاه مشيخة زاوية المرج، ورث عن أبيه ثروة ضخمة ومحبة البدو الذين عرفوا والده وأحبوه( ).
المرتضى فركاش: ينتسب إلى نوح المسماري الشريف الحسني كان من كبار الشخصيات المحترمة بالجبل الأخضر يمتاز بين قبائل العرب بالدهاء وكثرة التجارب والمرونة وكرم الأخلاق وحسن التصرف وله شهرته الاصلاحية وقد ساعدته ثروته الطيبة وقتذاك على الاحتفاظ بمركزه الاجتماعي والأدبي وكان يعيش الحضر والبادية فيأوي مدينة درنة في وقت الصيف ويختلف إلى سكنى البادية في موسم الشتاء والربيع وعندما وصل ابن السنوسي إلى الزاوية البيضاء التحق به وأخذ في خدمته بكل إخلاص فنال حظوة عند سيادته وكان يلازمه في تنقلاته داخل برقة وحج معه البيت الحرام، وحفظ القرآن وتفقه في الدين بقدر الامكان، انجب أولاداً كانوا جميعاً في خدمة الحركة السنوسية، وكان لأمر هؤلاء الأولاد دوراً بارزاً في الجهاد ضد ايطاليا، وتميزت عائلة فركاش من بين قبيلة المسامير بخدماتها الجليلة للإسلام من خلال الحركة السنوسية، وارتبطت بصلات المصاهرة مع كثير من الإخوان منهم الأشهب، المحجوب، عبدالمولى الغرياني( ).
أبوسيف مقرب: هو من أشهر بيوتات السعادي ينحدر من عائلة طامية البراعصة وفي بيته رياسة قبائل البراعصة وهو من خيرة رجال الحركة السنوسية سلمه والده طفلاً لإبن السنوسي ، وكانت تبدو عليه امارات الذكاء والنجابة، وكان من بين العمال الذين قاموا ببناء زاوية البيضاء فزلقت رجله وتصادم رأسه بالحجر فشج حتى قيل أن دماغه ظهر للعيان فجيء الى ابن السنوسي، فضمد رأسه بقطعة من عمامته قائلاً هذا الرأس سيملؤه الله علماً وحكمة) وصدقت فراسة ابن السنوسي ونبغ المصاب الذي كان اقرب الى الموت منه الى الحياة وأصبح من أبرز العلماء كما كان في طليعة أدباء الأخوان، وكان من كبار المدرسين في معهد الجغبوب توفى رحمه الله بزاوية الجوف (الكفرة) وصلى على جثمانه محمد المهدي الزعيم الثاني للحركة السنوسية وكان ذلك عام 1315هـ( ).
الحسين الحلافي - من المغرب- تولى من الأعمال مشيخة زاوية المخيلي.
المختار بن عمور - من أشراف الجزائر- كان من تلاميذ ابن السنوسي ، تولى مشيخة زاوية قفنطه.
محمد حيدر الهوني، اشتهر باجادة تلاوة القرآن ترتيلاً حتى روى عن ابن السنوسي أنه كان يقول: (ياهوني قراءتك للقرآن تقول اسمعوني).
عمر جلغاف حدوث، من زعماء قبائل برقة -أخلص للحركة السنوسية، وكان ضمن الوفد الذي ألتمس من ابن السنوسي عندما كان في الحجاز أن يرجع الى برقة، وكان ضمن مجلس الاخوان في البيضاء وأوفده ابن السنوسي لتفتيش الزوايا والقيام ببعض المهام فيها.
الفضيل أبو خريص الكزة - أحد زعماء قبائل برقة- انضم الى ابن السنوسي ، وكان حظه من التعليم قليلاً إلا أنه قام بمهمات كبيرة في السودان والحجاز والجزائر( ).
بالإضافة الى هؤلاء مجموعة طيبة من أعيان وزعماء برقة من الحضر والبادية ومن بينهم الأمين بك شتيوي متصرف بنغازي، ومحمد بك كاهية وجميع افراد اسرته، والشيخ علي القزيري ، والحاج عبدالله بن شتوان، والشيخ محمد الاسمع والحاج سالم عثمان، وكبار عائلة منينة وبن زبلح، وهؤلاء من وجهاء وعيون بنغازي أما من درنة فقد انضم إليه جميع اعيانها ورؤسائها منهم وقتذاك عائلة جبريل، وعائلة ساسي وستيته، ومن شيوخ البدو علي بك الاطيوش، والحاج محمد قادربوه، والشيخ حمد اللواطي، وابوبكر بك حدوث وعمر جلغاف وعبدالله سويحل عمدة عائلة مريم واضرابهم من الشيوخ والعمد والاعيان وعامة الاهالي هؤلاء جميعاً كانوا من انصار الحركة السنوسية انصهروا في بوتقتها، وتبنوا تعاليمها ، واصبحوا من دعاتها.
كان هؤلاء الاخوان من شتى بقاع المعمورة، فآخى بينهم ابن السنوسي وهم لم يتعارفوا قبله إذ لا صلة تربطهم غير الاسلام، فأصبحوا كجسد واحد غير قابل للتجزأة ، جاءوا من تونس، والجزائر، ومراكش والريف وسوس الاقصى، وطرابلس الغرب وباديتها وبرقة وباديتها ومصر وصعيدها والسودان والحجاز واليمن ونجد، فأصبحوا لاهم لهم إلا خدمة الاسلام( ).
رابعاً: الأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع عند ابن السنوسي:
لقد استطاع ابن السنوسي بتوفيق الله تعالى أن يجعل من الأخوان والقبائل في الصحراء الكبرى مجتمعا ًمتماسكاً، متوحداً في عقيدته وتصوراته ومنهجه، فانعكس ذلك في توادهم وتراحمهم فيما بينهم وأصبحوا كالجسد الواحد، الذي يخفق فيه قلب واحد، وتسري فيه روح واحدة ويتأثر كل عضو فيه بما يصيب بقية الأعضاء، أو هو كالجدار المتين الذي تجتمع لبناته لتشكل فيما بينها وحدة واحدة متماسكة متراصة.
قال تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} (آل عمران، آية 103).
إن طريق الوحدة والتعاون والتآخي والاجتماع على البر والتقوى الذي سلكه ابن السنوسي هو طريق أهل السنة والجماعة الذي التزموا في كافة أمورهم بما كان عليه رسول الله  وأصحابه، في العقائد والأخلاق، والعبادة، والمعاملات، وكافة شؤون الحياة، إن المنهج الذي اجتمع عليه الاخوان السنوسيون هو كتاب الله وسنة رسول الله  ، لأن ذلك طريق الاعتصام بحبل الله وهذا الأصل من آكد الأصول في هذا الدين العظيم ولذلك أمر الله تعالى ورسوله  بكل مايحفظ على المسلمين جماعتهم وألفتهم، ونهياً عن كل مايعكر صفو هذا الأمر العظيم.
إن ما حصل من فرقة بين المسلمين وتدابر وتقاطع، وتناحر بسبب عدم مراعاة هذا الأصل، وضوابطه مما ترتب عليه تفرق في الصفوف، وضعف في الاتحاد، وأصبحوا شيعاً وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون.
وهذا الأمر وإن كان مما قدره الله عز وجل كونا، ووقع كما قدر، إلا أنه سبحانه - لم يأمر به شرعاً ، فوحدة المسلمين واجتماعهم مطلب شرعي ، ومقصد عظيم من مقاصد الشريعة، بل من أهم عوامل النهوض ، ونحن مأمورون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر قال تعالى: {إن الله لا يغير مابقوم حتى يغير مابأنفسهم} (سورة الرعد، آية 11).
لقد تضافرت جهود دعاة الحركة السنوسية وقاداتها وعلمائها وطلابها لإصلاح ذات البين إصلاحاً حقيقياً لا تلفيقياً، لأن أنصاف الحلول تفسد أكثر مما تصلح، وكأنهم اعتقدوا أن : (الجهاد نوعان: جهاد يقصد به صلاح المسلمين ، وإصلاحهم في عقائدهم وأخلاقهم وآدابهم، وجميع شؤونهم الدينية والدنيوية، وفي تربيتهم العلمية، وهذا النوع هو الجهاد وقوامه، وعليه يتأسس النوع الثاني، وهو جهاد يقصد به دفع المعتدين على الاسلام والمسلمين من الكفار والمنافقين والملحدين وجميع أعداء الدين ومقاومتهم وهذا نوعان: جهاد بالحجة والبرهان واللسان، وجهاد بالسلاح المناسب في كل وقت وزمان)( ) (إن من أعظم الجهاد السعي في تحقيق هذا الأصل في تأليف قلوب المسلمين واجتماعهم على دينهم ومصالحهم الدينية والدنيوية)( ).
إن الأخذ بالأسباب نحو تأليف قلوب المسلمين وتوحيد صفهم كانت من أهداف الحركة السنوسية؛ لأن قادة الحركة ايقنوا بأهمية هذه الخطوة في إعزاز المسلمين، وتحكيم شرع ربهم، وتقوية دولتهم إن ابن السنوسي عمل على وضع منهج سار عليه علماء الحركة من أجل توحيد المجتمع على كتاب الله وسنة رسوله ولذلك اهتم بالآتي :
أ- وحدة العقيدة:
أيقن ابن السنوسي أنه لايمكن أن تقوم وحدة للمسلمين مالم تجمعهم عقيدة واحدة، وكان يعلم بأن العقيدة تشكل أساساً مهماً في البناء الفردي والاجتماعي، وهي القاعدة التي تقوم عليها الأعمال والعلاقات فإن البناء لايستقيم ، ولايستطيع أن يواجه الأعاصير والفتن حتى ينهار. وإن العقيدة تصلح لجمع شتات المسلمين هي ماكان منبعها كتاب الله وسنة رسوله  ويمكن التدليل على كل أصل من أصولها، أو جزئية من جزئياتها، ثم إن السلف الصالح الذين استقاموا على عقيدة الإسلام الحق دونوا هذه العقيدة تدويناً يميزها عن عقائد أهل الفرق والضلال( ).
إن سلامة الاعتقاد وصحته هي الطريق الوحيد لإقامة المجتمع المسلم المترابط المتآلف، ولاسبيل إلى إجتماع الأمة الإسلامية قاطبة، ووحدة صفها، وعزها وسعادتها في الدنيا والآخرة، إلا بالعودة الصحيحة إلى الإسلام الصافي النقي، الخالص من شوائب الشرك والبدع والأهواء والتعصب واتباع العوائد الفاسدة.
إن طريق النهوض بالأمة لابد فيه من وحدة الصف الإسلامي، ووحدة الصف ليس لها من سبيل إلا الإسلام الصحيح، والإسلام الصحيح مصدره القرآن الكريم والسنة النبوية، والطريق لفهم القرآن الكريم والسنة المطهرة هي طريق رسول الله  وأصحابه الكرام، والتابعون بإحسان، ومن سار على نهجهم وطريقتهم إلى يوم الدين.
قال تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } ( سورة النساء، الآية: 115).
وقال تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } ( سورة التوبة، الآية: 100).
فوعد من اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد متبعهم بالجنة والرضوان( ).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله  : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته "( ).
وعن ابن مسعود  قال: " اتبعوا ولاتبتدعوا فقد كفيتم "( ) وعنه  : " من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله  فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم "( ).
لقد اهتمت الحركة السنوسية بجانب العقيدة وكانت رسالة أبي زيد القيرواني العلمية ضمن مقررات مناهج الحركة، وتعتبر هذه الرسالة من أنفع التآليف في الفقه المالكي قاطبة، وذلك لمكانة مؤلفها العلمية من ناحية، ولسهولتها ويسرها وجمعها لأصول العقيدة والفقه والآداب من ناحية أخرى.
وهي كما وصفها مؤلفها ابن أبي زيد في مقدمتها: " جملة مختصرة من واجب أمور الديانة، مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى وطريقته، مع ماسهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرآن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ماترجى لهم بركته وتحمد لهم عاقبته"( ).
وهذا النص الكامل لمقدمة أبي زيد القيرواني في العقيدة: ( باب ماتنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات:
من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان بأن الله إله واحد لا إله غيره ولاشبيه له ولانظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة ولاشريك له. ليس لولايته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لايبلغ كنه صفته الواصفون ولايحيط بأمره المتفكرون ، يعتبر المفكرون بآياته ولايتفكرون في ماهية ذاته ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض، ولايؤده حفظهما وهو العلي العظيم .. العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير، وإنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو بكل مكان يعلمه خلق الإنسان ويعلم ماتوسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وماتسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين: على العرش استوى وعلى الملك احتوى وله الاسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع أسمائه وصفاته، تعلى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لاخلق من خلقه وتجلى للجبل فصار دكاً من جلاله، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد، والإيمان بالقدر خيره وشره.. حلوه ومره.. وكل ذلك قدرة الله ربنا ومقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لايكون من عباده قولاً ولا عمل إلا وقد قضا وسبق علمه به {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره الى ماسبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه مالا يريد أو يكون لاحد عنه عنا خالقاً لكل شيء إلا هو رب العباد ورب اعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم الباعث الرسل فيهم لاقامة حجة عليهم ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه  فجعله آخر المرسلين بشيراً ونذيراً وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيراً وأنزل عليه كتابه الحكمي وشرع بدينه القويم وهدى به الصراط المستقيم، وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون ، وان الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن الكبائر وجعل من لم يَتُب من الكبائر صائراً الى مشيئته {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء} ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخلها به جنته {ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} ويخرج منها بشفاعة النبي  من شفع له من أهل الكبائر من أمته.. وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر الى وجهه الكريم وهي التي هبط منها آدم نبيه وخليفته الى أرضه بما سبق في سابق علمه، وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته وإن الله تبارك وتعالى يجيء يوم القيامة والمـلك صفاً صفاً لعرض الأمم وحسابهم.
وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} ويؤتون صحائفهم بأعمالهم {فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ومن أوتي كتابه وراء ظهره فاولئك يصلون سعيراً}. وان الصراط حق يجوز بقدر اعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم، والإيمان بحوض رسول الله  ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويداد عنه من بدل وغير وان الايمان قول باللسان واخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون بها النقص وبها الزيادة ولايكمل قول الإيمان إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ونية إلا بموافقة السنة. وإنه لايكفر أحد بذنب من أهل القبلة، وان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة الى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاوة معذبة الى يوم الدين. وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويُسألون {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وان على العباد حفظة يكتبون اعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم وان ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله وآمنوا به ثم الذين يلونهم.
وافضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين.
وان لايذكر أحد من صحابة الرسول إلا باحسن ذكر والامساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس ان يلتمس لهم المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب، والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ماأحدثه المحدثون وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليماً كثيراً)( ).
هذه العقيدة السنية البهية كانت تدرس في مناهج الحركة السنوسية، ويتربى عليها القادة، والجنود، وكان علماء الحركة السنوسية يحاربون العقائد الفاسدة بين القبائل في الصحراء الكبرى، ويرشدون الناس الى حرمة الغلو في تقديس المشايخ الأحياء والأموات، ولا تأذن لأتباعها أن يذكروا ميتاً عند قبره بغير الدعاء له والترحم عليه( ) ويعلمون الناس أوامر القرآن والسنة الشريفة وأصول التوحيد، ويحرمون التضرع للأولياء، ويربون الناس على أن يكون التعبد لله وحده( ) كانت بعض القبائل في الصحراء الكبرى وافريقيا قد انحرفت عن عقيدتها الصحيحة، فجاء إليهم علماء الحركة السنوسية يبينون لهم عقيدتهم ويتلون عليهم آيات الله التي تبين أن النافع والضار هو الله وحده ويفسرون لهم ذلك كقوله تعالى {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك من الظالمين} (سورة يونس، آية 106).
وقال تعالى {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} (سورة يونس، آية 107).
وقال تعالى : {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لايستجيب له الى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين} (سورة الاحقاف: آية 46).
وقال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أأله مع الله} (سورة النمل، آية 62).
كما قامت الحركة السنوسية بمحاربة عقائد الصوفية المنحرفة، كالاتحاد، ووحدة الوجود، والحلول؛ إن عقيدة الاتحاد من عقائد الصوفية الفاسدة المتأثرة بالنصرانية المنحرفة، والديانة الهندية القديمة، ومعنى ذلك أن المخلوق يتحد بالخالق تعالى الله عن قولهم علواً عظيماً قال تعالى: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير} (سورة الانعام، آية 102،103).
أما وحدة الوجود، فإنهم يعتقدون أن كل شيء في الوجود هوالاله سواء كان حيواناً أو جماداً، أو انساناً أو غير ذلك ، وهي عقيدة فاسدة مضمحلة لا أساس لها من عقل ولا شرع ولكنها من وحي الشيطان، إن الحركة السنوسية حاربت هذا المعتقد الفاسد الباطل، وسارت على مذهب أهل السنة والجماعة الذي يقول بأن الله سبحانه بائن من خلقه لايشبهه شيء من مخلوقاته متصف بصفات الكمال فله الأسماء الحسنى والصفات العلى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فهو المتفرد بالجلال المتصف بصفات الكمال المنزه عن النقائص والعيوب فمن اعتقد أن الله سبحانه تعالى متحد بمخلوقاته وأن العبد عين الرب، والرب عين العبد فقد كفر بما أنزل على محمد  وخالف الفطر والشرائع وقد كفّر الله تعالى النصارى الذين قالوا: إن الله اتحد بعيسى عليه السلام فقال سبحانه : {لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح ابن مريم}، فكيف بمن يقول إن الله متحد مع جميع مخلوقاته فهو أولى بأن يكون كافراً لأنه يعتقد إن الله متحد بجميع ما في هذا الكون( ).
إن عقيدة وحدة الوجود عقيدة إلحادية بحته ليست من الاسلام في شيء، وأن علماء الحركة السنوسية، وقفوا ضدها بكل حزم وعزم قال تعالى:{قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} (سورة الاخلاص، آية 3).
وحاربت الحركة السنوسية عقيدة الحلول التي تقول بأن الله يحل في الاشخاص تعالى الله عن قول الحلوليين علواً كبيراً.
(والحقيقة أن القول بالاتحاد بين الخالق والمخلوق يأباه العقل الذي سلم من الشبهات ويدل دلالة واضحة على أنها باطلة لأن أي إنسان تسمح له نفسه أن يدعي بأنه دخل به الإله وصار مع الله وحدة واحدة ولايمكن أن يخرج مثل هذا الادعاء الباطل من انسان له عقل سليم أو به ذرة من ايمان)( ).
لقد حاربت الحركة السنوسية العقائد الفاسدة، ودعت الى العقائد الصحيحة، لتجتمع القبائل والشعوب الاسلامية عليها ، كما حرصت على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله على نفسها، ودعت غيرها بالالتزام بذلك.
ب- تحكيم الكتاب والسنة:
أيقن ابن السنوسي وأخوانه من العلماء أن المسلمين لايكون لهم شأن، ولا عز، ولا نصر، ولا فلاح في الدنيا، ولا نجاة في الآخرة، إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ، على مستوى الافراد، والأسر، والجماعات، والقبائل، ومن ثم على مستوى الدولة.
واسترشد ابن السنوسي فيما ذهب إليه بقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً} (سورة النساء، آية 59).
وبقوله  في حجة الوداع: (يا أيها الناس: إني تركت فيكم ما أن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنتي)( ).
إن ابن السنوسي حرص على تحكيم شرع الله تعالى على نفسه واسرته ، ومجتمعه، وكان يرى أن ذلك خطوة اصيلة نحو وحدة الأمة واقترابها من نصر الله تعالى، وأن للتحاكم الى كتاب الله وسنة رسوله ؛ آثار دنيوية، كالاستخلاف، والتمكين ، والأمن والاستقرار، والنصر والفتح، والعز والشرف، وبركة العيش ورغد الحياة، والهداية والتثبيت ، وانتشار الفضائل، وانزواء الرذائل، وأما الآثار الأخروية؛ كالمغفرة، وتكفير السيئات ، والثواب العظيم عند الله تعالى، والحياة الحقة الدائمة وعلو المنزلة ومعية التكريم، وإليك هذه الرسالة التي ارسلها ابن السنوسي الى أهل وجنقة في تشاد لتدلنا على ماذهبنا إليه. قال -رحمه الله- بعد البسملة: (إنه من عبد ربه سبحانه محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي. الى المكرم الأجل العمدة الأفضل الفقيه النبيه ولدنا الشيخ فرج الجنقاوي وكافة جماعة بلد وجنقة كبيراً وصغيراً ذكر وأنثى سلم الله جميعهم وأنالهم من خير الدارين مرامهم آمين السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وتحياته ومغفرته ومرضاته وبعد فالقصد المطلوب والأمر المرغوب هو السؤال عنكم وعن كلية أحوالكم جعلها الله جارية على منهاج كتابه وسنة نبيه محمد  وشرف وكرم وعظم، وثانياً فإنا ندعوكم بدعاية الاسلام من طاعة الله ورسوله، قال تعالى في كتابه العزيز: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} وقال تعالى {من يطع الرسول فقد أطاع الله}. وقال تعالى: {من يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} والطاعة هي امتثال أمر الله ورسوله من إقامة الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان، وأداء زكاة الأموال، وحج بيت الله الحرام، واجتناب مانهى الله عنه من الكذب والغيبة والنميمة وأكل أموال الناس بالباطل وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق. وشهادة الزور، وغير ذلك مما حرم الله ورسوله فبذلك تنالون الخير الأبدي والربح السرمدي الذي لايعتريه خسران ولا يحوم حول حماه حرمان، وقد طلب منا أناس من ذلك الطرق أن نبعث معهم بعض إخواننا يذكرون عباد الله ويعلموهم مافرض الله ورسوله عليهم، ويهدوهم الى سبيل الرشاد، وعزمنا على ذلك لكون هذه الوظيفة هي التي أقامنا الله عليها، ننبه الغافل، ونعلم الجاهل، ونرشد الضال. ولكن نحن الآن بالحرمين الشريفين، وعندما قدمنا لهذه النواحي اشتغلنا بدلالة العباد الى الله، ومارأينا أحداً من ناحيتكم حتى نوجه معه من يعلم الناس دينهم الذي ارتضاه، والآن فإن أتباعنا -جماعة زوية- الذين هم أهل تزور (موقع) المعلومة عندكم قدموا إلينا وتابوا على أيدينا وطلبوا منا بناء زاوية بموقع تزر المذكورة. وقصدنا في ذلك مجاورتكم وتعليمكم أنتم وأبناءكم كتاب الله وسنة نبيه محمد  وإصلاح ذات البين. بينكم وبين هؤلاء العربان الذين يغيرون عليكم ويأخذون أبناءكم وأموالكم عاملين بقوله تعالى : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ذات بينكم} {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين}. وبقوله تعالى : { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً}. فبذلك يحصل التعاون على البر والتقوىكما أمر الله بذلك في قوله : {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان}. وبقوله : (كونوا عباد الله إخوانا وعلى الدين أعوانا) وأما الفتنة والمنازعة لاخير فيها بل لقد نهى الله عنها في كتابه العزيز بقوله : {ولا تنازعو فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين}، وإن شاء الله إذا امتثلتم أمرنا وتبعتم نصيحتنا فسيقدم عليكم بعض أبنائنا يعلمون أبناءكم كتاب الله ، ويعلمون رجالكم سنة رسول الله  ولاتخافون بعد ذلك إن شاء الله من أحد، وترون فضل الله ورحمته ماليس عليه من مزيد. وبلغوا سلامنا وكتابنا هذا الى كل من حولكم ممن يريد طاعة الله ورسوله وأتباع الكتاب والسنة، وربنا تبارك وتعالى يجعلكم هادين مهديين دالين على الخير وبه عاملين بمنه وكرمه آمين. ودمتم بخير عافية . ونعم متواترة ضافية)( ).
وهذه الرسالة تعطينا منهجية ابن السنوسي في دعوته واسلوب عرضه، وطريقة خطابه، وجزالة ألفاظه، ورعة بيانه.
ج- صدق الانتماء الى الاسلام:
أيقن ابن السنوسي أن من أسباب جمع صفوف الأمة وتحقيق الوحدة بينها الدعوة الى الالتزام بالاسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، والاعتزاز بالانتساب الى هذا الدين ، ونبذكل مايخلفه ويضاده.
لقد تربى اتباع السنوسية على أن الاسلام منهج للحياة، والعبودية لله معلم كبير في حياة المسلم، والمسلمون، وفق هذا المنهج والفهم يشكلون أمة واحدة في مقابلة التجمعات البشرية ، ولقد تربى أتباع السنوسية على الاعتزاز بالانتساب الى الاسلام: {ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} (سورة فصلت:آية 33).
لقد كان الأنتماء الى الاسلام في التربية السنوسية فوق الانتماء للأوطان، والأقوام، والنعرات الجاهلية،.
د- طلب الحق والتحري في ذلك:
إن هذا الأصل العظيم ألا وهو طلب الحق والتحري للوصول إليه، يقوي وحدة صف العاملين لتحكيم شرع الله ، وهي من أهم سمات الربانيين الذين صفت نفوسهم وتطهرت قلوبهم بكتاب الله وسنة رسوله . إن الله تعالى في كتابه الكريم، يبين أنه لاتوجد منزلة ثالثة بين الحق والباطل، فقال سبحانه وتعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (سورة يونس، آية 32).
قال القرطبي -رحمه الله- : ("قال علماؤنا" : حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، وكذلك هو الأمر في نظائرها ، وهي مسائل الأصول فإن الحق فيها في طرف واحد)( ).
ولذلك نجد ابن السنوسي وهو المالكي المذهب والثقافة يخالف مذهب مالك في بعض المسائل عندما تبين له أن الحق خلاف مذهب الامام مالك، فكان يقبض في صلاته، ويقنت بعد الركوع، ويقصر في الصلاة اثناء السفر...الخ وقد حذا اتباعه حذوه وهذا يدلنا على تحري ابن السنوسي واتباعه للدليل الشرعي والتمسك به، ونقد كثيراً من آراء التصوف المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ، وكانت وسائل الوصول الى الحق، تقوى الله، والتجرد والاخلاص.
هـ- تحقيق الأخوة بين أفراد المجتع:
أيقن ابن السنوسي أن بتحقيق الأخوة بين القبائل، واتباع الحركة، تتحقق وحدة الصف ، وقوة التلاحم، ومتانة التماسك بين أفراد الحركة، كما كان على علم بأن الأخوة منحة من الله عز وجل، يعطيها الله للمخلصين من عباده والأصفياء والأتقياء من أوليائه وجنده وحزبه قال تعالى : {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (سورة الانفال: آية 62-63).
إن الأخوة في الله بين اتباع الحركة السنوسية أورثتهم شعوراً عميقاً، وعاطفة صادقة، ومحبة ووداً واحتراماً فيما بينهم قال تعالى : {إنما المؤمنون إخوة} (الحجرات ، آية 10).
إن الأخوة في الله ملازمة للإيمان ، ولايذوق حلاوة الايمان إلا من أشرب هذه الأخوة ولذلك حرص عليها السنوسيون واتباعهم قال رسول الله : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وان يحب المرء لايحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)( ).
لقد حرص السنوسيون أن يطبقوا تلك الصورة الجميلة لأصحاب رسول الله  ، قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوهم من أثر السجود} (سورة الفتح، آية 29).
إن الأخوة في الله من أهم الاسباب التي جعلت الحركة السنوسية تصمد في وجه أعتى المحن التي تعرضت لها.

الفصل الثاني
البعد التنظيمي، والمنهج التربوي،
والبعد السياسي عند ابن السنوسي

المبحث الأول
البعد التنظيمي عند ابن السنوسي

إن البعد التنظيمي يظهر في شخصية محمد بن علي السنوسي في بناء الزوايا التي يتربى فيها اتباعه والمنهج التربوي الذي سار عليه، فأما الزوايا فهي ركيزة نظام الحركة السنوسية وهي التطبيق العملي لأفكار ابن السنوسي التي دعا إليها.
إن نظام الزوايا ، كان معروفاً في العالم الاسلامي، والشمال الأفريقي خصوصاً كلمة الزاوية تطلق عند الطرق الصوفية على مكان يختلي فيه أتباع الطريقة والقائمون عليها بأنفسهم ويتقربون الى الله بالعبادة ليلاً ونهاراً منقطعين عن الناس وعن الحياة مكتفين بكفالة الناس لهم، على يد رجال القوافل الذين يضربون في الطرق الصحراوية ، وينزلون بهذه الزوايا التي غالباً ماكانت مواقعها في أماكن خلوية بعيدة عن العمران ، أو ما يوقف على الزاوية من أوقاف يحبسها مشايخ القبائل المجاورة للزواية تقرباً الى علمائها المشرفين على طريقتها الصوفية.
أما الزوايا السنوسية فهي تختلف عن غيرها من الزوايا الأخرى من حيث الشكل والمضمون أي من حيث مواقعها وبنائها، ومن حيث تنظيمها ورسالتها( ) لقد استطاع ابن السنوسي بعقليته التنظيمية أن يطور مفهوم الزوايا بحيث أصبحت تمثل النواة الأولى لمجتمع تحكمه سلطة وعليه واجبات؛ اجتماعية واقتصادية وسياسية ودعوية ، وجهادية وقد تحدث ابن السنوسي في إحدى رسائله عن الزاوية فقال: (والزاوية في الحقيقة إنما هي بيت من بيوت الله ومسجد من مساجده ... والزاوية إذا حلت بمحل نزلت فيه الرحمة وتعمر بها البلاد ويحصل بها النفع لأهل الحاضرة والباد، لأنها ما أسست إلا لقراءة القرآن ولنشر شريعة أفضل ولد عدنان)( ).
وقال في رسالة أخرى: (وأما نحن فقد ألفنا ما أعتدناه ورضيت به نفوسنا فنريد أن تكون تلك العمارة مستمرة ونفوس سكانها مستقرة ليحصل المقصود منه (يعني الزاوية) ويدوم، من تعلم العلم وتعلميه ، وإقراء القرآن وتفهيمه ، إقامة شعائر الدين للوافدين عليها والمقيمين بها)( ). وقال في رسالة ثالثة: (رتبنا لكل واحدة خليفة يقوم فيها بما ذكر من الجمعة، وتعليم القرآن ودرس العلم ودلالة الخلق على دينهم وعودتهم الى ربهم .. وبذلك تبتهج الأرض حولها بأنواع الأشجار ويكثر بها السكان لكثرة الثمار وتنتشر العمارة وتتسع الإدارة)( ).
لقد استطاع ابن السنوسي أن يؤسس تنظيماً هرمياً للحركة فكان تشكيله كالآتي:
شيخ الطريقة او رئيس النظام وهو الرئيس الأعلى لها.
مجلس الأخوان (الشورى) ، ومهمته مساعدة شيخ الحركة في تعيين شيوخ الزوايا.
شيوخ الزوايا.
الاخوان ومهمتهم كسب الاعضاء العاديين الى الحركة( ) كما أصبحت في أواخر حياة ابن السنوسي زاوية الجغبوب تمثل عاصمة الحركة، وجعل في البناء التنظيمي في الحركة زوايا رئيسية أو زوايا عليا، يراسها شيوخ الحركة السنوسية الكبار، كزاوية أبي قبيس بمكة، وزاوية البيضاء، وزاوية درنة، وزاوية بنغازي ، وكان لها الأشراف على ماحولها من الزوايا، كما كانت مجالس الدرس فيها أعلى مستوى وأكثر تنوعاً واستجابة للحاجات الدينية والعقلية( ).
استطاع ابن السنوسي أن يربط بين جميع زوايا الحركة برباط متين من المخابرات والمخاطبات ولجان التفتيش، وفق نظام دقيق تلتقى أسبابه عند الزاوية الكبرى المركزية، وكانت تلك الزوايا قد انتشرت في تونس والجزائر وبرقة ومصر والحجاز واليمن، والسودان الغربي (تشاد) ، وكانت تقارير هذه البلاد ترد أولاً الى بنغازي ثم ترسل الى الجغبوب بواسطة الهجن وبسرعة عظيمة( ).
وكانت العقلية التنظيمية عند ابن السنوسي تهتم بالتخطيط السليم، والادارة الناجحة، وكان تخطيطه يعتمد على تحفيزه لاتباعه والاستعداد لما سيواجههم في المستقبل وكان فهمه لقوله تعالى {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} (سورة القصص، آية 77). وقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل...) (سورة الانفال، آية 60). جعلت من الزوايا خلايا حية تمتد منها الحياة الصالحة الى سائر جسم الأمة الاسلامية، فأصبحت مراكز تربية وتهذيب وتعليم، وإيقاظ للعاطفة الدينية السليمة، وتوجيه الحياة العاملة توجيهاً سديداً؛ فأصبحت مراكز إصلاح إنساني متكامل ، من الناحية الدينية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية( ).
إن البناء التنظيمي للزوايا في الحركة السنوسية يدلنا على أن ابن السنوسي استفاد من سنة الأخذ بالاسباب استفادة كبيرة، وكان مقتنعاً بأن نهوض الأمة يستلزم من العاملين من اجل هذا الهدف أن يستوعبوا سنة الأسباب، وأن يحسنوا التعامل معها، بحيث يستطيعوا أن ينزلوها على أرض الواقع.
إن مفهوم التوكل عند ابن السنوسي ، يعني الأخذ بالأسباب المادية المتاحة مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى، ولذلك استطاع أن يبني البناء التنظيمي البديع المتين، وفق أسس ونظم رائعة وإليك تفصيلها:
أولاً: الأسلوب الذي تبنى به الزاوية:
تبنى الزاوية بالاتفاق بين أحد القبائل التي ترغب في بنائها مع ابن السنوسي ويكون البناء وفق الاسلوب الآتي:
تبنى الزاوية في قطعة من الأرض المختارة بالاتفاق مع القبيلة التي تملك الناحية ومع ممثل ابن السنوسي أو ابن السنوسي نفسه.
يعين ابن السنوسي لهذه الزاوية رئيساً يلقب بـ(الشيخ) اذا كانت الزاوية قد بنيت، وان لم تكن فيختط الشيخ زاويته في الموضع المتفق عليه وتكون ارضها وقفاً ، وعادة تكون على ربوة عالية تشرف على ماحولها ويتوخى فيها المناخ الصحي( ).
تكون تكاليف بناء مسكن الشيخ والمسجد والمدرسة من الأهالي.
للزاوية حرم كبير يحيط بها من الجهات الاربع؛ يكون آمناً لمن دخله واستجار به ، ولا يجوز أن يطلق داخله الرصاص، أو يشهر السلاح، وكذلك المشاجرة وإعلاء الصوت بالغناء أو الخصام، كما يمنع فيه رعاية الحيوانات( ).
من المألوف أن يرسل ابن السنوسي عدداً من (الأخوان) بينهم من يشتغل بالبناء والعمارة والتجارة وكل المهارات التي تحتاج إليها القبيلة في تشييد الزاوية( )، ومن الطبيعي أن يستغرق البناء وقتاً يطول أكثر من العام ومن ثم يهتم الشيخ ورجال القبيلة ببناء المسجد أولاً ثم دار لاقامة الشيخ وأسرته، ويتبع ذلك استكمال بقية البناء لتشمل الزاوية في النهاية بيوتاً لوكيل الزاوية ومعلم الاطفال ومساكن للضيوف والخدم ومخزناً لحفظ المؤن واسطبل وبستان ومتجر على الأقل وحجرة خاصة بالفقراء الذين لا عائل ولا مأوى لهم، وفرن لسد حاجة السكان بالخبز( )، وتقوم حولها مبانٍ أخرى يقوم بإنشائها أغنياء الأهالي ليأووا إليها في موسم الصيف، ويكون لها متسع من الأراضي الزراعية والآبار الجوفية والصهاريج لحفظ الماء( ).
ثانياً: مواقع الزوايا:
تميزت مواقع الزوايا، بصفات سياسية وتجارية، وعسكرية؛ فمن الناحية السياسية نجد الزوايا تنتشر في الدواخل أكثر من انتشارها في السواحل، وذلك راجع الى حرص ابن السنوسي عن الابتعاد عن نفوذ السلطة الحكومية، ولذلك فضل ابن السنوسي أن يتوغل بزواياه في الصحراء، وحرص على أن يوضع غرضه الدعوي من بناء الزوايا لسلطات الحكم العثماني في ليبيا تفادياً للصدام بها، فكتب الى مصطفى باشا حاكم فزان عند بناء زاوية هناك : (أن الزاوية في الحقيقة إنما هي بيت من بيوت الله ومسجد من مساجده، والزاوية اذا حلت بمحل نزلت فيه الرحمة، وتعمر بها البلاد ويحصل بها النفع لأهل الحاضرة والبادية لأنها ما أسست إلا لقراءة القرآن ، ولنشر شريعة أفضل ولد عدنان)( ). وأوضح نفس الغرض الديني للزاوية للمشير محمد أمين باشا والي طرابلس الغرب العثماني فقال: (وأما نحن فقد ألفنا ما اعتدناه ورضيت به نفوسنا فنريد بذلك أن تكون تلك العمارة مستمرة ونفوس سكانها مستقرة، ليحصل المقصود منها ويدوم من تعلم العلم وتعلميه واقراء القرآن وتفهيمه، واقامة شعائر الدين للوافدين عليها والمقمين بها)( ).
والى جانب الأهمية السياسية لمواقع الزوايا ، فقد كانت لهذه المواقع أهمية تجارية واقتصادية بصفة عامة، فقد أقيمت معظم الزوايا في طريق تجارة القوافل ، وكان هناك ثلاثة طرق رئيسية في الأراضي الليبية الطريق الأول للقوافل يتجه جنوباً من الساحل الليبي عبر واحة فزان الى بحيرة تشاد، والطريق الثاني ينعطف جنوباً غرباً عبر غدامس وغات الى تمبكتو، والطريق الثالث يسير جنوباً شرقاً عبر واحة الجفرة ثم سواكن وزيلا الى واداي ودارفور الغني بخصبه وثروته، والمتتبع لمواقع هذه الزوايا في الأراضي الليبية مثلاً يلاحظ ارتباطها بطرق قوافل التجارة مما جعل ابن السنوسي يستخدم زواياه والقبائل التي توجد الزوايا في أراضيها لاستغلال التجارة وتنشيطها، مما كان له أثر كبير في تحريك عجلة البلاد الاقتصادية، بسبب دور الزوايا في تشجيع تجارة القوافل التي كانت تعتبر حتى بداية القرن العشرين مورداً هاماً في حياة البلاد الاقتصادية ( )،زد على ذلك الاهتمام بالزراعة الذي حث عليه ابن السنوسي أهل القبيلة أو القبائل الواقعة في أراضيها الزاوية أو الزوايا( ).
ولاتقل الأهمية العسكرية لمواقع الزوايا عن الأهميتين السياسية والاقتصادية فقد وجدنا معظم الزوايا تقام على مناطق مرتفعة حصينة حتى يمكن للإخوان السنوسية الدفاع عنها ضد المغيرين من الداخل أو الأعداء من الخارج ومن ثم بنيت الكثير من الزوايا على أنقاض الأطلال الاغريقية والرومانية فيما مضى والعثمانيين فيما بعد. من الضروري بناء محطات وقرى لتثبيت سيادتهم بصد الهجمات التي تقوم بها القبائل المتوغلة في الصحراء، هذا إلى جانب أن ابن السنوسي اتبع في إنشاء الزوايا نظاماً خاصاً يدل على الأهمية العسكرية للمواقع التي اختارها للزوايا، فبدأ من مواقع على شاطئ البحر المتوسط وبنى بهذه المواقع الحصينة زوايا تبعد كل زاوية عن التي تجاورها مسافة ست ساعات، ثم أنشأ خلفها زوايا مقابلة لها تبعد كل منها عن الأخرى المسافة نفسها، حتى إذا هوجمت الزوايا الأمامية التي بالشاطئ استطاع الأخوان وأهل الزواية أن ينتقلوا بسهولة إلى الزوايا الخلفية( )، وبمعنى آخر استطاع ابن السنوسي أن يقيم من الزوايا خطوط دفاع متتالية تساند الخط الثاني الخط الأول، ويساند الخط الثالث الخط الثاني، وهكذا، وكل هذا تم بدون أن يثير ابن السنوسي ثائرة أو شكوك الحكومة العثمانية( ).
يقول بريتشارد: ( إن من درس توزيع الزوايا السنوسية في برقة يلاحظ أنها أقيمت وفق خطة سياسية اقتصادية، فقد بنى عدد كبير منها على منشآت يونانية ورومانية، وأسست على طرق القوافل الهامة وفي مواقع دفاعية قوية)( ).
وقال شكيب أرسلان: ( وأغلب هذه الزوايا مختار لها أجمل البقع وأخصب الأرضين وفيها الآبار التي لاتنـزح من كثرة مائها، وفي الجبل الأخضر هي بجانب عيون جارية وأنهار صافية، وقلّ أن مررت بزاوية ليس لها بستان أو بستانين، فيها من كل أنواع الفواكه )( ).
ثالثاً: وظائف الزاوية:
كانت الأعمال التي تقوم بها الزوايا كالآتي:
1- التنفيذ العملي لأحكام ومبادئ الحكم الشرعي بين المواطنين، والتربية الدينية والخلقية للأتباع والإخوان واعداد الدعاة.
2- الدعوة الى الالتزام بالفضائل وتجنب الرذائل والقدوة الحسنة التي وجدها الناس في شيوخ الزوايا.
3- الإهتمام بدعوة الشعوب الوثنية وهذه وظيفة الزوايا المتغلغلة في الصحراء الكبرى والتي وصلت في قلب افريقيا الغربية والسودان ولقد اهتدت هذه القبائل الى الإسلام طائعة مختارة.
4- تنقية الإسلام مما علق به على يد الغلاة من المتصوفة من بدع وتعاليم تبعده عن سماحة عقيدته، وأصوله المحكمة.
5- قامت بدور تعليمي، فقد كانت أشبه بالمراكز الإسلامية المنتشرة في العالم، وكانت الزاوية تمثل مدرسة قرآنية لتحفيظ الأطفال القرآن الكريم ومبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية، ومن يتميز من الأطفال يلتحق بعاصمة الزوايا سواء كانت البيضاء أو الجغبوب التي صارت مناخ العلوم ومنبع القرآن الكريم، والتي حوت مكتبتها على ثمانية آلاف مجلد من تفاسير وأحاديث وأصول وتوحيد وفقه وغير ذلك من العلوم المعقولة والعلوم الطبيعية( ).
وكانت المناهج التربوية في الزوايا تشتمل على جميع العلوم الإسلامية من تفسير، وحديث، وفقه، وأصول الفقه، والفرائض، والتصوف، والتوحيد والنحو والصرف والبلاغة والأدب وغيرها.
6- كانت الزوايا تدرب تلاميذها على اتقان الحرف والصناعات، مثل صناعة البارود والأسلحة.
7- قامت الزوايا بدور اجتماعي مهم، ألا وهو ماضمنته القبائل من أمن وطمأنينة ومصالحة بين القبائل، وتشجيعها على الاستقرار، إذ بحكم استقرار هذه الزوايا اضطرت كل قبيلة أن تحافظ على صلتها الدائمة بزاويتها الخاصة بها، وقد اقتضى منها هذا الموقف عدم البعد عنها حتى يسهل لها الاتصال بها كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وبمرور الزمن تعودت القبيلة نوعاً من حياة الاستقرار والاقامة بعد أن كانت لاتعرف لذلك سبيلا.
8- شجعت الزوايا الحركة التجارية والزراعية، وعمرت الطرق بالقوافل المحملة بالمواد والسلع، وكانت تقوم بتقديم مساعدات وتسهيلات لإراحة المسافرين التجار، مما شجع على التبادل التجاري بين منتجات الزاوية وبين ماتحمله القوافل من سلع لاتتوفر في أرض الزاوية.
9- قامت الزوايا بدورها الجهادي في مواجهة الغزو الفرنسي المتقدم وسط افريقيا وفي الكفاح ضد الاحتلال الايطالي في ليبيا، ولولا الله ثم استعداد الزوايا الجهادي لما استطاع الليبيون أن يصمدوا ضد ايطاليا أكثر من عشرين سنة( ).
رابعاً: السلطة في الزاوية:
تتألف السلطة في الزاوية من شيخ الزاوية وهو المسؤول الأول ومن مجلس يضم وكيل الزاوية وشيوخ وأعيان القبيلة المرتبطة بها ووجهاء المهاجرين، ومهمة هذا المجلس هي النظر في مشاكل الأهالي وفض المنازعات، وشيخ الزاوية
يطلق عليه اسم المقدم - وهو كما يقول أرسلان ( القيم على الزاوية الذي يتولى أمور القبيلة ويفصل الخصومات ويبلغ الأوامر الصادرة من رئيس النظام، ويليه وكيل الدخل والخرج واليه النظر في زراعة الأراضي وجميع الأمور الاقتصادية، وبالاضافة إلى هذين هناك الشيخ الذي يقيم الصلاة في مسجد الزاوية ويعلم أطفال القبيلة ويعقد فيها عقود النكاح ويصلي على الجنائز )( ).
ولايخطب هذا الشيخ الجمعة لأنها من مهام شيخ الزاوية ( مقدمها ) ومن مهام شيخ الزاوية التي ذكرها بريتشارد ( هو الذي يمثل رئيس النظام، ويقود رجال القبيلة في الجهاد، ويصل بين القبيلة ورجال الإدارة العثمانيين، ويقوم بضيافة المسافرين ويشرف على حصاد الزرع ويؤم صلاة الجمعة ويساعد في الوعظ والتعليم )( ).
خامساً: طريقة فض المنازعات في الزاوية:
يتخذ رئيس الزاوية مجلساً من الشيوخ والأعيان، فيدرسون القضية من كل وجوهها، فما كان يفض منها بطريقة شرعية يصدر رئيس الزاوية التي يتولى فيها منصب القضاء الحكم في القضية، وما كان يفض بطريقة التقاليد المتبعة والعادات فيحسم أيضاً بذلك، ومنها ما يفض بطريقة الصلح فيتفق المجلس على مايجب اجراؤه ويصبح الأمر نافذ المفعول. وكل مشكلة عويصة تحدث بين القبائل ويخشى بسببها وقوع الفتن، والفساد يتعاون رئيس الزاوية بشيوخ القبائل وأعيانها ورؤساء الزوايا أو الزاوية المتاخمة له ويضرب لذلك موعد يحدد زمانه ومكانه وهناك يحسم بدون عناء، وما صعب من ذلك وتشعبت المداولة فيه، والأخذ والرد بين رؤساء الزاوية والشيوخ يرفع إلى الجغبوب حيث يصدر القرار النهائي( ).
وقد عثر المؤرخ احمد الدجاني على وثيقة بتاريخ 9 رجب 1297هـ تتحدث عن خصام وقع بين أهالي هون وسوكنه استطاعت زاوية هون السنوسية أن تزيل الأشكال، والوثيقة مقدمة من ثمانية عشر رجلاً من أعيان هون إلى متصرف فزان يخبرونه بانتهاء الخلاف( ).
سادساً: أراضي الزاوية:
كانت أراضي الزاوية موقوفة عليها فلا تباع ولاتشترى وتبقى مرتبطة بالزاوية. ويتم وقفها عادة بعد امتلاكها الذي يكون عن طرق مختلفة، منها الهبة والتبرع ومنها الشراء ومنها احياء الأراضي البور، وإصلاح الآبار الخربة، ومنها نزعُ المواقع المتنازع عليها بين الأفراد والجماعات برضا المتخاصمين وتحويلها للزاوية( ) وقد ذكر المؤرخ الدجاني احدى الرسائل التاريخية تبين كيف تتحول الأرض المحيطة بالزاوية إلى وقف. والوثيقة هي عبارة عن رسالة بعث بها أحد الإخوان إلى أحد علماء طرابلس يحدثه فيها عن بعض مسائل تتعلق بالحركة، ويرد فيها " وأيضاً نخبركم أنه في محل ببرقة يقال له أجدابية قصرين معلومات، والعرب الذين بجوار ذلك هم المغاربة وزوية راغبين في الاستاذ أن ينشئ لهم زاوية هناك، وكتبوا حجج في إعطاء تلك الأرض ومهدوا إلى كل المشايخ وأرسلوا منهم واحد مخصوص إلى حضرات جنابة رضي الله عنه ( يعني ابن السنوسي )( ) والقصد لايتعدى على الأرض، وتاريخ الرسالة 15 محرم 1276م أي قبل وفاة ابن السنوسي بشهر، فالأرض في هذه المثل أعطيت للزاوية هبة وتبرعاً من مشايخ القبيلتين ثم صدر فيها مرسوم بتحويلها إلى وقف( ). وكانت مساحة أراضي الزاوية كبيرة نسبياً وتصل أحياناً إلى "2500" هكتار بعضها مزروع والبعض الآخر يترك للرعي. وقد ذكر ريتشارد أن مجموع أراضي الزاوية في برقة يبلغ نصف مليون هكتار( ).
ويقوم بزراعة الأرض سكان الزاوية تحت إشراف شيخها ويساعدهم في الزرع والحصاد رجال القبيلة، وقد ذكر شكيب أرسلان أن من عادة سكان الزوايا أن يتبرع كل فرد من أفراد القبيلة بحراثة يوم وحصاد يوم ودراسة يوم في أرض الزاوية، ولذلك يسهل العمران بدون نفقة كبيرة( ).
وكانت الزوايا مختلفة من حيث الكبر وعدد السكان، وذلك بحسب أهميتها، وكان يبلغ عدد السكان في أصغر الزوايا حوالي الخمسين بما في ذلك الأطفال والنساء، ويصل العدد في زوايا أخرى إلى المئة، أما الزوايا الكبيرة، كالجغبوب فيتجاوز الألف، ولم تكن "الزاوية" مقصورة في تنظيماتها على هذا العدد من سكانها وإنما على القبيلة التي تقيم في منطقتها، فسلطاتها تسيَّر شؤون أفراد القبيلة الذي يبلغ عددهم أضعاف عدد سكان الزاوية( ).
سابعاً: موارد الزاوية:
تتكون موارد الزاوية المالية من الزراعة وتربية المواشي والهبات الخيرية والزكاة الشرعية( ). وقد كانت الهبات الخيرية تقدّم من أهالي القبيلة. كما كانت الزاوية تجبي الزكاة من القبيلة رسمياً، بعد أن أعفت السلطات العثمانية الزوايا من الضرائب، وأعطت لها حق جباية الزكاة، وكانت "الزاوية" تنفق بعض هذه الموارد على احتياجاتها وفق نظام معروف فيها، أما مايتبقى فيبعث إلى المركز الرئيسي حيث يتصرف فيه رئيس النظام( ).
ثامناً: التعليمات الخاصة بنظام الزوايا:
كانت هناك تعليمات وأعراف وعادات تلتزم الزوايا بتطبيقها، ومن ذلك ماذكره الأشهب من أن شيخ الزاوية لايتزوج إلا بعد استشارة رئيس النظام وأخذ موافقته وتكون الزاوية ملزمة بنفقات هذا الزواج والإنفاق على الزوجة وأولادها. أما في حالة ما إذا تزوج الشيخ بأخرى فنفقات ذلك على حسابه الخاص، كذلك حدد بدقة مايأخذه شيخ الزاوية سنوياً:
1- يتألف كساء شيخ الزاوية سنوياً من عشر بدل وتتكون البدلة من (قميص وسروال وغطاء الرأس وحذاء ) شريطة أن لايكون منها حرير أو جوخ، وكذلك حرامين صيفي ومثلهما شتوي وبرنس، ولشيخ الزاوية الحق في شراء سلاحه وفرسه الخاصين به من أجود الأنواع وله أيضاً مهر ونفقات زوجة واحدة، وإذا ما أراد أن يتزوج مثنى أو ثلاث أو رباع فيكون ذلك على نفقته الخاصة.
2- لشيخ الزاوية الحق في تعيين معلم الصبيان والمنادي للصلاة (المؤذن) وعدد من الخدم والعمال حسب مقتضيات الضرورة وتكون نفقاتهم وأجورهم من موارد الزاوية.
3- من واجبات شيخ الزاوية إحضار الطعام الكافئ لعشرة أشخاص يومياً في موعدي الغذاء والعشاء وذلك باسم الضيوف المحتمل مجيئهم للزاوية، فإن نقص هذا العدد فعلى شيخ الزاوية أن يكمل العدد من الفقراء ومجاوري الزاوية، وإذا تجاوز الضيوف هذا العدد فعليه إحضار مايكفي في وقته، ولايتجاوز الطعام نوعاً واحداً إلا في الحالات الخاصة.
4- إذا تجاوز عدد الضيوف خمسة أشخاص ورأى الشيخ أن ينحر لهم فله ذلك.
5- لشيخ الزاوية الحق في أن يختص بالعشر من محصولات الزاوية وذلك للإنفاق منها في حالاته الخاصة، وفيما يترتب عليه لأقاربه الذين لاحق لهم من موارد الزاوية.
6- على الشيخ أن يحتفظ بما يكفي لنفقاتها سنوياً من مجموع الواردات وإرسال الباقي منها إلى المركز الرئيسي.
7- لاحق لشيخ الزاوية أن يضيف أقاربه على حساب الزاوية، وتفادياً لضيق ذات يده فقد منح عشر الواردات، وسمح له بامتلاك المواشي وتعاطي الزراعة لحسابه الخاص كي يواجه بذلك نفقاته الخاصة التي لاحق له في أخذها من أموال الزاوية. وله الحق في أن ينحر لنفسه وزوجته الأولى وأولاده منها شاتين أسبوعياً.
8- للعمال وخدم الزاوية الحق في أكل اللحم كل يوم جمعة من الأسبوع.
9- لكل زاوية حدود تفصل بينها وبين الزاوية المتاخمة لها، ولايجوز لشيخ الزاوية أن يتعدى هذه الحدود
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الأربعاء 1 محرم 1429هـ/9 يناير 2008م/15:19

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لك الحمد والثناء والشكر كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.
10- على شيوخ الزوايا أن يجتمعوا سنوياً ( كلهم أو بعضهم ) إذا مارأوا وجوب ذلك، وعليهم أن يتشاوروا في تحديد موعد الاجتماع ومكانه إن لم يكن أحد شيوخ الزوايا هو الداعي لعقد الاجتماع.
11- إذا التجأ شخص او أشخاص الى احدى الزوايا لسبب مافعلى الزواية والحالة هذه حمايته والسعي لإزالة السبب الذي دفعه للألتجاء بموجب نصوص الشريعة أو مايتفق عليه من العرف والتقاليد المتبعة.
12- تتكون موارد الزاوية من الزراعة وتنمية المواشي والهبات الخيرية الزكاة الشرعية( ).
تاسعاً: اسماء بعض الزوايا التي انشأها ابن السنوسي:
1- زاوية أبي قبيس بمكة المكرمة وهي أولى الزوايا السنوسية على الاطلاق، تم تأسيسها عام 1242هـ وكان أول شيخ لها العلامة عبدالله التواتي، ومن بين من تولى مشيختها السادة: مصطفى الغماري ، حامد غانم المكاوي، علي حامد، الشارف حامد، الصادق السنوسي حامد.
2- زاوية المدينة المنورة ، تم إنشاؤها عام 1266هـ وكان أول شيخ لها هو العلامة محمد الشفيع، ومن بين من تولى مشيختها ، العلامة مصطفى الغماري، ومحمد عبدالله الزوي، عبدالسلام فركاش .
3- زاوية جدة (الحجاز) .
4- زاوية الطائف (الحجاز).
5- زاوية منى (الحجاز) .
6- زاوية بدر (الحجاز).
7- زاوية البيضاء (برقة) أنشأت عام 1257هـ وهي أول مركز رئيسي في ليبيا وكان أول شيخ لها هو العلامة محمد بن حمد الفيلالي ومن بين من تولى مشيختها الأعلام؛ عمران بن بركة الفيتوري، حسين الغرياني ، محمد بن ابراهيم الغماري، العلمي الغماري، محمد العلمي الغماري.
8- زاوية مارة (برقة) وكان أول شيخ لها هو العلامة عمر الأشهب، وكان من بين من تولى مشيختها ؛ أحمد علي أبو سيف ، احمد ابن ادريس الأشهب، عبدالله أبويوسف.
9- زاوية درنة (برقة) وكان أول شيخ لها هو العلامة عمر الأشهب ، ومن بين من تولى مشيختها؛ مفتاح خوجة، السنوسي الغرياني عبدالرحمن العجال.
10- زاوية الجوف (واحة الكفرة) كان ابن السنوسي قد عهد ببنائها الى المشايخ الحاج مصطفى ابوشايدة، الحاج محمد أبو حليقة، عقيلة الحليق وذلك عقب إجلاء قبائل التبو البربرية بضغط من قبائل زوية، العربية، وكانت الكفرة يومذاك مأوى للدعارة واللصوص ومعقل حصين لقطاع الطريق، وكان يتناوب غزوها ثلاثة قبائل كل منها يدعي ملكيتها وهي : قبائل الجهمة من مصر، وقبائل التبو من شمال السودان، وقبائل زوية من برقة وبذلك فقد كونت خطراً على السابلة وقوافل التجارة الى أن أنشئت بها زواية السنوسية ؛ فأصبحت دار أمن وسلام ومشرق الهداية والعرفان، وفي وصفها قال العلامة محمد عبدالله السني من قصيدة عصماء امتدح بها محمد المهدي السنوسي:
طابت وطاب بها المأوى لذي شجن
دار السلامة للاسلام مهتجر
تأوي الوفود لها من كل ناحية
مأوى الحجيج اذا ماجاء يعتمر
وكان أول شيخ لها هو عمر أبو حواء الفضيل، ومن بين من تولى مشيختها عبدالهادي الفضيل ثم محمد عمر الفضيل .
11- زاوية قفنطة (برقة) وكان أول شيخ لها هو المختار ابن عمور وبقيت مشيختها في عقبه.
12- زاوية شحات (برقة) أنشئت عام 1261هـ وكان أول شيخ لها هو العلامة مصطفى الدردفي ، ومن بين من تولى مشيختها، محمد الدردفي ، رافع بدر فركاش، مصطفى محمد الدردفي.
13- زاوية العرقوب (برقة) وكان أول شيخ لها هو محمد الجبالي.
14- زاوية مسوس (برقة) وكان أول من تولاها بالوكالة الشيخ فهيد العاقوري، وكان أول شيخ لها هو أحمد علي أبوسيف وفي سنة 1271هـ تولى مشيختها العلامة عمر الأشهب الى سنة 1297هـ حيث توفاه الله فتولى مشيختها ابنه السيد السنوسي الأشهب وبعد وفاته سنة 1332هـ تولى مشيختها ابنه محمد يحيى، وفي سنة 1367هـ تولى مشيختها محمد عثمان ابو عريقيب.
15- زاوية الطيلمون (برقة) كان أول شيخ لها هو مصطفى المحجوب ثم العلامة علي المحجوب، فالسيد أحمد محمد المحجوب.
16- زاوية القصور (برقة) كان أول شيخ لها هو العلامة محمد المبخوت التواتي، ثم محمد مقرب حدوث، فالشهيد الكبير عمر المختار.
17- زاوية المرج (برقة كان أول شيخ لها هو أحمد بن سعد، فالسيد علي العابدي ، فالعلامة محمد السكوري، فالعلامة محمد ابن عبدالله التواتي، فعمران السكوري، فأبنه أحمد.
18- زاوية بنغازي (برقة) وكان أول من تولى مشيختها هوالعلامة عبدالله التواتي ، فالعلامة عبدالرحيم بن أحمد المحجوب، وكان من تولى مشيختها السادة: محمد ابو القاسم العيساوي، فالسيد صالح العوامي، فالعلامة احمد ابو القاسم العيساوي.
19- زاوية مرزق (فزان) كان أول شيخ لها هو العلامة أحمد ابو القاسم التواتي.
20- زاوية واو (فزان) وكان أول شيخ لها هو العلامة أحمد ابو القاسم التواتي ، ومن بين من تولى مشيختها بالوكالة العلامة، محمد بن الشفيع ثم أسندت مشيختها الى محمد علي بن عمر الأشهب ، فأبنه نجم الدين.
21- زاوية زويلة (فزان) كانت تحت اشراف العلامة احمد ابوالقاسم التواتي.
22- زاوية هون (واحة الجفرة) كان أول من تولى مشيختها احمد بن علي بن عبيد.
23- زاوية مزدة (طرابلس) كان أول شيخ لها هو العلامة عبدالله السني، وقد بقيت مشيختها في عقبه.
24- زاوية طبقة (طرابلس) وكان أول شيخ لها هو العلامة محمد الازهري وبقيت مشيختها في عقبه.
25- زاوية العزيات (برقة) أنشئت سنة 1270هـ وكان من بين من تولى مشيختها عمر جالو.
26- زاوية المخيلي (برقة) وكان أول شيخ لها هو العلامة الحسين الحلافي وتعاقب ورثته على مشيختها.
27- زاوية تازربو (واحات الكفرة) وكان من بين من تولى مشيختها العلامة محمد المدني.
28- زاوية ربيانة (واحات الكفرة) وكان أول شيخ لها هو حسين بازامه وبقيت مشيختها في عقبه.
29- زاوية دريانة (برقة) وكان أول شيخ لها هو العلامة ابراهيم الغماري فابنه السيد الحسن، فالسيد محمد الحسن الغماري.
30- زاوية سيوه (مصر) كان اول شيخ لها هو العلامة احمد ابوالقاسم التواتي .
31- زاوية الزيتون (سيوه) تابعة لمشيخة احمدابوالقاسم التواتي.
32- سوكنة (واحات الحضرة).
33- زاوية الرجبان (طرابلس) وكان أول شيخ لها هو العلامة ابو القاسم العيساوي وبقيت مشيختها في عقبه.
34- زاوية الواحات البحرية (مصر) وكان أول شيخ لها هوالعلامة محمد السكوري.
35- زاوية الداخلة (مصر) وكان أول شيخ لها هو العلامة حسين الموهوب الدرسي.
36- زاوية حوش عيسى (مصر).
37- زاوية الفيوم (مصر).
38- تونين غدامس (طرابلس) وكان أول شيخ لها هو الشريف الغدامسي.
39- زاوية طلميثة (برقة) وكان من بين من تولى مشيختها محمد الكليلي.
40- زاوية توكره (برقة) وكان من بين من تولى مشيختها ، عبدالله الجيلاني ، عبدالله عمر الفضيل، يونس الموهوب.
41- زاوية أم ركبة (برقة) وكان من بين من تولى مشيختها ، علي ابن عبدالله.
42- زاوية الفايدية (برقة) وكان أول شيخ لها هو العلامة اسماعيل الفزاني وبقيت مشيختها في عقبه.
43- زاوية ترت (برقة) وكان أول شيخ لها هو عبدالقادر الغزالي وبقيت مشيختها في عقبه.
44- زاوية أم الرخم (مصر).
45- زاوية النجيلة (مصر).
46- زاوية الحقنة (مصر)
47- زاوية دفنه (برقة) وكان أول شيخ لها هو العلامة حسين الغرياني وبقيت مشيختها في عقبه.
48- زاوية ام الرزم (برقة) كان أول شيخ لها هوا لمرتضى فركاش فأبنه المرتضى الثاني، فالأمين فركاش، فمحمد الأمين فركاش.
49- زاوية مصراته (طرابلس) وكان أول شيخ لها خليفة شنيشح.
50- زاوية زليتن (طرابلس).
51- زاوية زلة (طرابلس).
52- زاوية الجريد (تونس) وكان أول شيخ لها هو العلامة محمد ابن الصادق( ).
هذه بعض المراكز الاصلاحية التي تمكنت من ذكرها في زمن ابن السنوسي ولا ازعم أني استطعت حصرها كلها، وهذا يدلنا على انتشار الحركة وتوسعها واقبال الناس عليها، وقوة نظامها ، وحسن إدراتها.
إن القدرة التنظيمية عند ابن السنوسي تظهر للباحث في ركيزتها الأولى ألا وهي نظام الزوايا، حيث طور نظام الزوايا المتعارف عليه في الشمال الأفريقي.
إن ديننا الاسلامي حثنا على النظام في كل شيء، فلابد إذاً من تعويد النفس وضبطها على النظام ، فالمسلم لايتربى تربية منظمة، إلا إذا كان في جماعة منظمة ذات ارتباط ونظام ودقة في كل شيء وفي كل أمر ، كما أن هذه الجماعة لها هدف جماعي ، يتحقق بتعاون الفرد وأخوانه في بوتقة الطاعة والنظام.
ويلاحظ الباحث أن جل الزوايا ترتكز في الصحارى، وهذا يرجع الى اهتمام ابن السنوسي بالبوادي ، لأنه اراد أن يعمل بحرية بعيداً عن متناول يد السلطة ، فأوغل في الأماكن، ولأنه رأى في أهل البادية تربة خصبة يزرع فيها أفكاره الاصلاحية ووجد فيهم نفوساً متهيئة لحمل الدعوة ، كما كانوا أكثر استجابة واندفاعاً من غيرهم لحمل تعاليم الحركة، لذلك وقع اختيار ابن السنوسي على برقة كمركز لنشاطه حيث كانت تقطنها عدة قبائل بدوية تحمست للدعوة الإسلامية وكانت مؤسسات الحركة تناسب البادية واحتياجات أهلها، فأوجد الزاوية السنوسية ونظمها لتكفي حاجات المحيطين بها التعليمية والقضائية، والاقتصادية، والسياسية، والتربوية، ولذلك نجحت الحركة في البوادي، ولم تنتشر الدعوة في المدن، فأهل المدن لم يكونوا بحاجة إلى مؤسسات الحركة، فعندهم المؤسسات الحكومية التي تؤدي لهم الخدمات التعليمية والقضائية والاقتصادية، والسياسية، ولذلك نلاحظ أن الزوايا التي أسست في المدن لم تكن تقوم بوظائفها، كما تقوم بها زوايا البادية، كما أنه كان دورها كحلقة وصل بين الحركة في البادية والحضر، كزوايا بنغازي، ودرنة، وطرابلس( ).
إن الاهتمام بدعوة القبائل مهم جداً، وحصر الدعوة في المدن وطبقات معينة من المجتمع يتنافى مع أصول دعوة الإسلام الخالدة ولذلك لابد بالإهتمام بالبدو والأرياف وكل طبقات المجتمع لتوصيلها دعوة الله تعالى.
(........ كثيراً ماحصرت الدعوة الإسلامية الحديثة في المدن حتى إن بعض العاملين في الحقل الإسلامي لايعرفون شيئاً عن قرى مدينتهم ولا عن ريفها ولا عن القبائل البدوية الموجودة حولها إن كانت وهذا إخلال بواجب شرعي.. )( ).
( إن التخطيط للعمل الإسلامي للريف والقبائل البدوية مهماً جداً وأعظم شيء نخدم به في هذا المجال هو العثور على ناس من أهل القرى ومن البدو ويدرسون الدراسة الشرعية الإسلامية ليرجعوا إلى أهليهم دعاة، وإنه لأجر كبير أن يتولى بعض أغنياء المسلمين الإنفاق على أمثال هؤلاء، فهذا النوع من التخطيط يحقق( ) قوله تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } (التوبة، آية: 122 ).
ومن التخطيط الذي ينبغي أن يسعى إليه أن توجد العلاقات وصدقات بين أهل المدينة وأهل الريف بحيث تكون زيارات متبادلة ينزل فيها عند أخيه الحضري وينزل الحضري فيها عند أخيه الريفي والأصل في هذا الحديث الشريف " زاهر باديتنا ونحن حاضرته "( ).
إن زهراً الأشجعي صحابي جليل كان رسول صلى الله  يحبه ويمازحه وهو من أهل البادية، وعندما يأتي للمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم ينزل عنده.
لقد تحدث الدعاة عن ضرورة الإهتمام بالأرياف والقبائل والمقصود من الحديث أن أهل البادية أصحاب فطرة سليمة، ومحبة للدين عظيمة ويحتاجون للإرشاد والتوجيه، والتعليم، والتربية، ثم ينتظر منهم بعد ذلك خير عظيم في مجالات عديدة، وهذا ماحدث مع ابن السنوسي عندما اهتم بالقبائل والبوادي.


























المبحث الثاني
المنهج التربوي

انتهج ابن السنوسي منهجاً تربوياً استمده من كتاب الله وسنة رسوله ، ومن خبرته بالطرق الصوفية التي درس جلها، وانتقد اخطائها، وعمل على طريقة خاصة يسلكها اتباعه وفي كتابه السلسبيل نلاحظ أنه كانت لديه ملاحظات على عدد من الطرق، وحدد معالم الطريقة التي تتقيد بالكتاب والسنة، إن ابن السنوسي كان يؤمن بالصوفية الموافقة للكتاب والسنة والصوفي الحقيقي في رأيه من يتقيد بالكتاب والسنة، وقد قال في ذلك " فاعلم أن سبيل القوم اتباع النبي  في الجليل والحقير وأعمالهم موزونة بميزان الشريعة "( ) وقد فصل رحمه الله تعالى في تدريج المريد في مراتب السلوك قال بعون الله وتوفيقه.
أولاً: ( يتعين على المريد أن يصحح عقيدته بميزان اعتدال أهل السنة والجماعة كثر الله سوادهم وأدام امدادهم )( ).
ولقد بينت مجملها عندما تحدثت عن رسالة أبي زيد القيرواني كجزء من المنهج الذي كان يتعلمه أتباع الحركة السنوسية.
إن منهج أهل السنة والجماعة يبين المفهوم الصحيح لتوحيد الله عزوجل لأنه اعتمد على كتاب الله عزوجل وسنة رسوله ، وقد تتبع علماء أهل السنة والجماعة نصوص الكتاب والسنة وخرجوا بالنتيجة التالية ألا وهي أن توحيد الله سبحانه وتعالى يعني إفراد الله سبحانه وتعالى في توحيد ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وقد قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام وهي:
1- توحيد الربوبية: ومعناه إفراد الله بالخلق والرزق والمـلك والتدبير والتصريف ولايشاركه فيها أحد من خلقه وهذا مركوز في الفطرة لايكاد ينازع فيه أحد حتى المشركين الذين بعث فيهم رسول الله  كانوا يقرون بذلك ولاينكرون ولايجعلون أحداً من آلهتهم شريكاً لله في ربوبيته.
قال تعالى : { قل من يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحيَّ من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون } ( يونس: 31).
وقال تعالى: { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب السموات السبع وربُّ العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يُجارُ عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل فأنى تسحرون } ( المؤمنون: 84-89 ).
ولكن لما وجد في الناس من ينازع في توحيد الله بالربوبية ويجعل لغير الله عزوجل شيئاً من الشركة معه في الخلق والرزق أو التدبير لم يهمل القرآن الكريم الاحتياج له بل قرره أبدع التقرير( ) في قوله تعالى: { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عمّا يصفون } ( المؤمنون، آية: 91 ).
2- توحيد الألوهية:
هو إفراد الخالق جل وعلا بالعبادة وإخلاص الدين له وحده( ).
قال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ( النحل:36 ).
وقال  : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )( ).
ولهذا كان الصحيح أن أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله( ).
3- توحيد الأسماء والصفات:
هو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه الحي القيوم الذي لاتأخذه سنة ولا نوم له المشيئة النافذة والحكمة البالغة وأنه سميع بصير رؤوف رحيم على العرش استوى وعلى الملك احتوى وأنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى( ) والقاعدة في هذا الباب عند أهل السنة أن يصفوا الله بما ( وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسول الله  سميناه كما سماه ولم نتكلف منه صفة ماسواه لا هذا ولا هذا لانجحد ماوصف ولا نتكلف معرفة مالم يصف )( ).
أما طريق الراسخين في العلم في هذا الباب : " والراسخون في العلم الواقفون حيث انتهى علمهم الواصفون لربهم بما وصف من نفسه التاركون لما ترك من ذكرها لاينكرون صفة ماسمى منها جحداً ولايتكلفون وصفه بما لم يسمع تعمقاً لأن الحق ماترك وتسميته ماسمى ( ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيراً)( ).
ثانياً- ( أن لايقدم المريد على فعل شيء حتى يعلم حكم الله فيه، فيتعلم مايحتاج إليه من المسائل الفقهية المتعلقة بظاهر البدن على مذهب من المذاهب الأربعة )( ).
ولهذا كان اتباع الحركة السنوسية يتدارسون رسالة أبي زيد القيرواني في العقائد وفي الفقه المالكي، وأضاف ابن السنوسي بعض الكتب المهمة في هذا الباب، كصحيح البخاري، والموطأ وبلوغ المرام.
1- صحيح البخاري:
إن الإمام البخاري - رضي الله عنه - واحد من أعظم علماء هذه الأمة، الذين رفع الله لهم ذكرهم، وأجرى ألسنة الخلق بالثناء عليهم والدعاء لهم.
سبق الجميع في العناية بحديث رسول الله ، ووقف عمره عليه، فأصبح أمير المؤمنين في الحديث، وترك للمسلمين من بعده أصحّ كتاب بعد القرآن الكريم، كان آية في الحفظ، وغاية في الشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة( ).
- مكانة الجامع الصحيح بين كتب السنة الستة:
اتفق علماء هذه الأمة على أن جامع البخاري أجل وأعظم من جميع كتب السنة.
قال العلامة القسطلاني : " أما فضله: فهو أصح الكتب المؤلفة في هذا الشأن، والمتلقى بالقبول من العلماء في كل أوان. فقد فاق أمثاله في جميع الفنون والأقسام، وخص بمزايا من بين دواوين الإسلام، شهد له بالبراعة والتقدم الصناديد العظام، والأفاضل الكرام، ففوائده أكثر من أن تحصى وأعزز من أن تستقصى "( ).
وقال البخاري: " ماوضعت في الصحيح " حديثاً إلا اغتسلت وصليت ركعتين، وأرجو أن يبارك الله تعالى في هذه المصنفات( ).
وقال ابن تيمية : " ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن "( ).
إن كتاب الصحيح البخاري جمع بين الفقه والحديث وعلوم متعددة.
إن وضعه في المنهج التربوي عند ابن السنوسي يدل على حرصه على اتباع النبي  .
2- موطأ الإمام مالك:
إن حب ابن السنوسي للإمام مالك ابن أنس وكتابه الموطأ يظهر للباحث جلياً في المقدمة التي كتبها لطلابه، والتي تدلنا على قدرة ابن السنوسي في تعليم وتفهيم تلاميذه، فيقدم لهم المادة الغزيرة بأسلوب سلس بسيط مليئ بالعلوم التاريخية والفقهية، والحديثية، والتربوية.
ولقد تحدث عن مدح العلماء للموطأ فقال: فاعلم أن كتاب الموطأ للإمام دار الهجرة المجمع على جلالته من أجلّ المصنفات، وأنفس المؤلفات( ).
وعن محمد بن حرب المدني ( .. ثم إن مالكاً عزم على تصنيف الموطأ فصنفه، فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد شركك فيه الناس، وعملوا أمثاله، فقال: ائتوني بما عملوا، فأتى بذلك فنظر فيه، ثم نبذه فقال: لتعلمن أن لايرتفع إلا ما أريد به وجه الله. قال فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بَعْدُ ذكرٌ يذكر .. )( ).
وذكر سبب وضعه فقال: فقد روى أبو مصعب أن أبا جعفر المنصور قال لمالك: ضع للناس كتاباً أحملهم عليه، فكلمه مالك في ذلك، فقال: ضعه فما أجد اليوم أعلم منك، فوضع الموطأ فما فرغ منه حتى مات أبو جعفر.
وفي رواية أن المنصور قال له: ضع هذا العلم ودوّن فيه كتاباً، وتجنب فيه شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود وأقصد أواسط الأمور وما أجمع عليه الصحابة والأئمة( ) وقد ذكر ابن السنوسي مارأى في الموطأ من البشائر فقال: عن مصعب بن عبدالله الزبيري قال: سمعت أبي يقول: كنت جالساً مع مالك بن أنس في مسجد رسول الله ، إذ أتاه رجل، فقال: أيكم مالك؟ فقالوا: هذا، فسلم عليه واعتنقه وضمه إلى صدره، وقال: والله لقد رأيت رسول الله  البارحة جالساً في هذا الوضع، فقال: ائتوني بمالك فأتى بك ترتعد فرائصك، فقال: ليس بك بأس يا أبا عبدالله، وكناك، وقال: اجلس، فجلست، قال: افتح حجرك، ففتحه فملأه مسكاً منثوراً وقال ضمه إليك وبثه في أمتي، قال: فبكى مالك وقال: الرؤيا تسر ولاتغر، وإن صدقت رؤياك فهو العلم الذي أودعني الله تعالى( ).
إن في الروايات السابقة معاني تربوية عميقة كان اتباع الحركة السنوسية يتربون عليها منها:
1- اخلاص الأعمال لوجه الله، وأن دوامها وقبولها من شروطه هذا الركن الأصيل، وأن العلماء المخلصين، يتكفل الله بحفظ علمهم ونشره بين الناس.
2- إن منهج الإعتدال، والحكمة، والاستقامة المتمثل في الوسطية التي سار عليها الإمام مالك، كانت منهجية أصيلة في حياة ابن السنوسي وإخوانه.
3- إن ابن السنوسي كان يرأى أن الرؤى الطيبة لعباده الصالحين تسر ولاتغر، وأحب أن يغرس هذا الفهم في أذهان تلاميذه، ولذلك ساق لهم رؤية ذلك الرجل للإمام مالك.
وقد أفرد ابن السنوسي في مقدمته للموطأ باباً في التعريف بمؤلف الموطأ الإمام مالك وثناء الناس عليه، ونقل قول النووي: ( قد اجتمعت طوائف العلماء على إمامة مالك وجلالته، وعظم سيادته وتبجيله وتوقيره، والإذعان له في الحفظ والثبات، وحديث رسول الله ، فقد جمع بين شرفي الحديث والفقه، فهو إمام الأئمة وشيخهم، قد روى عنه سائر الأئمة خصوصاً الأربعة أما أبو حنيفة فبلا واسطة، فقد حكى غير واحد أنه لقى مالكاً وأخذ عنه ... وأما الشافعي فأمره مشهور معه، حتى قال ابن الأثير: كفى مالكاً شرفاً أن الشافعي تلميذه، وكفى الشافعي شرفاً أن مالكاً شيخه.
وأما الإمام أحمد فقد أخذ عن الشافعي، فهو شيخه بواسطة، ومناقب هذا الإمام وفضائله رضي الله عنه تخرج عن أن تحصى، ولايمكن فيها الحصر ولا الاستقصاء( ).
وذكر ابن السنوسي المناقب التي اجتمعت لمالك ولم تجتمع لغيره وأسند هذا القول للذهبي فقال:
1- طول العمر وعلو الرواية.
2- الذهن الثاقب والفهم وسعة العلم.
3- اتفاق الأئمة على أنه حجة صحيح الرواية.
4- تجمعهم على دينه وعدالته واتباعه السنن.
5- تقدمه في الفقه والفتوى، وصحة قواعده( ).
وذكر ابن السنوسي كلاماً يكتب بماء الذهب اسنده إلى مالك، ليتربى عليه إخوانه وتلاميذه منه:
قول مالك: لايؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سواهم: لايؤخذ من سفيه، ولامن صاحب هوى يدعو إلى بدعته، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس، وإن كان لايتهم في حديث رسول الله ، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة، إذا كان لايعرف مايحمل وما يحدث به( ).
وقال مالك: قلّما كان رجل صادق، ولايكذب في حديثه، إلا مُتّع بعقله ولم تصبه مع الهرم آفة، ولاخرف( ).
ومن قوله: القول بالباطل بُعدٌ عن الحق، ولاخير في شيء وإن كثر من الدنيا يفسد دين المرء ومروءته( ).
لقد كان كتاب الموطأ حافلاً بالحديث، والآثار وقد جعله ابن السنوسي ضمن منهجه العلمي التربوي لأتباعه.
3- بلوغ المرام:
وهو كتاب جامع للأحكام، ألفه العلامة أحمد بن علي بن محمد أبو الفضل الكناني الشافعي المعروف بابن حجر العسقلاني، وقد نال كتاب بلوغ المرام رضى العلماء، فهو كتاب مفيد مع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل، وأقبل عليه العلماء قديماً وحديثاً فلا تجد حلقة عالم إلا وكتاب بلوغ المرام على رأس القائمة وأقبل عليه الطلاب بالحفظ والتداول واستغنوا به عن غيره من أمثاله، فصار له القبول وعليه إقبال حتى استفاد منه في كل عصر الجم الغفير، وقد جعله ابن السنوسي ضمن منهجه التربوي التعليمي، ويتعلم الطالب من هذا الكتاب:
- بين مؤلفه مرتبة الحديث من الصحة والحسن والضعيف بما يغني الطالب عن الرجوع إلى غيره.
- اقتصر من الحديث على الشاهد من الباب بما لايخل بالمعنى المقصود، فخلص من هذا الإيجاز والفائدة.
- انتقى أحاديث الكتاب من دواوينه المشهورة وأمهاته المعتبرة التي أشهرها مسند أحمد والصحيحين والسنن الأربع.
- يصدر الباب - غالباً - بما في الصحيحين أو أحدهما ثم يتبعها بما في السنن أو غيرها لتكون الأحاديث الصحيحة هي العمدة في الباب والمرجع في المسائل والباقي مكملات ومتممات.
- رتب المؤلف كتبه وأبوابه وأحاديثه على كتب الفقه ليسهل على الطالب مراجعته.
- جعل في آخره نخبة طيبة من أحاديث جامعة في الآداب ليستفيد منه الطالب في الأحكام والسلوك( ).
هذه بعض الكتب القيمة التي جعلها ابن السنوسي في منهجه العلمي التربوي.
ثالثاً: ( ثم يتوجه إلى تزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب وتنقية السر ):
إن دعوة ابن السنوسي إلى تزكية النفس وتهذيب الأخلاق من صميم القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف.
قال تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته مازكى منكم من أحدٍ أبداً ولكنّ الله يزكي من يشاء والله سميع عليم } ( سورة النور: آية 21 ).
جاءت هذه الآية بعد قصة الإفك، وبعد الآيات التي نهت عن إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وبعد النهي عن اتباع خطوات الشيطان، وجاءت قبل قوله تعالى: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم } ( سورة النور: آية 22 ).
وذلك يؤكد مايلي:
1- أن موانع التزكية من القوة بحيث تستحيل معها التزكية لولا فضل الله، وهذا يقتضي شيئين: بذل جهد في التزكية، وسؤال الله إياها والاعتماد عليه فيها، وفي الحديث: " اللهم آتِ نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها "( ).
2- أن من تزكية النفس العفو والصفح عمن أساء إلينا لأن الأمر جاء بمناسبة الحديث عن مسطح بن أثاثة الذي كان ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه، والذي خاض في الإفك، فمنع عنه أبو بكر رفده، فجاءت الآية واعظة، وَفَاء أبو بكر إلى سيرته، وما أرقاه من مقام !! وما أعلى مايراد بكلمة التزكية!!.
3- إن من تزكية النفس عدم اتباع خطوات الشيطان لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر، وإذن فالتزكية تعني - تجنب الفحشاء والمنكر، وتجنب خطوات الشيطان، وأولى خطواته الحسد والكبر، فقد حسد آدم وتكبر عن السجود له.
4- عدم محبة إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وعدم السير في طريق ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.
5- إمساك اللسان عن الأعراض، وترك المشاركة في كل مايؤذيها إلا إذا توفرت شروط شهادة وتعيَّنت( ).
هذه القضايا الخمس لها صلة بالتزكية، فالتزكية باب واسع وقد تحدث ابن السنوسي عن النفس البشرية وأنواعها وأمراضها وكيفية علاجها حديث العالم الخبير في تحقيقها فمن حديثه عن:
- النفس الأمارة: وهي صاحبة الجهل والبخل والحرص والكبر والغضب والشره والشهوة والحسد وسوء الخلق والخوض فيما لايعني من الكلام وغيره والاستهزاء والبغض والإيذاء باليد واللسان وغير ذلك من القبائح ... فكن أيها الأخ منها على حذر ولاتنتصر لها إن أحد آذاها بل كن معيناً له عليها وتخلص من هذه الآفات.. بالذكر الكثير القوي وتقليل الطعام والمنام، وحساب النفس كل ساعة، وخوفها بالموت، وعذاب القبر ومابعده من الأهوال إلا إذا أوصل الخوف إلى درجة القنوط فيجب عليك حينئذ تذكر أسباب الرجاء وسعة رحمة الله تعالى وعليك بالتذلل، والخضوع، والتضرع، له تعالى، واطلب الخلاص بلطفه واحسانه من الأوصاف الذميمة والتحلي بالصفات الحميدة كالصدق والتواضع، والمحبة، والإخلاص، والخمول، ونحو ذلك لأنك إذا اشتغلت في خلاص نفسك من الآفات وتبدلت بالأوصاف الحميدة شاهدت بعض العجائب المكنونة والأسرار المخزونة في صدفة البشرية، وأقبل على من لاغنى لك عنه بمعاملات الاحسان قبل أن تساق إليه بسلاسل الامتحان وقد قال لك من تقرب اليّ بشبر تقربت منه ذراعاً الحديث؛ فاترك التواني واعرض عما يشغلك عن مولاك واستغن بالقناعة بما في يدك ودع اللذات الفانية لأهلها ولا تسوف التوبة والاقبال على الله تعالى فإنك لاتدري مابقي من عمرك وقد نقل السنوسي الاجماع على أن التوبة واجبة على الفور، ويلزم من تأخيرها تضاعف الذنوب على من لم يتب وليس هذا التضاعف، كتضاعف الحسنات ، بل اذا لم يتب صار عليه ذنب الفعل وذنب ترك التوبة وهاذان الذنبان تجب التوبة منهما أيضاً، واذا لم يتب منهما على الفور صاحب اربعة وعلى هذا القياس، واذا نظرت بعين الانصاف والشفقة على نفسك رأيت احتياجك الى التوبة أشد من احتياجك الى المأكل والمشرب، والمسكن لأنها قد حجبتك عن مطالعة الغيوب وحالت بينك وبين كل محبوب وعلامة خلاص النفس من الآفات المارة أن يكون الخلق كلهم عنده على السوية، لايحبهم محبة طبيعية تميله إليهم في منكر، ولا يكرههم كراهة تغير باطنه عليهم في معروف ويستوي عند جميع المأكل، وجميع الملابس، فمن رأى في نفسه شهوة لبعض دون بعض، وجب عليه المجاهدة، الى أن يستوي ذلك عنده وإلا كان حيواناً في صورة انسان بل الحيوان خير منه لانه ليس عليه تكليف ولا حساب ولا عقاب( ) وماقاله ابن السنوسي آنفاً تفسيراً لقوله تعالى: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا مارحم ربي إن ربي غفور رحيم} (سورة يوسف، آية 53).
- النفس اللوامة: وقد تحدث ابن السنوسي عنها فقال: وهي التي لها رغبة في المجاهدة وموافقة الشرع ولها أعمال صالحة من قيام، وصيام، وصدقة، وغير ذلك من أفعال البر لكن يدخل عليها العجب والكبر وكذا الرياء الخفي ؛ بأن يحب صاحبها أن يطلع الناس على ماهو عليه من الاعمال الصالحة، كالاخلاص وغيره ويحمده عليها مع أنه يخفيها عنهم ويعمل لله، ويكره هذه الخاصة لكن لايمكنه قلعها بالكلية والخلاص من ذلك الرياء يكون بالفناء عن شهود الإخلاص بشهود أن المحرك والمسكن هو الله تعالى شهود ذوق، ويشهد أن المنة لله تعالى عليه حيث فتح له أبواب العبادات ، ومكنه من الدخول الى حضرته وأهله للقبول في خدمته، والخلاص من الأولين، يكون بالمجاهدة ، وهي ترك العادات، ومعظمها يكون بستة أشياء، تقليل الطعام، وتقليل المنام وتقليل الكلام، والاعتزال عن الأنام، والذكر المدام، والفكر التام، فمن فعلها بصدق نقلته الى الباقي والمطلوب من هذه الاشياء الاعتدال ، ولذا لم يقولوا ترك الطعام بل لايأكل حتى يجوع وإذا أكل لم يشبع .... فعالج نفسك بالشريعة وخلصها من أمراضها وأعظمها الكبر والعجب اللذان هما أصل الغضب الذي ينشأ عنه الحقد الذي يتفرع عنه الحسد ولا يزول الكبر والعجب إلا إذا انقطع المدد عنهما وهو امتلاء البطن وللحسد اسباب أخر، كحب الرياسة، وخبث النفس وكثيراً ماتكون هذه الاسباب بين أهل الطريق المتصوفين فيتمنى زوال ما على أخيه من المشيخة أو الخلافة وماهو عليه من الاستقامة والتوجه الى الله تعالى إذا عرفت ذلك فعليك بمعرفة أربعة أشياء، والتأمل فيها. الأول: أنه تعالى لا يعجزه شيء. الثاني: احاطة علمه بكل شيء، الثالث: أنه تعالى أرحم الراحمين، الرابع : أن جميع أفعاله خير؛ فإن تحقق الأول يزيد همتك بالتوجه إليه والطلب منه مع اليقين بالاجابة والطلب على هذا المنوال لايرد اصلاً، وتحققك بالثاني والأخير يحقق لك مقام التوكل والرضى والشوق والمحبة وغير ذلك وتحققك بالثالث يدفع عنك خوف الانس والجن( )، وهذا شرح لقوله تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} (سورة القيامة، آية 2).
وقال ابن السنوسي عن النفس المطمئنة:
-النفس المطمئنة : وهي التي لاتفارق الأمر التكليفي شبراً ولا تتلذ إلا بأخلاق المصطفى  ولا تطمئن إلا باتباع اقواله وتتلذ بصاحبها أعين الناظرين وأسماع السامعين وعلم معنى قوله تعالى: {كل من عليها فان ..} ؛ فيجب عليه الاجتماع مع الخلق في بعض الاوقات ليفيض عليهم بما أنعم الله به عليه من علم الصدور ، لاعلم السطور، وليكن في بقية الاوقات مع الله تعالى ليرقى الى المقامات الباقية وليكثر من الذكر ولا يلتفت الى مايظهر من أنوار أو كمالات أو كرامات لأن حضرة القرب لايدخلها إلا العبيد الخلص، وكل ماسوى الله قاطع عن المقصود، فهو فتنة فلا تقف عنده وإن الى ربك المنتهى ومن وصل الى حضرة القرب صارت الكرامات طوع يده ومن تعرض لكرامة أولاً فقد طلب الشيء قبل أوانه، فيعاقب بحرمانه فيكون مشغلاً بما لايعني والانسان مدة حياته متعرض للمحن فينبغي التحرز من الآفات الى الممات واياك وحب الرياسة والشهرة والتعرض للمشيخة والارشاد( ) وتحدث ابن السنوسي عن النفس الكاملة فقال:
- النفس الكاملة: وهي التي لايفتر صاحبها عن العبادة إما بجميع البدن أو باللسان ، أو بالقلب، أبو بعضو من الأعضاء وصاحبها كثير الاستغفار، كثير التواضع، سروره ورضاه في توجه الخلق الى الحق، وحزنه في ضد ذلك، وهو كثير الاوجاع قليل القوى قليل الحركة ليس في قلبه كراهة لمخلوق من المخلوقات مع أنه يأمر وينهي ولا تأخذه في الله لومة لائم ويظهر الكراهة لمستحقيها والمحبة لمستحقها، فيضع كل شيء في محله متى ما وجه همته الى كون من الاكوان أوجده الله تعالى على وفق مراده وذلك لان مراده في مراد الحق سبحانه وتعالى( ).
لقد كان ابن السنوسي مربياً من الطراز الأول وكان عليماً بأمراض النفوس، وخبيراً بعالجها، ولقد نجح في تربية أصحابه على الاخلاق الرفيعة ، وحقق نجاحاً باهراً، ورسم لأتباعه طريقة تعتمد على كتاب الله وسنة رسوله  لقد تحدث ابن السنوسي عن اسباب التي تعين العبد على تصفية نفسه وتزكيتها فقال:
رابعاً: ومن اسباب حصولها طيب المطعم فإن من أكل حراماً، فَعَله في ظاهره أو باطنه لا محال، ومن أسبابه سماع أحاديث الترغيب والترهيب، وحكايات الشيوخ في مجاهداتهم وشريف معاملاتهم؛ فإنها جند من جنود الله ، كما يشير الى ذلك قوله تعالى : {وكُلاً نقص عليك من أنباء الرسل مانُثبت به فؤادك} (سورة هود، آية )، وليشتغل المريد بالأعمال المسرعة به الى حضرة الفلاح والفوز بالكمال، كالصلاة على النبي ، فقد قال بعضهم إنها لايدخلها الرياء، وبعضهم انها مقبولة مطلقاً وهي على هذا من الغنائم الباردة المبذولة لسالكي طريق المجاهدة في الله...)( ).
طيب الطعام والابتعاد عن الحرام:
إن ابن السنوسي يبين لاتباعه أن من اسباب تزكية النفوس، والتخلق بالاخلاق الرفيعة، وتصفية القلوب ، أن يحرصوا على طيب الطعام، وأن يبتعدوا عن الحرام.
إن آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي ، ناطقة بربط قبول سائر العبادات من دعاء وصلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وصدقة، وغير ذلك من صالح الاعمال بتحري الحلال من الكسب:
- الدعاء:
ففي الدعاء ، وهو مخ العبادة ، يقول تعالى : {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (سورة البقرة، آية186).
وعباد الله الذين استجابوا له، هم من يفعلون الحلال ويتركون الحرام، فيكونون أهلاً للاجابة قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني استجب لكم} (سورة غافر، آية 60).
وإجابة الدعاء منوطة بأكل الحلال، وترك الحرام، وتوقي الشبهات. أخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة  عنه قال : قال رسول الله : (يا أيها الناس إن الله طيب لايقبل إلا طيباً ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال : {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعلمون عليم} (المؤمنون، آية 51).
وقال : {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم} (سورة البقرة، آية 172) ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يده الى السماء، يارب يارب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟)( ) ولاشك أن قبول الدعاء من الوسائل المهمة في تزكية نفس العبد، وتهذيب أخلاقه، وحياة قلبه.
- الصدقة:
والله تعالى طيب لايقبل إلا طيباً، والحرام سواء أكان مالاً أم متاعاً أم غير ذلك، غير طيب، لأنه خبيث ، ومن مصدر خبيث غير مشروع، فهو بالتالي غير مقبول.
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} (سورة البقرة، آية 267).
وكذلك الشأن في سائر العبادات، فكيف يقبل الله تعالى الصلاة ممن تغذى بالحرام، وكانت أنفاسه التي يناجي بها ربه، تمتد طاقتها من الحرام، وكل جسم غذي بالحرام فالنار أولى به( ).
إن من وسائل تزكية النفوس العبادات عندما يتقبلها الله ، ويجعل لها آثارها في نفس العبد وقلبه، وعقله، وجسده.
2- سماع أحاديث الترغيب والترهيب:
فإن لها أثر في تزكية النفوس، واحياء القلوب، فعن ابن عباس  قال سمعت رسول الله  يقول: قال الله تعالى: (ياابن آدم مادعوتني ورجوتني غفرت لك على ماكان منك ولا أبالي. ياابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ياابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)( ).
وإما في الترهيب، فعن أنس  قال : خطب رسول الله  خطبة ماسمعت مثلها قط فقال : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً فغطى أصحاب رسول الله  وجوههم ولهم خنين)( ).
إن ابن السنوسي -رحمه الله- يرى أن لأحاديث الترغيب والترهيب أثراً في تزكية النفوس، كما يرى لسير وتراجم الصالحين أثراً في صفاء القلوب، وتطهير النفوس، بل يرى أن تلك السير جند من جنود الله يثبت الله بها من يشاء من عباده.
3- المسارعة للخيرات:
يرى ابن السنوسي أن من وسائل التزكية المسارعة في الخيرات والاعمال الصالحة، كالصلاة على النبي ، ويراها من الغنائم الباردة لسالكي طريق المجاهدة في الله.
قال تعالى {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} (سورة الاحزاب، آية 56).
إن صلاة الله وملائكته على النبي  معناها الثناء عليه ، وإظهار فضله، وشرفه، وإرادة تكريمه وتقريبه، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في فضل الصلاة على النبي  ومنها؛ عن يعقوب بن زيد بن طلحة التميمي قال : قال رسول الله  : (أتاني آت من ربي فقال : مامن عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليها بها عشراً) فقام إليه رجل فقال: يارسول الله أجعل نصف دعائي لك؟ قال : إن شئت.
قال : ألا أجعل ثلثي دعائي؟ قال : إن شئت.
قال : ألا أجعل دعائي كله. قال : (إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة)( ).
قال ابن السنوسي: إذا أكثر السالك من الصلاة على النبي  أنقذه الله بها من المهالك وأخذ بناصيته الىأحسن المسالك، ودعا ابن السنوسي تلاميذه الى دراسة سيرته  وبيان أحواله، وحياته( ).
إن الصلاة على النبي  لها ثمرات كثيرة وفوائد عظيمة منها:
- امتثال أمر الله سبحانه وتعالى، وموافقته سبحانه في الصلاة عليه  ، وموافقة ملائكته فيها.
- حصول عشر صلوات من الله عز وجل على المصلي بالصلاة مرة واحدة على النبي .
- أنها سبب لشفاعته  إذا قرنها بسؤال الوسيلة أو أفرادها.
- إنها سبب لكفاية العبد ما أهمه.
- أنها ترمي بصاحبها على طريق الجنة.
- أنها سبب لإبقاء الله سبحانه الثناء الحسن والبركة للمصلي لأن المصلي طالب من الله أن يثني على رسوله ويكرمه ويشرفه ويبارك عليه وعلى آله، وهذا الدعاء مستجاب فلابد أن يحصل لمصلي نوع من ذلك والجزاء من جنس العمل .
- أنها سبب لدوام محبة العبد لرسول الله ، وزيادتها وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لايتم إلا به( ).
هذه بعض الأصول التي توضح منهج ابن السنوسي التربوي، وقد الزم أتباعه باوراد الطريقة، فهي عبارة عن تلاوة القرآن الكريم، ثم الاستغفار والتهليل والصلاة على النبي ( )، وقراءة بعض الأدعية التي تحمل في طياتها معاني التوسل والتضرع الى الله وحمده جل جلاله وتسبيحه( ).
وكان أتباع الحركة السنوسية يحافظون على أورادهم ، ولم تكن معهم موسيقى، ولا حركات راقصة، وكانوا بعيدين عن الأعمال البهلوانية، كأكل الزجاج، وطعن الصدور بالسيوف واللعب مع الأفاعي( ).
وكان ابن السنوسي يلقن طريقته للمريدين بقصد تعليمهم الشريعة الغراء ويلح عليهم بالتمسك بأحكامها، ويأخذ عليهم العهد بأن لايخالفوا في أعمالهم الشرع الحنيف( ).
خامساً : ابن السنوسي ونقده لأخطاء الصوفية:
لقد وقعت كثير من الطرق الصوفية في انحرافات كثيرة، وقد تعرض ابن السنوسي لبعض الطرق ووضح الاخطاء التي وقعت فيها؛ ففي حديثه عن الطريقة الصديقية يقول: (دخل الغلط في الأخلاق على جماعة من هذه الطائفة وذلك من قلة معرفتهم بالأحوال واتباعهم حظوظ النفس، ولكنهم لم يتأدبوا بمن يروضهم ويخرجهم من الرعونات ويجرعهم المرارات ويدلهم على المناهج الرضية في علاج عيوب النفس وطريق دوائها؛ فمثلهم كمثل من يدخل بيتاً مظلماً بلا سراج إلا من أراد الله هديته بجذب عنايته فالله هو الولي الحميد)( ).
وانتقد ابن السنوسي بعض دخلاء المتصوفة: (... ومنها ماكثر به تبجح كثير من بعض المتنسكين ، من دخلاء المتصوفة، وغلاة المتورعين، من الأعجاب بأعمالهم، والتمدح بأحوالهم، وكونهم مخصوصين بينابيع الامداد، ومواهب الكرامة، لايبالون بمن عداهم ولو كانوا على محض الاستقامة...)( ).
وعمل على تصحيح مفاهيم الاسلام التي انحرفت بعض طرق الصوفية عنها، كالعبادة، والتوكل ، والجهاد.
أ- العبادة:
إن من عوامل النهوض التي سار عليها ابن السنوسي تصحيح مفهوم العبادة في أذهان أتباعه ونجد ذلك في قوله لبعض تلاميذه وأخوانه لأي شيء نأمركم بقراءة النحو؟ لإصلاح ألسنتكم لكتاب الله وحديث الرسول ) ثم قال : (بالكم تقولون الذي يقرأ النحو ما نوصله الى الله. بالكم تقولون الذي يخدم الحجر والطين مانوصله الى الله، بالكم تقولون الذي يرعى الابل مانوصله الى الله، وهكذا وعدّ أشياءً كثيرة)( ).
وقد اتضح مفهوم العبادة الشامل عند اتباع الحركة السنوسية، وكان طلاب الزوايا في يوم الخميس من كل اسبوع يخصصونه للشغل بالأيدي، فيتركون الدروس كلها ويشتغلون بأنواع المهن من بناء ونجارة ، وحدادة، ونساجة، وغير ذلك، لا تجد فيهم إلا عاملاً بيده، وكان محمد المهدي السنوسي الزعيم الثاني للحركة يشوق الطلبة والمريدين الى القيام بالحرف والصناعات، ويقول لهم جملاً تطيب خواطرهم وتزيد رغبتهم في حرفهم حتى لايزدروا بها أو يظنوا طبقتهم هي أدنى من طبقة العلماء فكان يقول لهم: (يكفيكم من الدين حسن النية والقيام بالفرائض الشرعية، وليس غيركم بأفضل منكم). وأحياناً يدمج نفسه بين أهل الحرف ويقول لهم وهو يشتغل معهم: (يظن أهل الوريقات والسبيحات أنهم يسبقوننا عند الله، لا والله مايسبقوننا)( ).
إن مفهوم العبادة عند السنوسية وافق تعريف ابن تيمية عندما قال : (العبادة اسم جامع لكل مايحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصوم والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة ، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، الوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان الى الجار....وأمثال ذلك من العبادة)( ).
ب- التوكل:
كان ابن السنوسي يحب للمسلم أن يعيش من عمل يده وعرق جبينه ليغرس في نفسه حب التعفف قلما رواه عنه كبار الاخوان انه كان يقول: (الذهب في الأرض، فغوصوا لاستخراجه بالمحراث) وكان يقول: ( الدرر في غرس الشجر أو تحت ورق الشجر) ويقول: (اليد العليا خير من اليد السفلى والاستقامة كنز لايبلى والعفة حسب دائم) (ومن مد يده متسولاً قصر لسانه)( ).
وهذه التوجيهات تدلنا على فهم ابن السنوسي لمفهوم التوكل، فدعا الى مباشرة الاسباب مع تفويض الأمر لله تعالى، وحارب التواكل الذي انتشر في كثير من الطرق الصوفية.
ج- الجهاد:
قامت كثير من الحركات الصوفية بصرف الناس عن القتال في سبيل الله وجهاد أعداء الأمة الاسلامية ، وعمل ابن السنوسي على تربية أتباعه على الاستعداد للجهاد في سبيل الله، وكان كثيراً مايدعو للجهاد ويأمر به ضد كل معتد على ارض المسلمين، فقد قام بتنبيه وتحذير الليبيين من غزو الطليان لليبيا قال مرة للشيخ الكاسح أحد زعماء قبيلة العواقير (ماذا أعددت ياشيخ الكاسح للنابلتان إذا غزو بلادك ليأخذها؟) فقال له الشيخ الكاسح أعددت له جراباً من البارود وشيئاً من الرصاص فقال له ابن السنوسي اذا كنت وأنت شيخ القبيلة ولم يوجد عندك إلا هذا المقدار القليل فماذا يوجد عند أفراد القبيلة؟) وأخبره ابن السنوسي أن النابلتان آت للبلاد لا محالة وسيصيبكم منهم أذىً كبيراً وأن الله مع الصابرين ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار)، وكان ابن السنوسي يُفَهِّم ذلك لكل من يجالسه من الأخوان ورؤساء الزوايا، وشيوخ القبائل والاعيان، ويأمروهم أن يحذروا من ذلك وأن يحتاطوا له، وأن يأمروا معلمي الصبيان بالقاء الدروس في هذا الشأن وكان يأمر رؤساء الزوايا باقتناء جميع أنواع السلاح ما استطاعوا الى ذلك سبيلا، ويحتفظوا به في مخازن خاصة( ) وذات مرة قال لأحد شيوخ القبائل، أن النابولتان سيغزوا هذا البلد ويقف أهلها للدفاع عنها موقفاً مشرفاً، وسيتخذ النابولتان جميع الوسائل لاخضاعهم، ومن بين هذه الوسائل سيقدمون الأموال للأغراء فماذا أنتم فاعلون في هذه الحالة؟ فقال الشيخ: أننا سنأخذ المال وننثنى عليهم نقاتلهم، فكان جواب ابن السنوسي: من يقبل هديتهم لايقاتلهم، وقد صحّ ذلك كله فعلاً( ).
وكان يتصيد الفرص لبيان أهمية الاستعداد، وجمع الذخائر، والاحتفاظ بها لوقت الحاجة، فعندما وصل الى العزيات عام 1269هـ قادماً من الحجاز وأخذت وفود القبائل تتوافد على زيارته من جميع أنحاء برقة وطرابلس زرافات ووحدانا، وكان من تقاليد البدو في مثل هذه الحالة أنهم يطلقون الأعيرة النارية من بنادقهم دليلاً على فرحهم وابتهاجهم، وفي ليلة من الليالي كان يتصدر مجلساً من الأخوان وشيوخ الزوايا وزعماء العشائر وذلك بعد صلاة العشاء، فسمع طلقاً متواصلاً من البارود، وسأل عن السبب فقيل له أن (مزاراً) من قبائل العواقير قد وصل الآن؛ (وكلمة مزار تطلق عند البادية على الزائرين) فقال: لقد نبهنا أكثر من مرة للمحافظة على الرصاص والبارود، والعناية بإدخال الأسلحة كي لاتستعمل إلا عند الحاجة، وأن الوقت الذي ندخر له السلاح لآت، ونود من إخواننا وشيوخ العشائر أن يواصلوا أسداء النصح بذلك، فاجابه محمد بن الشفيع بقوله: أتنتظر غزواً خارجياً قريباً؟ فألتفت ابن السنوسي عنه الى الشمال - وكان يستقبل القبلة- وقال : وقد تقطب وجهه أكاد أقول لكم أنني أرى العدو رأي العين؛ ومن مد الله في عمره منكم سوف يقاتله وهو آت من هنا وأشار الى جهة البحر، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، ثم استشهد بالآية : {ياأيها الذين آمنوا إذا لقيم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره ....) الآية.
وأصبح أتباع الحركة السنوسية يستعدون لأعدائهم ، الذين أخبر شيخهم بأنهم قادمون.






المبحث الثالث
البعد السياسي عند ابن السنوسي

يظهر البعد السياسي عند ابن السنوسي في تعامله الحكيم مع الدولة العثمانية، حيث رأى في الدولة العثمانية دولة الخلافة، ضرورة لازمة لوحدة الأمة، والدفاع عن كيانها، وأنه لابد من معاضدتها والوقوف بجانبها، رغم ماكان يعتقده في الأصل من أن الخلافة تكون بيد قرشي، ومع هذا فإنه لم يشأ أن يثير موضوع الخلافة من هذه الناحية، لأنه يعلم يقيناً أن إثارة هذا الموضوع معناه فتح باب للنزاع لايعود إلا بضرر على السنوسية وعلى المسلمين أجمع، ويبدو أنه اعتبر من الأحداث التي عاصرها في صراع حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب مع الدولة العثمانية واقتنع بأن أخف الضررين في هذه المسألة الحية الواقعية في عدم معادات الدولة العثمانية ولذلك نجد أن السنوسي يعمل على توثيق علاقته بحكام الأقاليم الليبية في طرابلس، وفزان وبنغازي، وتولدت علاقة وثيقة بين الولاة العثمانيين وابن السنوسي مبنيّة على الاحترام، والتقدير، فقد جاء في رسالة بعث بها ابن السنوسي لوالي طرابلس محمد أمين باشا بعد تأسيس الزاوية البيضاء:(ثم إننا نحن وعصابة المهاجرين بحمد الله في عافية وماذكرتم من كونكم الى لقائنا بالأشواق وأخذكم من عهود الود بأشد وثاق، فهذا محقق لدينا، وواجب المكافة علينا، ويؤكده دوام اعتنائكم بنا وبأصحابنا وملاحظتكم لنا وشفقتكم علينا ، وتوصيتكم أتباعكم على ما يتعلق بمحلنا من خدمة وعمارة ، وغير ذلك مما لايقدر على مكافأتكم عليه إلا الله سبحانه، هذا مع بعد المسافة واشتغالكم بمصالح الدولة العلية وقيامكم بأعباء سياسة الرعية ، فإن هذه الزاوية وإن نسب إنشاؤها لمن قبلكم فإنما تمام أمرها واستمرار انتظامها بشمول نظركم، فأنتم لذلك منا بمرأى ومسمع، ومذكورون مع الحاضرين في كل مجمع... والأخوان المهاجرون دائماً لكم داعون) ثم يتحدث عن عمله وعمل الأخوان في نشر العلم وإقامة شعائر الدين ثم يقول: (ثم ماذكرتم من توجيه النجل الناجب الى ولاية بنغازي للقيام بمصالح الدولة السنية فنعم مافعلتم ونرجوا أن يكون على قدمكم في طرق السداد والرحمة للعباد ، فأوصوه بذلك، وادعوا له به فإن رضاء الحق في رضائكم عليه. ونحن والاخوان عليه راضون، وله راعون وبالسيرة الحسنة موصون. جعله الله وارث كمالكم بعد طول الاعمار، وجمع لكم بين عز هذه الدار وتلك الدار ... فنوصيكم وأنفسنا بوصية الله سبحانه للنبيين والمرسلين الأولين والآخرين. {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن أتقوا الله} وأن تتخلقوا بمحض الرحمة لعباد الله. قال العلي الشأن: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان...} وقال ذو الشمائل الحسنة: (عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة). الراحمون يرحمهم الرحمان. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. والجزاء من جنس العمل، وإنما هي أعمالكم ترد عليكم وكما يدين الفتى يدان، نسأل الله سبحانه لنا ولكم وللمسلمين أن يؤتينا من لدنه رحمة ويهيء لنا من أمرنا رشداً ويحل علينا رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده أبداً إنه جواد كريم. رؤوف رحيم وعلى جنابكم السلام وهو الختام)( ).
فالباحث يلمس وداً قوياً بين ابن السنوسي والوالي ، ويستنتج منه رضا الوالي وتأييده لحركة ابن السنوسي ونجد رسالة أخرى بعث بها ابن السنوسي الى محمد باشا صالح حاكم بنغازي يعهد فيها للوالي بمهمة رعايا الزوايا وحمايتها وإصدار الأوامر باحترامها وذلك قبل سفر ابن السنوسي للحجاز. وقد جاء في الرسالة: (... فلما حان سفرنا وجب علينا أن نرد الأشياء الى محلها والأمانات الى أهلها، وذلك أن هذه الزاوية التي حدثت بهمة حضرتكم ومنّة جناب والدكم (هنا بياض في الأصل) ... وكل من الزوايا حوله عربان وعلم جنابكم محيط بأحولاهم وتعدى بعضهم على بعض فضلاً عن غيرهم... وقد سيق من جنابكم وجناب الأكرم الوالد حمى حرمها وصيانة حرمها .. وإذا تأكد وشاع عن سفرنا ماهو الواقع من انتسابها لجنابكم، وعلم الجميع بذلك بعزيز خطابكم لا يستباح لها حصن ولا تحضر لها ذمة وتصير حرماً آمناً...)( ).
وهذه الرسالة وجهها ابن السنوسي الى حاكم إقليم فزان فقال بعد البسملة والديباجة الأولى: (ولدنا مصطفى باشا قائم مقام فزان حالاً. أدام الله بقائه وزاده عزاً وإجلال.
وبعد إهداء تحيات عطرة تليق بعزيز الجناب، ورفع أكف الضراعة مستمطراً وأكف الإنعام وسوابغ الآلاء مدى الدهور والأحقاب وأنه قد وصل مشرفكم الكريم. وحمدنا الله تعالى على ماأنتم عليه من الفضل الجسيم. وأسفر عن مكارمكم الفائقة ... باستنشاق ريا مننكم الرائقة إنكم للفضل أهل ولأعمال الصالحات مأوى ومحل إذان مقاصدكم كلها صالحة. وفضائلكم لدى الخواص والعوام واضحة وقد أخبرنا ولدنا الشيخ أحمد بن ابي القاسم التواتي عن جميع خيراتكم تفصيلاً. وتتابع ذلك منكم بكرة وأصيلاً. زادكم الله عزاً ورفعة وجعلكم تحت كنفه في عز دائم ومنعة. وأفاض عليكم من نوره الأسن، وأمدكم من فيوضاته المباركة الحسنى فأبشر بحول الله وقوته بالعز الأبدي والفخر الدائم السرمدي وقد وجهنا ولدنا الشيخ محمد بن الشفيع يذكر عباد الله في تلك الناحية. ويكون مقامه بزاوية (واو) حتى يرجع إليها الشيخ أحمد بن أبي القاسم التواتي لأن مرادنا أن يأتينا من هناك ببعض كتب غير موجودة في خزانتنا ويرجع إن شاء الله عاجلاً. وها نحن داعون لكم بصالح الدعوات في الخلوات والجلوات وأوقات الإجابات وعلى الله القبول وهو المرجو منه والمأمول وسلام السلام يخصكم ويعم سائر اللائذين بجنابكم( ).
ومن خلال الرسائل نستنتج أن ابن السنوسي استطاع أن يقيم علاقات متينة مع الولاة العثمانيين، ويبدو أن الحكومة العثمانية قررت أن تكسب ابن السنوسي لصفها، وخصوصاً بعد أن قدم للقبائل خدمات عظيمة في مجال الدعوة، والتعليم، والارشاد، وعالج ظاهرة خروج القبائل عن الدولة بحكمة نادرة، فكانت القبائل تقبل نصائح ابن السنوسي ويطيعون العثمانيين بناءً على توجيهاته، ولذلك تركت الدولة الدواخل في يد الحركة السنوسية، وبدأت الحركة تتحول الى إمارة منضوية تحت لواء الخلافة العثمانية وقام ابن السنوسي بأرسال مندوباً عن الحركة السنوسية الى استانبول وقام بهذه المهمة الشيخ عبدالرحيم المحبوب شيخ زاوية بنغازي حيث قابل السلطان عبدالمجيد وحصل منه على (فرمان) عام 1856م يعفى ملاك الزوايا من الضرائب ويسمح لها بجبي نقود من أتباعها، ونخرج من ذلك كله بأن علاقة ابن السنوسي بالدولة كانت طيبة وحسنة طول إقامته الأولى في برقة. وقد أشار صادق المؤيد لهذا الفرمان الذي لم نعثر على صورة له. ثم سافر الشيخ أبو القاسم العيساوي من طرابلس إلى استانبول وحصل على (فرمان) آخر من السلطان عبدالعزيز يؤكد الفرمان الأول، وآتى به إلى حاكم طرابلس( ).
وقد وجد المؤرخ أحمد الدجاني في دار المخطوطات في طرابلس (مرسوم ولائي) من والي طرابلس إلى متصرف الجبل يؤكد على ماتحصل عليه أبو القاسم العيساوي من فرمان من استانبول وقد جاء فيه بعد التحية " وبعد فإن الشيخ العالم ... السيد الحاج بلقاسم العيساوي دام موقراً مرعياً بيده أوامر من أسلافنا الوزراء العظام تشعر بكونه أتى بفرمان عالي الشأن في تعظيمه وإجلاله وتوقيره واحترامه لما تحقق من حسن سيرته وخلوص طريقته وسريرته وفضله وسلوكه مسلك استاذه ذي الهداية والإرشاد موصل السالكين لإدراك المراد، صاحب المقام الأنور الباهر، والنسب العالي الطاهر والكرامات والأسرار السابقة في جميع الأقطار، عين أعيان الأخيار محمد بن علي السنوسي الخطابي الإدريسي ... كما تشعر بأنه أسس زاوية باسم استاذه المشار إليه، قاصداً بذلك نشر العلوم وتعليم أولاد المسلمين وظهور طريقة الاستاذ ليعم النفع والإرشاد، كما تشعر بأن يكون من سائر المأمورين ورفع مقامه وزيادة تعظيمه واحترامه والنظر إليه بعين الكمال والوقار والإجلال ووقاية الطلبة والمهاجرين بالزاوية المذكورة .. وعدم التعدي على الزوار الوافدين عليها .. وإجراؤه هو ووالده وإخوته على ماهم عليه وأن لايقاسون بغيرهم من حيث المطالبة الميرية والاعشار الشرعية وأن لايطالب بميري ولا أعشار ..)( ).
إن ابن السنوسي استطاع أن يصل إلى أهدافه، وأن يوسع نفوذ دعوته، ويكسب معاضدة الدولة العثمانية له سواءاً عن طريق باشواتها في ليبيا أو السلاطين العثمانيين في استنبول، فقد استطاع أن يتحد مع الدولة العثمانية في السعي الدؤوب من أجل تحقيق أهداف الإسلام الكبرى، وقد نظر ابن السنوسي إلى دولة الخلافة، كواقع موجود لاتسمح الظروف بتغييره، بل الصواب العمل على الحفاظ عليه وعدم الاصطدام به، لذلك جعل علاقته بها طيبة. أما الدولة العثمانية فكانت ترى في الحركة بعض الفوائد استطاعت تحقيقها، كما أن الحكام العثمانيين اقتنعوا أن ابن السنوسي لم يكن يطمع في الخلافة، وقد سئل ملك ليبيا السابق محمد ادريس السنوسي هل كان جده يهدف إلى إقامة دولة إسلامية؟ فأجاب بالنفي وذلك لأن جده ماكان يريد الاصطدام بالدولة العثمانية التي وقفت منه موقفاً طيباً عندما أعفى السلطان عبدالمجيد الإخوان من دفع الأموال الأميرية، ولأنه كان يخشى أن يكون حاكماً لأن الحاكم يظلم أحياناً وهو يعلم وأحياناً دون أن يعلم( ).
إن ابن السنوسي مع قناعته بأحقية القرشي بالخلافة لم يَر إثارة موضوع الخلافة، لأنه رأى أن ذلك من غير المناسب وليس من مصلحة المسلمين إثارة مثل هذا الخلاف، ولذلك ركز على جوانب الإصلاح الأخرى، فصار هدفه إيجاد مجتمع مسلم يتألف من أفراد فهموا الإسلام وتربطهم شريعة الله، وذلك حتى يستطيع هذا المجتمع أن يقوم بواجباته نحو الإسلام، من رد الاعتداء، وإقامة شرع الله، ودعوة الناس إلى الإسلام ... ولابد وأن ينتهي الأمر بإصلاح السلطة وحل مسألة الخلافة.
وقد اختار ابن السنوسي طريق التعليم والإرشاد طريقاً لإصلاح المجتمع( ) ولذلك كانت خطواته الحركية والدعوية محسوبة، فلم يصدم بالدولة، ولا بالعلماء، ولا غيرهم وإنما سعى لتحقيق أهدافه بالوسائل السليمة، وأقام زوايا لتكون بمثابة خلايا حية، تمتد منها الحياة إلى سائر جسم الأمة الإسلامية( ).
إن ابن السنوسي لم يترك فرصة تمر إلا واتخذها لتعزيز مركز دولة الخلافة والأخذ بيدها، وكان يرأى أن طرق الاقناع هي خير الوسائل لبلوغ الأهداف السامية، ولم يستعن ابن السنوسي بأي دولة أجنبية، أو تعاون مع أي منها، أو ترامى في أحضانها، أو قام بتشجيع الثورات التي لاتأتي بفائدة مرجوة للمسلمين.
إن خطواته الدعوية الحكيمة قد اغضبت بعض العاطلين من الحكام والجامدين من العلماء، والمفكرين من دهاة الاستعمار ودعاته، واستطاع ببعد نظره، وحكمته أن يتغلب عليهم، وأن يرسم خطوطاً متينة سار عليها اتباعه من بعده( ).
وقد تكلمت جريدة ( الماتين الفرنسية ) عام 1912م، عن البعد السياسي عند ابن السنوسي فقالت: " لم يكن مجئ السنوسيين إلى طرابلس وتوطنهم فيها من قبيل المصادفات والاتفاق، فهؤلاء أدركوا من زمن طويل أن الأوربيين سيستولون على طرابلس الغرب بعد استيلائهم على الجزائر، ومراكش، فأرادوا أن يقعوا وراء ساحل طرابلس كالبنيان المرصوص ليدافعوا عن بيضة الإسلام عندما تطلق أوربا أساطيلها بسهولة على تلك السواحل"( ).
لقد كان ابن السنوسي لايفرق بين الدين والدولة، بل كان يرأى أن الدين والدولة كل لايتجزأ، ولهذا كانت نظرته إلى الحياة نافذة، استمدها من دينه الذي يدعو إلى الشمول ولو كان البعد السياسي غائباً عن ابن السنوسي، لما حاربته حكومة السلطان مولاي سليمان في مراكش، ولما ناصبه العداء حكام الجزائر، ولما أوجس منه حاكم مكة خيفة، ولما تحرش به بعض علماء مصر، ولما اهتمت بشأنه دولة الخلافة، ولما فزعت منه دول الإستعمار رعباً وفي مقدمتها فرنسا، ولو كان كمثل شيوخ الطرق الصوفية التقليدية لبقى معززاً محترماً ولعاش عيشة الخنوع والإستسلام( ).
يقول الاستاذ عباس محمود العقاد (وكان الشيخ السنوسي- بخلاف الغالب على مشايخ الطرق - خبير بأحوال السياسة العالمية فوقر في ذهنه أن النابلطان أي الإيطاليين مغيرون لامحالة على برقة في يوم قريب فأوغل بمقامه إلى واحة الكفرة على طريق السودان ليشرف من ثم على تعليم أهل الصحراء جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً ويهيئ في جوف الصحراء ملاذاً لمن تقصيهم غارات المستعمرين على السواحل ومدن الحضارة)( ) لقد اعتبر الأوربيون الحركة السنوسية عقبة كأداء في طريق تحقيق أهدافهم الإستعمارية، ولهذا نجد الكاتب الفرنسي دوفريه في غير اعتدال يصاب بحمى الهذيات، فيقول إن السنوسية خطر عام، خطر على أوربا، وخطر على الدولة العثمانية، وخطر على شمال إفريقيا وخطر على مصر( ).
أما السياسي الفرنسي المعروف المسيو هانوتو فيقول : (لقد أسس الشيخ السنوسي في جبهة ليست بعيدة عن الأصقاع التي تلي أملاكنا في الجزائر وطرابلس وبنغازي مذهباً خطيراً له أتباع وأنصار متعددون، ومقر هذا الشيخ بلدة جغبوب الواقعة على مسيرة يومين من الواحة التي كان قائماً بها هيكل البرجيس آمون : الى أن قال: ومن مذهب الشيخ السنوسي وأتباعه التشديد في القواعد الدينية، ولقد لبثوا زمناً طويلاً لايرتبطون بعلاقة مع الدولة العثمانية غير ان هذا لم يمنع السنوسيين من مد حبل الدسائس التي أوقفت بعثاتنا عن كل عمل مفيد لفرنسا في افريقيا الجنوبية، ولم يكن الأمر قاصراً على وسط القارة الأفريقية فإنه يوجد بالاستانة نفسها والشام وبلاد اليمن وكذلك مراكش عصابات خفية ومؤامرات سرية تحيط بنا أطرافها، وتضغط علينا من قرب ويخشى أن تعرقلنا إذا ما أغمضنا الطرف عنها( ).
وقد وصف الفرنسيون اتباع الحركة السنوسية بانهم أشد صلابة من الحجر الصلد( ).
واستدل العلامة محمد رشيد رضا على صدق الحركة السنوسية بما كانت تقوم به فرنسا من عداوة ومحاربة لهذه الحركة الى الصوفية التي اقضت مضاجعها، ولم تكتم فرنسا رغبتها في القضاء على شيخ السنوسية واستئصال قوته( ).
وقد امتدح محمد رشيد هذه الحركة بقوله: (استطاعت دولة فرنسا إفساد بأس جميع الطرائق المتصوفة في افريقية واستمالة شيوخها بالرشوة إلا الطريقة السنوسية)( ).
إن البعد السياسي عند ابن السنوسي، يتضح للباحث في حملة التوعية التي قام بها ضد الغزو القادم للأمة من قبل الأوروبيين، وتنظيمه للزوايا، وتعبئة الأنصار؛ بغرس الثقة في دينهم وعقيدتهم ، والثقة بقيادتهم ، وتأخير الصدام مع الأوروبيين حتى يكتمل البناء.
وتحدث آدمز عن ابن السنوسي وختم كلامه قائلاً:( وعلى أية حال فإن ابن السنوسي كان يتمتع بقدرة تنظيمية غير عادية، وبحس عملي دقيق للأحداث)( ).
ووصفه ستودار بأنه (كان رجلاً شديد الهيبة، بعيد الهمة، عظيم الاقتدار على التنظيم والاصلاح)( ).
وقال فيه المؤرخ التركي أحمد حلمي : (إن من يمعن النظر في عظمة المقتصد وجلالته وفي قدرة الوسائط وفقدانها وجسامة المشكلات التي اقتحمها المؤسس وقاسها على الجمعيات الأوروبية والشرقية لايمكنه إلا أن يقف موقف الدهشة أمام عظمة هذا الرجل وبعد غور دهائه)( ).
أما محمد الطيب يقول في شخصية ابن السنوسي: (أمة قوية لا يتطرق إليها الضعف والوهن، فكان عدواً للجهل وخصماً للاستكانة ، وضداً للأفكار العقيمة)( ).
أما الزعيم الليبي السياسي الكبير بشير السعداوي فيقول: (مهما أوتي المؤرخون والكتّاب والشعراء من قوة في البيان وابداع في البلاغة وهو يتناولون الحقائق عن سيرة السيد السنوسي وأهدافه السامية التي يرمي إليها وقد حقق جزءً منها، فلا يستطيعون ايفاء المقام حقه ولن يصلوا الى معرفة هذا المصلح الاسلامي العظيم ، كما ينبغي وكلما توالت الأيام والسنون، فهي تثبت لنا عظمة السنوسي، ونبل مقاصده السامية التي تصلح من شأن المسلمين)( ).
وأما سالم بن عامر فيصف السنوسية فيقول : (هي طريقة أسست على حكمة علمية واجتماعية وأن أسس هذه الجمعية السنوسية هي الأخوة والتعاون الى أن يقول إن الجمعية السنوسية مع أنها طريقة مخصوصة فهي جمعية سياسية أفكارها ومقاصدها معلومة لدى خواص الاخوان والخلفاء، والمشايخ والزعماء...)( ).


الفصل الثاني
اسلوبه الدعوي، وثروته الفكرية، وصفاته الربانية

المبحث الأول
الاسلوب الدعوي عند ابن السنوسي

كان أسلوب ابن السنوسي في الدعوة الى الله مستمداً من كتاب الله وسنة رسوله  ومن رسالته الى شيخ زاوية المدينة ابن الشفيع نلاحظ ذلك حيث قال : (...وحسنوا أخلاقكم ولينوا جانبكم للكبير والصغير، قال تعالى: {وقولوا للناس حسناً} وقال جل وعلا : {ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} وقال  : ارفقوا فإن الرفق ماكان في شيء إلا زانه وأن الحمق ماكان في شيء إلا شانه، وارفعوا همتكم عن الخلق)، وقال  : ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس عليكم بالمناصحة والمذاكرة وارشاد عباد الله إليه والمدارسة والاجتماع والتحابب والتوادد فيما بينكم، ولا تباغضا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله اخوانا وعلى البر أعوانا)( ).
ولذلك نجد دعاة الحركة السنوسية يتخذون الرفق واللين في دعوتهم منهجاً، وتعلموا ذلك من مؤسس الحركة ونلاحظ ذلك في عدة أمور منها:
أولاً: التعامل مع الطرق الصوفية:
تميز زعماء الحركة السنوسية بحنكة سياسية من حيث تجنب الاصطدام مع الطرق الصوفية في ليبيا، والحجاز، ومصر، وغيرها ، فبدلاً من كسب عدائهم، عملوا على احتوائهم، وشيئاً فشيئاً ذابت بعض الطرق في ليبيا في بوتقة الحركة السنوسية، وبقيت الطريقة الصوفية المدنية تتمتع بنفوذ محدود لدى قسم القبائل البدوية( )، وكانت معاملة السنوسية لباقي الطرق فيها رفق وتسامح ونصح، واستطاعت أن تبين لأتباع الطرق الأخرى الأخطاء التي وقعت فيها، كالغناء، وهز وضرب الدفوف، وسارت بمنهجية حكيمة حتى استطاعت أن تهيمن على البوادي، والواحات، والمناطق الداخلية، وأصبح ولاء تلك الأماكن لفكر الحركة السنوسية، وأصبح نشاط الطرق الأخرى محصوراً في المدن، كبنغازي، وطرابلس وغيرها، بعيدة عن الصراع السياسي العالمي، بعكس السنوسية التي استطاعت أن تصبح حركة سياسية مؤثرة، ومن أشهر الطرق الصوفية في ليبيا، العروسية، العيساوية، القادرية، المدنية، السعدية والطيبية، والعزوزية( ).
ثانياً- التعامل مع العبيد من الأفارقة:
كان ابن السنوسي يهتم اهتماماً كبيراً بدعوة القبائل الوثنية في افريقية، فمن وسائله في نشر الإسلام بقلب افريقية، أنه اشترى مرة قافلة من العبيد، كان المستعمرون قد خطفوهم ليعرضوهم في سوق الرقيق، ولكن ابن السنوسي اعتقهم جميعاً وأكرمهم وعلمهم الإسلام، وبث فيهم حبه وتقديره، ثم تركهم ليعودوا إلى قبائلهم وذويهم دعاة يتحدثون عن طغيان المسيحيين وبر المسلمين، فكانوا دعائم مهمة لنشر الإسلام بين أهليهم وقبائلهم( )، وكان يشتري العبيد من القبائل التي كانت تغير على القوافل، وعمل على دعوة القبائل إلى الإلتزام بالإسلام، وتخليص العبيد من العبودية وكان ابن السنوسي يشرف بنفسه على تربيتهم وتعليمهم ثم يرسلهم إلى قبائلهم، ودعوة الزنوج إلى الإسلام، وبفضل الله ثم هذا الأسلوب، أصبحت قبائل ( واداي في تشاد يرسلون أبنائهم لتعلم الإسلام في الجغبوب وغيرها من الزوايا السنوسية )( ).
ثالثاً- التعامل مع القبائل وتوظيفها للدعوة:
اهتم ابن السنوسي في دعوته بزعماء القبائل، واستطاع أن يحول منهم دعاة إلى الله، كما رأينا في سيرة مرتضى فركاش، وأبو بكر بوحدوث وغيره، واهتم بتوصيل الدعوة إلى الإحياء البدوية، ونظم أمر الدعاة المكلفين بهذه المهمة، وحرص على أن يضرب أروع الأمثلة في العفة، والاستغناء عما في أيدي الناس من متاع الدنيا، وقام بإرسال الكثيرين من المرشدين والوعاظ إلى مواطن البدو البعيدة، فكان يرسل بعض إخوانه إلى جهات خاصة، ويحدد لهم مدة عملهم ثم يرسل بمن يخلفهم، ليعود الأوائل لأخذ الراحة.
وكانت احدى البعثات مؤلفة من السيد مرتضى فركاش، حسين الغرباني، فقاما بالدعوة إلى الله بين القبائل، ومن شدة فرح البدو بهم أهدوا إليهم هدايا من الأبل والبقر والغنم، ولما أكملوا مدتهم ورجعوا إلى ابن السنوسي، وعلم بما حدث احمر وجهه، وظهرت على وجهه علامات التأثر، وقال لهما ماجئت لاجمع مالاً ولا لأرغب الدنيا ولم أرسلكما لتجمعا لي مالاً ولكنني جئت لأنشر علماً وديناً، فارجعا بكل ما معكما لتسلمانه إلى أصحابه بالعدد، وقال لدعاته: " لاتشقا على أحد ولا أود أن يتكلف أحد بضيافتكما فخذا أمتعتكما وكل مايلزمكما ولاتتقبلا من الأهالي شيئاً إلا (الزبدة) واللبن (الممخوض).
وقام الشيخان مرتضى فركاش، وحسين الغرياني، بإرجاع الهدايا إلى أصحابها، فكل من يعطيانه ماكان جاد به يتكدر ويتأثر ويقول لعل ابن السنوسي رفض قبول ماقدمته لشيء في نفسه عني، فيقنعانه بأن ابن السنوسي تمام رضاه في أن تقبل ماجدت به وأن ترسل بابنك إلى الزاوية ليتعلم وان تحضر معنا دروس الوعظ والإرشاد( )، وانتشر بين البدو أن ابن السنوسي أمر دعاته بأن لايشقا على أحد في اكرامهما، فتحايل البدو في إكرام الدعاة إلى الله، فأسلوب ابن السنوسي لم يقتصر على الزوايا، بل أرسل الدعاة إلى القبائل البعيدة لتعم دعوة الإسلام المباركة كل الناس( ) واستطاع ابن السنوسي أن يقنع القبائل البدوية بأهمية الدعوة إلى الله، وخصوصاً تلك التي كانت تتعامل في التجارة مع وثنيي افريقيا لنشر الدعوة هناك، ومن أشهر تلك القبائل التجارية الصحراوية، أولاد سليمان، الطوارق، التبو، المجابرة، الزوية
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الأربعاء 1 محرم 1429هـ/9 يناير 2008م/15:27

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لك الحمد والثناء والشكر كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رابعاً: ضرب الأمثال عند ابن السنوسي:
استخدم ابن السنوسي وسيلة ضرب الأمثال في أسلوب دعوته وقد استنتج هذه الوسيلة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، قال تعالى: { إن الله لايستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيرا ومايضل به إلا الفاسقين } (البقرة، آية: 26)، وإن لضرب الأمثال في القرآن الكريم، والسنة فوائد كثيرة ومنافع جمّة منها:
1- تقرير الحقائق تقريراً واضحاً جلياً.
2- تقريب المراد وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع.
3- تشويق السامع وترغيبه إلى الإيمان والخير والحق المعروف والفضيلة.
4- تنفير السامع وترهيبه من الكفر والشر والباطل والمنكر.
5- تذكير السامع ووعظه ليعتبر وينزجر.
6- تشبيه شيء بشيء في حكمه وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدهما بالآخر.
7- تأتي لإثارة الانفعالات المناسبة للمعنى المراد، وظهور ذلك على وجه السامع، ولذا فقد اختير لها لفظ الضرب، لأنه يأتي عند إرادة التأثير وهيجان الانفعال، كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعاً ينفذ تأثيره وأثره إلى قلبه وينتهي إلى أعماق نفسه( ).
ولذلك استخدم ابن السنوسي ضرب الأمثال في الدعوة والإرشاد والوعظ والتذكير التي تؤثر في القلوب والنفوس أثراً بليغاً في قبول الدعوة، وتوصيل المفاهيم إلى الناس ومن ذلك حديثه للاخوان أثناء بناء الجغبوب حيث كان يشرف بنفسه على العمل ويخطط بناء السور على شكل مربع ثم يخاطب الحاضرين فيقول لهم:
" الطير له عقل أم لا؟ فقالوا: لا عقل له. فقال: هو لايضع بيضه إلا فوق جبل شامخ حتى لايلحقه ذيب، ولاثعلب ولاغيرهما. وقال: اليربوع له عقل؟ فقالوا له: لا. فقال: هو يجعل في حجره طربقة: وهي النافقاء، فإذا دخل عليه الحنش الأسود عليها من هنا وقال "تلقونها احسن المحلات إذا أتى الحنش الأسود عليها من هنا" وأشار باصبعه السبابة من المشرق إلى المغرب "( ).
ويلاحظ الباحث أن ابن السنوسي استخدم لغة الحوار والاستجواب وفي هذا الأسلوب دعوة للتفكير، وتشجيعاً على المناقشة وتعويد الإخوان على العطاء والمشاركة وإبداء الرأي، وإن هذا الأسلوب في الحوار والمناقشة يثير الانتباه لتلقي المعلومات، ويذهب السآمة، ويزيل مايصيب النفس من ملل نتيجة الإلقاء الطويل، ويشوق الذهن، وينشط العقل لمواصلة السعي، وبهذا الأسلوب استطاع ابن السنوسي أن يركز على بعض الحقائق لترسيخها في النفوس وتثبيتها في القلوب وتحذير اخوانه من الخطر الداهم على بلادهم، والدعوة للإستعداد لمواجهة هذا الخطر.
لقد أشار إلى مجئ الطليان في قوله إذا أتى الحنش الأسود عليها من هن.
خامساً: استخدام القصة عند ابن السنوسي:
إن من طبيعة النفوس البشرية إذا خوطبت تلقائياً بكلام نظري مجرد يتبع آخره أوله، فإن جهدها التفكيري يضعف، واستعدادها النفسي يذبل، فلا تعود تعي أو تفهم شيئاً مما يقال لها، ولذلك استخدم ابن السنوسي الأسلوب القصصي في تجسيد الأحداث على شكل أشخاص، يتحرك معها القلب، وتنشط لها الآذان والعقول، فهي تثير الانتباه والحواس لمتابعة أحداث القصة. ماذا سيحدث؟
إن القصة تعتبر من أنجح الأساليب للتقويم والنصح والإرشاد، فأسلوبها له تأثيراته النفسية، وانطباعاته الذهنية، وحججه المنطقية والعقلية في نفوس المدعوين، فهي تستولي على قلوبهم استيلاءً أشبه بالقهر وماهو بالقهر، وأفعل من السحر وماهو بالسحر لمالها من سرعة نفاذ، وقوة تاثير، واستمرار أثر( ).
إن الغرض الأكبر من الأسلوب القصصي للدعاة، أخذ العبرة والعظة، قال تعالى: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ماكان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } (يوسف، آية: 11).
ولذلك كان ابن السنوسي يكثر من استخدام القصة لتفهيم اخوانه واتباعه، باعتبارها أسلوباً مهماً، ووسيلة تعليمية ناجحة، ومن ذلك قصة حكاها لابنه وإخوانه يبين لهم فيها أهمية القيادة في الجماعة، وضرورة المحافظة على القائدالذي هو بمثابة الرأس من الجسم والقصة كما قالها محمد المهدي السنوسي: " كنت جالساً مع سيدي  وتكلم معي طويلاً في الرحلة مقبلاً لجهة الجنوب ثم حكى لي حكاية بأنه كان كبير قوم ارتحل هو وقومه من مكان إلى مكان، فبينما هم في أثناء الطريق وإذا بالعدو قد ظهر عليهم فالتفتوا إلى جميع الجهات ينظرون ملجأ يأوون إليه، فلما لم يروا شيئاً قالوا لم يبق إلا القتال، وكبير القوم معه ولد، فصار الولد كلما رأى العدو آت من جهة حوّل أباه إلى جهة أخرى، فقال له بعض القوم: أنت ماشغلك إلا أبوك. قال لهم: نعم رجل كألف وألف خفاف كاف. فقال  صدق الولد، متى كان الرأس موجوداً، فالذي يذهب يأت الله بمن يكون مثله أو فوقه أو دونه "( ).
سادساً: استعماله للشدة في موقف الشدة:
كان الأصل في أسلوب ابن السنوسي استعماله اللين والرفق، ومعاملة الناس بالحسنى والتودد إليهم وكسب قلوبهم، ولكن في بعض الأحوال والظروف كان يستخدم الشدة لكونها أنسب، وأوقع، وأعمق أثراً، فكان يقدر للأمور قدرها ويعطي كل موقف حقه من اللين والرفق أو الشدة والحزم، قال الشاعر:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً
فليقس أحياناً على من يرحم( )
قال بعض المفسرين في قوله تعالى: { وقولوا للناس حسناً } (البقرة، آية: 83).
إن القول الحسن ليس هو عبارة عن القول الذي يشتهيه المدعو ويوافق هواه ويحبه بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعه به سواء حصل عن طريق اللين، والرفق أو الشدة والحزم، وعلى هذا قد تكون الشدة من القول الحسن( ).
لذلك كان ابن السنوسي ضابطاً لأتباعه يحسن توجيههم ولايتهاون في معاقبة المنحرف منهم. وقد حكى أحمد الشريف في رحلته عن أحد شيوخ الحركة واسمه المدني التلمساني، أنه كان مقدم احدى الزوايا في الصحراء " فثار بها للجهاد في كافر وأمه جاءا سائحين، الكافر يداوي الرجال وأمه كحالته تداوي النساء، فلم يشعرا إلا والمجاهد قد قام عليهما ومعه المعاون سيدي عبدالهادي الفاسي خرجا بسلاحيهما حامل غدرية عربية وبندقية قصيرة والمعاون متقلداً سيفاً قد أخرج من نصله قدر ثلاثة اصابع لارهاب العدو، فصادفا حاكم البلاد وهو تركي؛ فقال لهم القايم للجهاد: اليوم يخرج النصراني من البلاد، فقال له : امهله اليوم وغداً يخرج فقال المجاهد لابد أن يخرج اليوم، فتلطف التركي معه فلم يفد. فقال له: أنت مهبول ياسي الشيخ؛ فانتهره المجاهد فقال له: أنا مهبول يالحمار وخلفهما كل من قاربهما في الحال من أهل البلاد ثم جاء أكابر أهل البلاد وأرادوا تسكين هذه الثورة فما سكت إلا بشدة وقع فيها ضرب بعض المشايخ، ضربهم أصحاب القائم. وخرج النصراني وأمه في تلك الليلة. فلما وصل الخبر الى الاستاذ الجد أرسل إليهما فسبق المعاون فهجره أياماً حتى قدم القائم فخاصمهما وقال لهما: أنا ارسلتكما للقراءة والدلالة على الخير أو أرسلتكما حاكمين؟ ولم يرجعا الى محلهما)( ).
فهذه الحادثة تعطي للباحث فكرة عن ضيق افق مقدم الزاوية وعن موقف ابن السنوسي من انحرافه، وعن الاسلوب الذي اتبعه في عقابه؛ فهو يهجر المعاون أياماً دلالة على شدة غضبه ثم يخاصم الأثنين، ويبين لهما انحرافهما عن مهمتهما كدعاة ويعزلهما عن عملهما، وموقفه الشديد هذا لا يستغرب لان تصرفهما كان يخالف كلية خطة ابن السنوسي في الدعوة الى الله بالحكمة وعدم الاحتكاك بالسلطة( ).
سابعاً: من رسائل ابن السنوسي الدعوية:
كانت رسائل ابن السنوسي التي يبعث بها الى الأخوان أو لغير الأخوان ، تتجلى فيها شخصيته الدعوية، ففي رسالة بعث بها في محرم 1276هـ الى شيخ زاوية الطيلمون مصطفى المحجوب يقول موصياً الاخوان: (والوصية لكم بالوقوف في باب الله بالجد والاجتهاد، ودلالة الخلق الى سبيل الرشاد، بالقول والعمل ، والتخلي عن التواني والكسل، وابذلوا الوسع في حصاد الزرع والدراس والتحفظ عليه من التشتيت بأيد الناس، ومثلكم لا يؤكد عليه ولا يحتاج الى توصية فيما هو بين يديه، جعلك الله دليلاً للسعادة مراعياً قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} )( ).
فكان ابن السنوسي -رحمه الله- في هذه الرسالة يحث اخوانه على الجد والاجتهاد، ودعوة الناس الى سبيل الرشاد، بالقول والعمل، ويدعوهم الى ترك التواني والكسل، وأن يستعدوا للآخرة ، كأن آجالهم تأتي غداً ، والعمل للدنيا، كأنما يعيشون أبدا، ولذلك حثهم على حصاد الزرع ، والدراس، والتحفظ عليه من التشتيت بأيد الناس، ويطلب منهم الاحسان في أعمالهم الدنيوية والأخروية.
هذه بعض الخطوط العريضة التي تبين لنا أسلوب ابن السنوسي الدعوي.






















المبحث الثاني
الجانب الفكري عند ابن السنوسي من خلال كتبه

إن فهم أفكار ابن السنوسي يمكننا الوصول إليها من خلال مؤلفاته التي ضمنها آراءه في عدد من المواضيع، وهذا مهم لفهم الحركة السنوسية لم يستطع المؤرخون أن يحصروا عدد الكتب التي ألفها ابن السنوسي، ذلك أن الكثير منها فقد، وطبع بعضها، ولايزال البعض الآخر، كمخطوطات ، وحاول الدكتور محمد عبدالهادي شعيرة إجراء بحث عن (سيرة ابن السنوسي الكبير وفقد المصادر)( )، وقد اختلف مؤرخو الحركة في ذكر الكتب التي ألفها ابن السنوسي؛ فزيادة يذكر أن السنوسي الكبير كتب تسعة كتب أحدها كان شعراً)( )، أما محمد فؤاد شكري، فيذكر اسماء خمسة كتب مطبوعة وثلاثة لم تطبع( )، وأما الأشهب فيقول ثمانية كتب طبعت وتسعة لم تطبع( )، وأما اسماعيل باشا البغدادي في كتابه (هداية العارفين في اسماء المؤلفين وآثار المصنفين) نسب لابن السنوسي خمسة وثلاثين مؤلفاً بين كتاب ورسالة ذكر اسماؤها( )، ولقد ضاعت كتب كثيرة لابن السنوسي نتجة لاحتلال ايطاليا للكفرة، ونتيجة لاحتراق المكتبة في سلوك، وعلى أية حال فإن الكتب المطبوعة من مؤلفات ابن السنوسي هي:
كتاب المسائل العشر المسمى بغية المقاصد في خلاصة الراصد،
مطبعة المعاهد بالقاهرة: آخر 1353هـ.
السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين: وهو بهامش الكتاب السابق.
المنهل الروي الرائق في أسانيد العلوم وأصول الطرائق،
الطبعة الاولى 1373هـ/1954م مطبعة حجازي القاهرة.
إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن ،
الطبعة الاولى 1357هـ/1938م مطبعة حجازي القاهرة.
الدرر السنية في اخبار السلالة الادريسية،
الطبعة الاولى 1349هـ مطبعة الشباب بالقاهرة.
الطبعة الثانية 1373هـ مطبعة الشباب بالقاهرة.
رسالة المسلسلات العشرة في الأحاديث النبوية،
1357هـ مطبعة الشباب القاهرة.
رسالة مقدمة موطأ الإمام مالك،
الطبعة الأولى 1374هـ مطبعة الشباب القاهرة.
شفاء الصدر بأري المسائل العشر( ) (الأري: العسل)
1360 مطبعة المحمودية.
أما الكتب التي لم تطبع وورد لها ذكر في الكتب المطبوعة مما يؤكد وجودها فهي:
1- الشموس الشارقة في أسانيد شيوخنا المغاربة والمشارقة :
ورد ذكره في (المنهل الروي) ص6 يسميه ابن السنوسي (فهرستنا الكبرى)، وورد ذكره أيضاً في هدية العارفين تحت اسم (الشموس الشارقة في تراجم مشايخي المغاربة والمشارقة).
2- البدور السافرة في عوالي الأسانيد الفاخرة:
ورد ذكره في (المنهل) صفحة 6 وهو فهرسة صغرى منتخبة من الكبيرة.
وورد في هداية العارفين بعنوان (البدور السافرة في اختصار الشموس الشارقة).
3- الكواكب الدرية في اوائل الكتب الأثرية:
ورد ذكره في (المنهل) صفحة 7.
وورد في هداية العارفين بنفس العنوان مجرداً من (ال التعريف). وهو كتاب يتناول ذكر الكتب التي درسها ابن السنوسي، وأسماء العلماء الذين أخذ عنهم. وقد ذكر مؤلفه ابوابه في كتابه (المنهل) باعتباره سار على نهجه في تأليفه.
4- سوابغ الأيد بمرويات ابي زيد:
ورد ذكره في (المنهل) وفي هداية العارفين. وموضوعه فهارس المشايخ الذين درس عليهم ابن السنوسي.
5- رسالة جامعة في أقوال السنن وأفعالها، وهي منظومة توجد -كما يقول الأشهب- بمكتبة الملك. ولا يرد لها ذكر في (هداية العارفين).
6- هداية الوسيلة في اتباع صاحب الوسيلة
وهي منظومة وتوجد بمكتبة الملك. وقد وردت في (هداية العارفين).
7- طواعن الأسنة في طاعني أهل السنة.
8- رسالة شاملة في مسألتي القبض والتقليد، ويقول الأشهب أنها موجودة بمكتبة الملك.
9- رسالة السلوك، موجودة بمكتبة الملك، وردت في هداية العارفين بعنوان (منظومة السلوك....).
10- شذور الذهب في محض محقق النسب، موضوعة تاريخ اسلاف ابن السنوسي( ).
هذه أهم الكتب التي ألفها ابن السنوسي وقد شملت هذه المؤلفات عدداً من المواضيع، وكان أكثرها يتناول مباحث فقهية وصوفية، وفيها كتاباً أو كتابين يتناولان مواضيع تاريخية، ونكتفي بأختيار نماذج من تأليفه لنسلط عليها الأضواء ونأخذ فكرة شاملة عنها:

أولاً: المنهل الروي الرائق في أسانيد العلوم وأصول الطرائق:
إن هذا الكتاب يعطي الباحث فكرة عن العلوم التي درسها ابن السنوسي، والطرق التي تعرف عليها، والعلماء الذين أخذ عنهم في الحالين، ويظهر من عرض الكتاب أن ابن السنوسي كان بحراً في العلوم، وأن دراسته جمعت الجانبين الفقهي والصوفي( )، وقد بين سبب كتابة هذا الكتاب فقال: (فقد وقع الاجتماع في بعض ماقدر لنا من الرِّحل حال الترحال من محل الى محل بجماعة وافرة وعصابة فاخرة ذوي علوم زاخرة، وخيم عاطرة، فكم فيها جهابذة نحارير وأئمة نقد فائق التحارير مابين مريد السلوك الى عرفان مالك الملوك، ومريد الأخد والاجازة رائم التبرك بأسانيد من أجازه، في أقطار واسعة برحابها الشاسعة منهم زمر بنواحي الأعراض وأطراف الجريد وآخرون بطرابلس الغرب وآخرون مراسلون من تونس وما حواليها من البلاد ... وآخرون بالمعمور من زوايا برقة القافرة .. فحصلت بيننا وبين من أمكن الاجتماع به منهم المؤاخاة الأكيدة والخلة السديدة مع تواتر المزاورات ولذيذ المحاورات؛ فتشوقت إذا ذاك انفسهم الزكية.. الى الأخذ والإجازة بما لها من القوانين المستجازة؛ فطلبوا لذلك من هذا العبد الحقير ، البائس الفقير الأجازة والإخبار بجميع مروياته؛ وما وصل إليه من هذا الشأن ولا من فرسان ذلك الميدان. بل لا أرى نفسي أهلا لأن يجاز فضلاً عن أن يستجاز كما قيل :
فلست بأهل إن أجاز فكيف أن
أجيز ولكن الجنون فنون
ولكنهم لعظيم فضلهم وعلو مكانتهم، وجزالة قدرهم، وشغوف استكانتهم، لايستطاع ردهم، ولا يخيب قصدهم ، فكان كالمسوغ لذلك الخطب الهائل، لعاري الأهلية ذي الجيل العاطل؛ تمثلاً بما قيل:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام رباح
إذ مالايدرك كله لايترك قلّه، استرواء بالثمد الضنين عند فقد المعين ويرحم الله القائل:
لعمر أبيك ما نُسِبَ المعُلاّ
الى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت
وصُوّح نبتها رُعى الهشيم
وما أشبه الحال بقول القائل:
إذا غاب ملاح السفينة وارتمت
بها الريح يوماً دبرتها الضفادع
ثم يقول ، فاستخرت الله تعالى واجزتهم بجميع مايصح لي وعني ورايته( ).
إن الكلام السابق الذي ذكرته يدل على تواضع ابن السنوسي وهضمه لنفسه، وحبه لأخوانه وتلاميذه،
إن ذلك الكتاب فيه اثنى عشر باباً في أشهر الكتب في شتى العلوم، ومقدمة، وخاتمة، ويعطينا فكرة واضحة عن العلوم التي درسها، وقد أخذ ابن السنوسي أسانيد الكتب الأئمة العشرة عن شيوخه، وهي ، موطأ الإمام مالك، ومسانيد الأئمة الثلاثة، مسند الامام أبي حنيفة، ومسند الامام الشافعي، ومسند الامام أحمد، والكتب الستة، صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي المـجتبي ، وسنن ابن ماجة، وفي الباب الثاني ذكر بعض مشاهير السنن وهي عشرة، سنن الامام الشافعي، وسنن أبي عثمان سعد بن منصور الروزي البلخي الخراساني، وسنن النسائي الكبرى وسنن الكشّي، وسننا البيهقي الكبرى والصغرى، وسنن الدراقطني ، والسنة للحافظ أبي بكر الضحاك، والسنة للحافظ أبي القاسم هبة الله الطبري، والسنة للامام أحمد بن حنبل وثالث باب منه على بعض مشاهير المسانيد وهي عشرة، مسند أبي داود الطيالسي ومسند عبد بن حميد أبي يعلى الموصلي، ومسند ابن ابي أسامة، ومسند ابن الزبير الحميدي، ومسند الحميدي، ومسند الفردوس، ومسند ابن ابي شيبة، ورابع باب منه على بعض مشاهير الصحاح الزائده على الستة أو السبعة أو الثمانية السابقة وهي عشرة، صحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، صحيح الحاكم، وصحيح الاسماعيلي ، وصحيح أبي عوانة، وصحيح الدارمي ، وصحيح ابن نعيم المستخرجان علىالصحيحين البخاري ومسلم، وصحيح ابن الجارود، وصحيح الضياء المقدس المسمى بالمختارة، وخامس باب منه على بعض مشاهير المعاجم وهي عشرة، معاجم الطبراني الثلاثة، ومعجم أبي يعلى الموصلي، ومعجم ابن جميع الغساني ، ومعجم ابن قانع البغدادي، ومعجم الاسماعيلي ، ومعجم التنوخي، ومعجم الحاكم، ومعجم الصحابة للبغوي، وسادس باب منه على بعض مشاهير الجوامع وهي عشرة، جامع الاصول الرزين العبدري، وجامع الأصول لابن الأثير الجزري، وجامع عبدالرزاق الصنعاني، وجامعا السيوطي الكبير والصغير، وذيله وجامعهما للمتقي المسمى بكنز العمال الجامع للجامع الصغير، والذيل له المسمى بمنهاج العمال، والجامع المسمى بجمع الزوائد للإمام الهيثمي، والجامع المسمى بجمع الفوائد من جامع الأصول، ومجمع الزوائد لابن سليمان الروداني، والجامع المسمى بكتاب الاصول الى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول، وسابع باب منه على بعض مشاهير المختصرات وهي عشرة، مختصر جامع الأصول المسمى بتجريد الأصول للبارزي، ومختصر جامع الأصول أيضاً المسمى بتيسير الوصول للربيع الشيباني الزبيدي، ومختصره أيضاً لمحمد طاهر الصديقي الفُتّني ومختصر البخاري ومسلم، بالجمع بينهما للحميدي، ومختصر بهما بالجمع بينهما للصاغاني المسمى بمشارق الأنوار، ومختصر البخاري للشرجي، ومختصره للسندي، ومختصرهما ، ومختصر مسلم للمنذري، ومختصر مسلم للسلمي، ومختصر أبي داود للمنذري، وثامن باب منه على بعض مشاهير كتب الأحكام الجامعة وهي عشرة، كتابا الأحكام الكبرى والصغرى لعبد الحق الأشبيلي، وكتاب المنتقى لمجد الدين عبدالسلام بن تيمية الحراني، وكتاب الأموال للقاسم بن سلام الأزدي، وكتاب الآثار لمحمد بن الحسين الشيباني، وكتاب بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني، وكتاب الاعلام لشيخ الاسلام زكريا الأنصاري، وعمدة الاحكام لعبد الغني المقدسي والمصابيح للبغوي، ومشكاة المصابيح للخطيب التبريزي، وتاسع باب منه على بعض المشاهير كتب السير والشمائل وهي عشرة، الشفا للقاضي عياض، الخصائص الكبرى للسيوطي، كتاب الشمائل للترمذي، دلائل النبوة للبيهقي ، سيرة ابن هشام، تهذيب سيرة ابن اسحاق، تهذيبهما للسلمي، سيرتا ابن سيد الناس الكبرى والصغرى؛ الاكتفاء للكلاكي، سيرة الحلبي، المواهب اللدنية للقسطلاني، وعاشر باب منه على بعض مشاهير الأربعينات والأجزاء والمصنفات، فمن الأربعينات الأربعون للقاضي عبدالعزيز ابن جماعة الكناني، والأربعون النووية، والأربعون المكية، والأربعون الباجورية، والأربعون الشحامية، والأربعون الجوزفية، والأربعون الهاشمية، والأربعون المنذرية، والأربعون السلمية، ....ومن المصنفات ، مصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومصنف عبدالرزاق الصنعاني، ومصنف وكيع بن الجراحي، ومصنف حماد بن سلمة الرفعي، وحادي عشر باب منه على خمسة أنواع مشتملة على مايزيد على مائة كتاب...، وثاني عشر باب منه على نحو أربعين تفسيراً وهي على قسمين القسم الأول في تفاسير السلف مما غالبه مأثور، والثاني في تفاسير الخلف؛ فالأول، كتفسير ابن جريج الذي هو أول ماصنف في التفسير، وتفسير الامام مالك بن أنس رواية الجعابي، وتفسير السفيانين الثوري وابن عيينة، وتفسير الامام احمد، وتفسير ابن أبي شيبة ، وتفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن راهوية، وتفسير ابن مردويه، وتفسير عبدبن حميد، وتفسير وكيع، وتفسير أبي العالية، وتفسير مجاهد، وتفسير الضحاك، وأضرابهم؛ والقسم الثاني، كتفسير ابن عطية والقرطبي، والبغوي، والثعالبي، وتفاسير الواحدي الثلاثة، والكشاف للزمخشري، ومختصر للكواشي، وتفسير الديريني والبيضاوي ، والنسفي وأبي الليث السمر قندي ، والبكري، والقشيري، والحاتمي، والغزالي، والحداد، والغزنوبي، وأبي حيان البحر والنهر ، والجلالين، والدر المنثور للسيوطي ، وابن جُزَيّ والثعالبي، وأبي السعود وأضرابهم( ).
إن ابن السنوسي -رحمه الله تعالى- اجتهد في طلب العلم، وشد الرحال الى العلماء ، وقد ذكر في كتابه المنهل الروي الرائق، اسماء العلماء والشيوخ ، والفقهاء الذين أخذ عنهم، ولازمهم، ولقد كان على يقين راسخ أن الدعوة الى الاصلاح والنهوض بالأمة تحتاج الى العلم الرباني الذي هو ركن من أركان الحكمة ولذلك حرص على الوصول إليه، وطرق أسبابه والتي من أهمها:
أن يسأل العبد ربه العلم النافع، ويستعين به تعالى، ويفتقر إليه، وقد أمر الله نبيه محمد  بسؤاله أن يزيده علماً الى علمه( )، فقال تعالى: {وقل ربي زدني علما} (سورة طه ، آية 114).
ومنها : الاجتهاد في طلب العلم، والشوق إليه، والرغبة الصادقة فيه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وبذل جميع الأسباب في طلب علم الكتاب والسنة( )، وما أروع ما قال الشافعي:
أخي لن تنال العلم إلا بستة
سأنبك عن تفصيلها ببيان
ذكاء، وحرص ، واجتهاد، وبلغة
وصحبة أستاذٍ طول زمان( )
ومنها: اجتناب جميع المعاصي بتقوى الله تعالى فإن ذلك من أعظم الوسائل الى حصول العلم.
قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} (سورة الأنفال، آية 29).
ومنها: عدم الكبر والحياء عن طلب العلم، قال مجاهد: (لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر)( ).
ومنها، بل أعظمها ولُبُّها: الإخلاص في طلب العلم، قال  : (من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله -عز وجل-، لايتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)( ) يعني ريحها.
العمل بالعالم( ): لأن العلم لايكون ركناً من أركان الحكمة، ودعائمها إلا بالعمل، والإخلاص ، والمتابعة( ).
هذه بعض الاسباب التي اتخذها ابن السنوسي حتى وصل الى ما وصل إليه، وكان عظيم الاحترام للعلماء، ويرى لا وصول الى العلم النافع بعد توفيق الله إلا من خلالهم وما أجمل ما قاله السخاوي : (من دخل في العلم وحده خرج وحده) أي من دخل في طلب العلم بلا شيخ خرج منه بلا علم( ).
ثانياً : الدرر السنية في أخبار السلالة الأدريسية:
وهذا الكتاب ألفه ابن السنوسي في التاريخ، ويتحدث عن ملوك الأدارسة الذين حكموا المغرب، الدول التي أقاموها. وفي مقدمته يتحدث عن فضل علم التاريخ، فنقل ماقاله المقريزي: (لاخفاء أن معرفة علم التاريخ المشتمل على علم الأنساب من الأمور المطلوبة، والمعارف المندوبة، لما يترتب عليه من الاحكام الشرعية والمعارف الدينية، ...)( )، وذكر أن من الصحابة كان أبوبكر  نسابة قريش، ومن أعلم الصحابة في معرفة القبائل وأصولها، وفروعها، وتحدث عمن ألف في علم التاريخ. وذكر منهم؛ عبيد القاسم بن سلام، والبيهقي ، وابن عبدالبر، وابن حزم وغيرهم، ثم قال وذلك دليل شرفه ورفعة قدره)( ) وهذا الكتاب يحتوي على مقدمة وست دول، الدولة الأولى الفاسية وما في ايالتها، الدولة الثانية التلمسانية وما في نواحيها، الدولة الثالثة الغمارية وما في حكمها، الدولة الرابعة السبتية وما في حكمها، الدولة الخامسة الاندلسية وما في حكمها، الدولة السادسة الصحراوية وما في حكمها)( ) ثم اشار الى المراجع التي تعين الطالب على الإلمام بهذه الدول فقال : (وسترى لك واحدة بياناً شافياً على ما عند صاحب القرطاس والمغرب، ومافي العبر لابن خلدون التونسي، وما في سلاسل الفصول لابن خلدون التلمساني ومافي عمدة الطالب لابن عنبة)( ).
قام ابن السنوسي في هذا الكتاب بسرد أخبار هذه الدول، وتطرق الى تاريخ الفتح في المغرب، والى مجيء ادريس الأكبر إليه، ثم ختم كتابه بذكر اسماء حكام المسلمين من عهد الراشدين( ) وذكر خامسهم الحسن بن علي . ثم اثبت ذكر خلفاء بني أمية جميعاً، حتى إذا فرغ من ذلك اتبعهم بخلفاء بني العباس( )، ونلاحظ في مقدمة الكتاب اعتقاد ابن السنوسي بوجوب كون الأئمة من قريش وكان اسلوبه في كتابه هذا الكتاب على منوال أساليب مؤرخي المسلمين عامة، وهو فيه يقوم بالسرد دون التحليل والتعليل ومادة الكتاب تدل على غزارة اطلاع ابن السنوسي( ) وتذوقه للشعر حيث نجد مقتطفات جميلة من الأشعار، كقول إدريس بن إدريس لنفسه:
لو مال صبري بصبر الناس كلهم
لكل في روعتي وظل في جزعي
بات الأحبة واستبدلت بعدهم
همّاً مقيماً وسلماً غير مجتمع
كأنني حين يجري الهم ذكرهم
على ضميري مجبول على الفزع
تأوى الهموم إذا حركت ذكرهم
إلى جوارح جسم دائم الجزع( )
وكقول أبي محجن الثقفي الذي تمثل به أبو المهاجر دينار قبل استشهاده مع عقبة:
كفى حزنا أن تطعن الخيل بالقنا
وأترك مشدوداً علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت
مصارع أبواب تضم المناديا( )
وكقول الإمام ابن غازي:
وفتح الغرب لسوس الأقصى
موسى وطارق بما لايحصى
وجاءنا إدريس عام قعب
وبنيت فاس في عام قضب( )
وكقول الحسين بن علي :
وإن تكن الدنيا تعد نفيسة
فإن ثواب الله أعلى وأنبل
وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً
فقلة حزم المرء في الكسب أجمل
وإن تكن الأموال للترك جمعها
فما بال متروك به المرء يبخل( )
وكقول الفقيه أبي عبدالله المغيسي في وصف فاس متشوقاً إليها حين ولي القضاء بمدينة آزمور، حيث قال:
يافاس حيا الله ارضك من ثرى
وسقاك من صوب الغمام المسبل
ياجنة الدنيا التي أربت على
حمص لمنظرها البهي الأجمل
غرف على غرف ويجري تحتها
ماء ألذ من الرحيق السلسل
وحدائق من سندس قد زخرفت
بجداول كالأيم أو كالفيصل

وبجامع القروي شرف ذكره
أنسى بذكراه بهيج مؤمّلى
وبصحنه زمن المصيف محاسن
فوق العش الغرب منه استقبل( )
كما أن في هذا الكتاب يتعرض لذم المبتدعة، كالرافضة والمعتزلة ، والجبرية، وقال: ذكر أهل العلم من فضائل المغرب أن الله حماه من فرق المبتدعة، كالمعتزلة، والرافضة، والجبرية( )، كما يعرض بمذهب محمد بن تومرت عندما تعرض لشيوخه ورحلته في طلب العلم حيث قال: (.. وذهب الى رأيهم في تأويل المتشابه من الآيات، والأحاديث ، بعد أن كان أهل المغرب بمعزل عن أتباعهم في التأويل، والأخذ برأيهم فيه اقتداء بالسلف في ترك التأويل، وإقرار المتشابهات ، كما جاءت، فمنع أهل المغرب من ذلك وحملهم على القول بالتأويل، والأخذ بمذاهب الأشعرية في كافة العقائد، وأعلن بإمامتهم ، ووجوب تقليدهم وألف العقائد على رأيهم مثل (المرشدة)( ) في التوحيد، وكان من رأيه القول بعصمة الامام على رأي الإمامية من الشيعة، وألف في ذلك كتابه في الإمامة الذي افتتحه بقوله (أعز مايطلب) وصار هذا المفتتح لقباً على ذلك الكتاب...)( ).
إن ابن السنوسي في دراسته الطويلة لم يهمل الجانب التاريخي، لقناعته الراسخة، بأهمية هذا العلم في تحقيق الفوائد التربوية، وادراك السنن الربانية، ومعرفة معالم تاريخ الإنسانية، ومعرفة تاريخ الأنبياء، ومعرفة سيرة النبي ، ومعرفة تاريخ الخلفاء الراشدين، وسير العلماء والمجاهدين والدعاة، وأثر الاسلام في حياة البشر، والتعرف على بعض الحقائق الهامة في حياة البشر، ككون الإنسان يحتاج الى التذكير، ولابد من الصبر على المشاق لتحقيق الأهداف النبيلة، ...الخ.
ثالثاً: ايقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن:
تحدث ابن السنوسي في هذا الكتاب عن وجوب العمل بالحديث والقرآن الكريم، وقد صنفه في مقدمة ومقصد، وخاتمة، أما المقدمة، فقد بين فيها جلالة مقدار الأئمة، فقال : أعلم أنه يجب على المسلمين ، بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، وبالخصوص موالاة العلماء العاملين، الذين حازوا بوراثة الأنبياء كل فخر، وصاروا نجوم هدى يقتدى بهم في ظلمات البر والبحر، واجمع العلماء على هدايتهم ودرايتهم ، إذ كل أمة بعد بعث محمد  علماؤها شرارها، إلا المسلمين؛ فعلماؤهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وقاموا به ، وبهم نطق وبأسراره نطقوا كل بحسبه، فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن أحداً من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً يتعمد مخالفة الرسول  في شيء من سنته جل أو دق كيف وهم محيوها والمتفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباعها وانه يؤخذ من قول كل أحد ويترك إلا قوله ( ).
إن أبن السنوسي سار على منهج، اهل السنة والجماعة في نظرته الى علماء الأمة قال الطحاوي -رحمه الله- : (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لايذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم يسؤ فهو على غير السبيل).
ثم اعتذر للعلماء الذين خالفوا ما صح عن النبي ، وقال لابد أن لهم عذر وجماع الأعذار ثلاثة:
1- عدم اعتقاده أن النبي قاله.
2- عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول ترجع الى عشرة اسباب هي ؛ عدم بلوغ الحديث، عدم ثبوته، وضعفه بالأسباب المعروفة من فن مصطلح الحديث، أو اشترط مالا يشترط غيره، أو عدم الدلالة منه أو عدم اعتبارها أو معارضتها، بما يدل على أنها غير مرادة أو معارضة الحديث بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله بما يصلح كونه معارضاً أو بما ليس من جنس المعارض، وشرع ابن السنوسي في ضرب الأمثلة من حياة الرسول ، واجتهادات الصحابة الكرام( ) ثم تحدث عن امكانية أن يقع العلماء والفقهاء والقضاة وكذلك أعيان العلماء في الأخطاء المخالفة للسنة، فقال: ( .. فإنا لانعتقد عصمة القوم بل نجوز عليهم الذنوب ونرجوا لهم مع ذلك أعلى الدرجات لما اختصهم الله به من الأعمال الصالحة والأحوال السنية وليسوا بأعلى درجة من الصحابة التي كانت بينهم وغيرها ويؤيد ذلك تحذير سلف الأمة من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم ولاسيما الأئمة الأربعة ولاسيما الأئمة الأربعة من مخالفة الحديث وخصهم على وجوب العمل به مع مخالفة ( رأي كائن من كان )( ) واستدل بأقوال بعض الصحابة في هذا المعنى منها:
- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ( تمتع رسول الله  ) فقال عروة : ( نهى أبو بكر وعمر عن المتعة )، فقال: أقول قال رسول الله ، ويقولون قال أبو بكر وعمر ( يوشك أن ينزل عليهم حجارة من السماء ) وذكر أقوال للصحابة في هذا المعنى ثم بين أن حافظ المغرب ابن عبدالبر وصلها في مؤلفاته بأسانيد جيدة حذفها ابن السنوسي من باب الاختصار، وذكر أقوال الأئمة الأربعة وبين أن قولهم إذا خالفه سنة الرسول، فهو مردود ومن ذلك:
- قيل لأبي حنيفة رضي الله عنه إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه قال اتركوا قولي لكتاب الله، فقيل إذا كان خبر رسول الله يخالفه فقال: ( اتركوا قولي لخبر الرسول ) فقيل إذا كان قول الصحابي يخالفه قال ( اتركوا قولي لقول الصحابي)( ).
- قال مالك ابن أنس : ( إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأي فكل ماوافق الكتاب والسنة فخذوه وكل مالم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه )( ).
- وأما الشافعي فسأله رجل عن مسألة، فقال يروى عن النبي  أنه قال (كذا وكذا ) فقال له السائل يا أبا عبدالله أتقول بهذا فارتعد الشافعي واصفر وحال لونه وقال: ( ويحك وأي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله شيئاً ولم أقل نعم على الرأس والعين نعم على الرأس والعين قال وسمعته يقول مامن أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله  وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل وفيه عن رسول الله  خلاف ماقلت فالقول ماقال رسول الله  وهو قولي )( ).
إن ابن السنوسي من خلال بحثه النزيه خرج بنتيجة مفادها أن ماخالف الكتاب والسنة، والإجماع من أقوال المجتهدين وآرائهم ليس مذهباً لهم، ويتعين على المتمسكين بمذاهبهم أن يعتنوا بالكتاب والسنة وأقوال العلماء ليعلموا بذلك ماهو مذهب لإمامهم خلاف مالهج به المتأخرون من فقهاء المذاهب الأربعة من اقتصارهم على المختصرات الخالية من الدليل، وإعراضهم كل الإعراض عن كتب الحديث، وأصول الحديث، والفقه؛ فهم على هذا أجهل الناس بمذاهب أئمتهم( ).
ونقل قولاً للإمام أحمد، قال : قال ناصر السنة الإمام احمد بن حنبل لأبي داود وقد سأله أيتبع الأوزاعي أم مالك قال : (لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء ماجاء عن النبي  وأصحابه فخذ به) وذكر أن الرجل مخير في التابعين، وقد فرق  بين التقليد والاتباع فقال ابو داود سمعته يقول الاتباع أن يتبع الرجل ماجاء عن النبي  وأصحابه ثم هو فيمن يعد من التابعين مخير وقال لأبي داود لاتقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا وقال من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال( ).
إن ابن السنوسي في كتابه ايقاظ الوسنان حارب التقليد الأعمى والتعصب لأنه رأى أن ذلك من أعظم أسباب التفرق والانحراف عن منهج الله الرباني، ومن أهم العوامل التي ادت الى انتشار البدع والأهواء بين الناس، وفشت في أوساطهم، وحالت بينهم وبين سماع الحق والهدى، وتركوا بسببها طريق الكتاب والسنة المطهرة،
إن التقليد الأعمى والتعصب، يؤديان الى مهاوي الردى، ويقودان صاحبهما الى مسالك الغواية والضلال، ويصدان عن اتباع النور والهدى، فتكون نتيجته تخبطاً وانتكاساً في الدنيا، وهلاكاً وخسراناً في الآخرة( ).
لقد انتشر مرض التعصب والتقليد في شعوب الامة الاسلامية، لاسيما في العصور المتأخرة، فأصبح هو الأساسي والأصل، ونتج عن تفشيه نتائج وخيمة وأمور جسيمة( ).
لقد حارب ابن السنوسي التقليد والتعصب ورأى أن تلك الخلوة مهمة للأخذ بأسباب النهوض.
لقد تعرض ابن السنوسي في كتابه ايقاظ الوسنان، لمن أعمته العصبية عن الحق وزعم : (إن الكتاب والسنة مشتركان بين أثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي منحصرة في مقلدي الأربعة)( ).
وناقش من قال بذلك القول وطرح عليه اسئلة منها ماهو رايه في من تمسك بالكتاب والسنة ، من أصحاب القرون المفضلة الثلاثة؟ فإنهم ماقلدوا الأربعة حتى يخرجهم الاستثناء عن الحكم بما قبله ويرد على أصحاب ذلك الزعم بقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} { ولاتكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق}.
وفسر حبل الله بكتابه، واستدل بأحاديث شريفة، وبين أن الفرقة الناجية ماكانت على ماكان عليه رسول الله  وأصحابه( ). وقال فإن من توهم أن مذاهب الأئمة الأربعة هي ماكان عليه وأصحابه، كان ملتزماً أن كل ما خالف لهم من الصحابة ومن بعدهم، وأصحاب المذاهب المشهورة مخطئ في جميع ماخلفهم فيه، وهم المصيبون في كل خلاف؛ فانظر هل يستند هذا الى نقل أو يقبله عقل( )؟
وردّ على من كفر مسلماً بشبهة، وقال وأعجب من هذا كله التكفير المرتب على الشبهة التي ستراها في عبث الحق غثاء دون مبالاة يقول الصادق : (من كفر مسلماً فقد كفر) ، وبقوله: (إذا قال الرجل لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما) وذكر أقوال العلماء فقال : قال الرافعي في العزيز نقلاً عن التتمة فإنه إذا قال لمسلم ياكافر بلا تأويل كفر لأنه سمى الاسلام كفراً، ومثله للنووي في الروضة نقلاً عن المتولي، واعتمد ذلك المتأخرون كأبن الرفعة، والقمولى والنثيائي والاسنوي والأذرعي، وأبي زرعة، وصاحب الأنوار، وشارح الأنوار وغيرهم؛ جزموا به من غير عذر ولم ينفرد المتولي بذلك بل سبقه إليه ووافقه عليه جمع من الأصحاب منهم؛ الاستاذ أبو اسحاق الإسفرائني ، والحليمي ، والشيخ نصر المقدسي، والغزالي ، وابن دقيق العيد، بل قضية كلام هؤلاء أنه لافرق بين أن يؤول أولا كما تدل عليه عباراتهم التي ذكرها عنهم العلامة ابن حجر في الأعلام؛ وقال فيه مانصه ووقع في الحديث روايات لابأس بالأشارة إليها فقد روى مسلم : (إذا كفّر المسلم أخاه فقد باء بها أحدهما) وفي رواية له (ايما رجل قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما) إن كان كما قال وإلا رجعت عليه، وفي رواية له أيضاً (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر) ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه وفي رواية ابي عوانة، فإن كان كما قال وإلا باء بالكفر ، وفي رواية (إذا قال لأخيه ياكافر، فقد وجب الكفر على أحدهما) ومعنى كفّر الرجل أخاه وصفه بالكفر ونسبة إليه في خير كرأيت كافراً أو نداء كيا كافر، أو اعتقاده الكفر فيه، كاعتقاد الخوارج كفر المؤمنين بالذنوب، وليس من ذلك تكفير جماعة من أهل الأهواء لما قام عندهم من الدليل على ذلك، ومعنى باء بها أحدهما رجع بكلمة الكفر انتهى من الأعلام بإيجاز، وذكر فيها وجوهاً في تأويل الحديث الى أن قال الثالث أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا نقله القاضي عياض وهو ضعيف لان المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، والمحققون، إن الخوارج لايكفرّون كسائر أهل البدع، ....وفي الدرة البهية في جواب سؤال عمن كفّر مسلماً بنحو هذا مانصه مع تغيير يسير في اللفظ لم يدر هذا القائل مقدار ماقال، ولم يتنبه لما يلزمه في هذا الضلال من الوبال وقد ورد (إذا قال الشخص للشخص ياكافر فقد باء بها أحدهما) ثم تعجب منه كيف يتجرأ على تكفير المسلمين بما ذكر فكأنه، يريد قصر الاسلام على نفسه، وأنه ليس لمحمد  أمة ناجية غيره وغير من وافقه على ماقال وليته اعتبر بقوله تعالى: {ولا تقول لمن ألقي إليكم السلام لست مؤمنا} وقد تحرزت الأمة قديماً وحديثاً من تكفير المسلم وحذروا من المبادرة فيه مهما أمكن، فقال حجة الاسلام الغزالي الذي ينبغي أن يميل إليه المحصل الاحتراز من التكفير مهما وجد إليه سبيلا (فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين الى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله خطأ) والخطأ في ترك الكافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمه من دم مسلم....وقد قيل لمالك أيكفر أهل الأهواء؟ فقال هم من الكفر فروا، وقد سئل تقي الدين السبكي؟ رحمه الله : عن حكم تكفير غلاة المبتدعين فقال : (أعلم أيها السائل إن كل من خاف من الله عز وجل استعظم القول بالتكفير لمن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله) إذ التكفير أمر هائل عظيم الخطر لأن من كفّر شخصاً، فكأنه أخبر أن عاقبته في الآخرة الخلود في النار أبد الآبدين، وأنه في الدنيا مباح الدم والمال، ولايمكن من نكاح مسلمة ولا تجري احكام المسلمين لا في حياته ولابعد مماته، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم وفي الحديث (لأن يخطئ الامام في العفو أحب الى الله من أن يخطئ في العقوبة)، فما بقي الحكم بالتكفير إلا لمن صرح بالكفر واختاره دينا وجحد الشهادة، وخرج من دين الاسلام جملة( ).
وذكر ابن السنوسي حكاية لطيفة تدل على ابعاد عميقة لفهم قضية التكفير وهي : أن شخصاً بمصر وقع في عبارة موهمة للتكفير فأفتى علماء مصر بتكفيره، فلما أراد قتله قال السلطان هل بقي أحد من العلماء لم يحضر قالوا نعم (الشيخ جلال الدين المحلى شارح المنهاج) ، فأرسل إليه السلطان ، فحضر فوجد الرجل في الحديد بين يدي السلطان، فقال الشيخ مال هذا، فقالوا كفر؛ فقال مامستند من أفتى بتكفيره، فبادر الشيخ صالح البلقيني ، وقال قد أفتى والدي شيخ الاسلام الشيخ سراج الدين في مثل ذلك بالتكفير؛ فقال ياولدي أتريد أن تقتل مسلماً موحداً يحب الله ورسوله لفتوى أبيك حلوا عنه الحديد؛ فجردوه وأخذه الشيخ جلال الدين بيده وخرج والسلطان ينظر؛ فما تجرأ أحد يتكلم( ).
ثم بعد ذلك دخل ابن السنوسي في الباب الأول، وتحدث فيه على وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وبين ان دلالة الكتاب والسنة واحدة، وذكر أدلة وجوب اتباعهما، وتقديمهما على رأي كل مجتهد، وتحدث عن عمل الأصوليين، والمحدثين، والفقهاء بالحديث، وطريقة كل قوم، أما في الباب الثاني؛ فبين حقيقة الاجتهاد وأنواعه، وفيما يشترط في المجتهد من الشروط الوصفية والإيقاعية، ووضح حرمة الاجتهاد مع النص في كل ماعمّ وخص، ورد زعم من قال بإنقطاع ودعو أنه إجماع، وذكر الأدلة الشرعية التي تذم التقليد المذموم، وفنّد دعوة القائلين في انحصار التقليد للأئمة الأربعة.
إن دعوة ابن السنوسي لفتح باب الاجتهاد للقادرين عليه، ومحاربة التقليد المذموم، تعني أنه بذلك حارب اسباب الفرقة الداخلية، كالجهل، واتباع الهوى، والابتداع، فالجهل من أعظم أسباب الوقوع في المحرمات جميعها من كفر وفسوق وعصيان، ومن أعظم الجهل القول على الله بغير علم، وقد جعله الله عز وجل أعلى مراتب المحرمات، وأعلى درجة من الإشراك به سبحانه قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله مالا تعلمون} (سورة الأعراف، آية 33) .
إن ابن السنوسي دعا الناس، بأن يأخذوا الحق ويبحثوا عنه من مصدره الصحيح، كتاب الله وسنة رسوله ، وبين في كتابه النفيس إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرأن، أن أي حكم لم يقم عليه دليل ولا برهان من وحي الله ؛ فإنه باطل مرفوض، وعلاج مرض الجهل بالدواء الناجع ألا وهو العلم بكتاب الله وسنة رسوله .
إن من أخطر الأمور أن يكون على مقدمة الحركات الاسلامية، قيادة تجهل كتاب الله، وسنة رسوله ، ولا تعطي للعلماء أي وزن أو اهتمام، بل تعلم على تهميشهم والنيل منهم، وتجعل من عقولها وأهوائها مصادر للاجتهادات الحركية، والفكرية، والسلوكية ، ومن المعلوم أن ماسوى الشرع موزون وليس بميزان ، ومحكوم وليس بحاكم( ).
إن كتاب ابن السنوسي ايقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن يدل الباحث على تأثره بالمنهج السلفي ويظهر فيه تأثره بأفكار ابن تيمية الذي ناد قبله بستة قرون بالتمسك بالكتاب والسنة ، وحارب التقليد الاعمى والتعصب المذهبي، ويبدو أن اطلاعه على كتب ابن تيمية كان في زمن اقامته في الحجاز، كما تعرّف على آرائه من خلال احتكاكه بدعاة السلفية، من تلاميذ الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذين تبنوا كتب ابن تيمية وابن القيم، وكتب اهل السنة والجماعة عموماً، ولو قارن الباحث بين كتاب رفع الملام في الأئمة الأعلام لابن تيمية ، وايقاظ الوسنان لوجد تأثر الثاني بالأول، ظاهر العيان.
إن ابن السنوسي لم يكتفي في دعوته لفتح باب الاجتهاد ومحاربة التقليد بالقول، ولكنه قرن قوله بالعمل، حيث خالف مذهبه المالكي في عدة مسائل منها؛ رفع اليدين في الصلاة، حكم القبض ، حكم السكتات الثلاث، حكم الاستعاذة، حكم البسملة للفاتحة والسور، حكم التأمين، حكم التكبير لقيام الثالثة، حكم السلام ، والخروج من الصلاة، حكم القنوت، ورفع اليدين فيه حال الدعاء، حكم تطويل الصلاة، وتقصيرها المشروعين( ) والمتطلع على كتابه المسائل العشر يرأى قوته في إقامة الحجة على ماذهب إليه من خلال احاديث الرسول  واقوال العلماء ، ويذكر ادلته التي خلف فيها المذهب الملكي.
لقد نال ابن السنوس رضى علماء المسلمين بسبب اجتهاده في الدين وعدم تقيده بمذهب من المذاهب، حيث جعل رائده العمل بالكتاب والسنة ولم يقدم عليهما اقوال العلماء والفقهاء، وبسبب دعوته المخلصة التي أثرت في قبائل ليبيا ، والصحراء الكبرى وأفريقيا، والتي اصبحت فيما بعد كتائب للجهاد في سبيل الله تعالى( ).
إن كتاب إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن يوضح لنا معالم سلفية سنية في منهج الحركة السنوسية.
كانت خاتمة كتاب إيقاظ الوسنان في سنن أهل الله وسبيل عملهم فبين فيها مجموعة من الأصول والقواعد في علم التصوف منها:
* إن حكم أهل السلوك في هذا حكم المحديثين في العقائد والفروع وهي عقيد السلف( ).
* (الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول )( )، ونسب هذا القول للجنيد وقال أيضاً: عملنا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يستمع الحديث ويجالس الفقهاء ويأخذ أدبه من المتأدبين أفسد من يتبعه.
وقال سهل بن عبدالله التستري بنيت أصولنا على ستة أشياء (كتاب الله وسنة رسوله وأكل الحلال وكف الأذى، واجتناب الأثام وأداء الحقوق)( ).
وقال أبو عثمان الجبري: (من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة. ومن أمر الهوى نطق بالبدعة)( ).
وقال أبو العباس بن عطاء الله (من ألزم نفسه آداب السنة نوّر الله قلبه بنور المعرفة)( ).
ثم بين ابن السنوسي أنه لامقام أشرف من متابعة الحبيب  في الأفعال والأقوال والأوامر والأخلاق( ).
وبين خطورة الهوى استدل بقول ابن عطاء في حكمه (لايخاف عليك) أن تلتبس الطرق عليك وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك)( ).
وقال أيضاً: (تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال) وقال بعضهم (نحت الجبال بالأظافير أيسر من زوال الهوى)( ) إذا تمكن قال تعالى: {أفرأيت من أتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم}.
وبين ابن السنوسي: أن كل طريق لم يمشي فيه الشارع  فهو ظلام ولا يكون أحد ممن يمشي فيه على يقين من السلامة، وعدم العطب لأنه  هو الإمام وهو النور، والمأموم إذا خرج عن اتبّاع إمامه وتعد ماحده له مشي في الظلام بقدر بعده عن شعاع نور إمامه ولهذا تجد كلام أئمة المذاهب كلهم نوراً صرْفاً لا إشكال فيه لقربهم من رسول الله  بخلاف غيرهم ولهذا المعنى أشار  بقوله : (رحم الله أمراً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) يعني حرفاً بحرف من غير زيادة على ماشرعته أو نقصٍ عنه فسّر  بأن الابتداع هو الزيادة على التشريع( ).
لقد كان التصوف عند ابن السنوسي وسيلة لتربية النفس وتزكيتها ، والسمو بها نحو المعالي، وكان تصوفه له مقياس دقيق (كتاب الله وسنة رسوله )، فأهتم ابن السنوسي بالعلم الرباني ، وتربية النفس، وهذا يظهر من خلال دراسة كتابه ايقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، وقد ختم ذلك الكتاب بهذه العبارات الجميلة (والله الهادي الى الصواب لا رب غيره لا خير إلا خيره عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الذين نالوا ذرى المجد بصحبته، وبلغوا كمال الكرم والشرف برؤيته نسأل الله عز وجل أن يحشرنا في وفدهم إليه وأن ينيلنا مما أعده لهم لديه، إنه كريم رحيم حليم عظيم)( ).
إن ابن السنوسي كان جرئياً في طرح أفكاره التي كانت على جانب كبير من الأهمية بالقياس الى عصره الذي تجمد فيه الفكر، وتأخر فيه العلم، وابتعد الناس عن كتاب الله وسنة رسوله  ، وكانت دعوته للتمسك بالكتاب والسنة مبنية على علم غزير، وحجج دامعة، وبراهين ساطعة، وكان متأدباً غاية التأدب مع العلماء، فهو لاينكر فضل الأئمة ولكنه يأبى الوقوف عند حدود ما قالوه مادام بالإمكان الرجوع الى النبع والاطلاع على أحاديث قد لايكونوا وصلوا إليها، ومادام بالإمكان التفكير والاستنباط مع ملاحظة تغير الظروف( ).
كان ابن السنوسي المؤرخ يمتاز بغزارة معلوماته، ويعتز بتاريخ أجداده، ويؤمن بضرورة حصر الإمامة في قريش ومع هذا ساند الدولة العثمانية حرصاً على وحدة الأمة، ودحر أعدائها وكان اسلوبه في كتابة التاريخ على نمط مؤرخي المسلمين، ويقتصر على سرد الحوادث.
كان ابن السنوسي فقيهاً متصوفاً، اهتم بالعلوم الفقهية ، وغاص في معرفة حقائق النفوس البشرية، واستنبط منهجاً تربوياً لعلاج الامراض النفسية، والرقي بها نحو الكملات الإنسانية مسترشد بكتاب الله وسنة خير البرية.














المبحث الثالث
من أهم صفات ابن السنوسي

إن ابن السنوسي في سيرته العطرة اتصف بصفات الدعاة الربانيين، من الصدق، والاخلاص، والدعوة الى الله على بصيرة ، والصبر، والرحمة، والعفو، والعزيمة، والتواضع، والارادة القوية التي تشمل قوة العزيمة، والهمة العالية، والنظام والدقة، والزهد، والورع، والاستقامة...الخ، ونحاول في هذا المبحث أن نركز على بعض الصفات التي تميزت بها شخصيته الفذة:
أولاً : الحلم:
إن الحلم ركن من أركان الحكمة، وقد وصف الله نفسه بصفة الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: {ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} (سورة آل عمران، آية 155).
وقد بلغ  في حلمه ، وعفوه الغاية المثالية، وكان ابن السنوسي شديد الاقتداء في كل احواله وأقواله، وأفعاله برسول الله  ، وكانت له مواقف كثيرة تدل على حلمه ، وضبطه لنفسه منها، ذكر أحمد الشريف في رحلته. ان رجلاً من الطريقة الدرقاوية، اساء الأدب مع ابن السنوسية أثناء نزوله بسيوه، وقال لابن السنوسي : نحن نكسر رؤس الرجال فقال له ابن السنوسي: أنتم تكسرون الدلاع (البطيخ). فلما سمع الاخوان بذلك أرادوا أذيته (يعني الرجل) فقال لهم الاستاذ: اتركوه عنكم واختفى الرجل خوفاً من الاخوان)( ).
ثانياً: العفو والصفح عند المقدرة:
ومن الصفات التي ظهرت في شخصية ابن السنوسي، حبه للعفو والصفح، فعندما نشب خلاف حول أملاكه مع بني عمه في الجزائر، وطالب ابناء عمه بحقوقه، فامتنعوا ورفع عليهم قضية وكسبها، ولم يدفع أولاد عمه المستحقات التي له ، وقامت الحكومة بسجنهم ، تنازل عن طلبه( )، وعندما ناصبه العداء بعض العلماء تعصباً واندفاعاً وجموداً، واتهموه بالكفر، والمروق عن الاسلام، فقال ابن السنوسي عمن تولى الهجوم عليه، (عفى الله عن الشيخ عليش سامحه الله)( ).
ثالثاً: زهده:
كان ابن السنوسي زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، حريصاً على دعوة الناس للحق ، ولم يحرص على جمع الأموال وحطام الدنيا الفاني وله اشعار تدل على زهده، وعلى حقيقة نفسه المنصرفة الى الله، المقبلة على متاع الروح، الزاهدة في لذائذ الدنيا ومتعها، وذلك إذ يقول:

إلا إنما الدنيا غضارة أيكة
إذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار: ما الآمال إلا فجائع
علينا ولا اللذات إلا العطائب
ومالذة الأولاد والمال والمنى
لدينا ولا الآمال إلا المصائب
فلا تكتحل عيناك يوماً بعبرة
على ذاهب منها فإنك ذاهب
ومن أشعاره في التعبير عن زهده في الدنيا:
وهبني علمت الكيمياء ونلتها
وأتقنتها صبغاً واتقنتها صنعاً
ولخصت تسيير الكواكب كلها
ببحثي وتدقيقي ونلت بها مسعى
وملكت أموال البرايا بأسرها
وجالت يدي في أصفهان الى صنعا
أليس مصيري بعد ذلك كله
الى تحت هذا التراب في حالة شنعا
فقل للذي يمسى ويصبح همه
لغير رضا الرحمن: ياخيبة المسعى( )
رابعاً : تواضعه:
ومن الصفات البارزة في شخصية ابن السنوسي صفة التواضع، فعندما دخل مكة، كان يسقي الناس ماء زمزم واتخذها حرفة وصار ملازماً لها فترة من الوقت، قربة الى الله( )، وقد ذكر بن علي في فوائده الجلية أن ابن السنوسي كان ناذراً لله تعالى وقف نفسه على خدمة الكعبة المشرفة، تقرباً الى الله تعالى وتواضعاً، ومجاهدة لنفسه، وكان عازماً على المضي، غير أن الله تعالى رفع قدره وهيأه لما هو أعم وأنفع ومن تواضع لله رفعه الله( ) وقام بالوفاء بنذره واشترك في خدمة الحرم بقدر مايسر الله له( ).
لقد كان ابن السنوسي غاية في التواضع، وفي رسالة من رسائله الى أحد أخوانه تظهر هذه الصفة جلية حيث يقول: (والذي أوصى به نفسي وإخواني هو تقوى الله، وصية الله في الذين خلوا من قبل {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}؛ باتباع أوامره ، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده بأعمار الظواهر بالمجاهدات، وأعمار البواطن بالمشاهدات،....)( ).
فنلاحظ أن ابن السنوسي قرن نفسه بأخوانه مما يدل على تواضعه وجعل نفسه كأي واحد منهم ، ومقامه منهم أوضح من الشمس في رابعة النهار.
خامساً: العفة والترفع عما في أيد الناس:
من الصفات البارزة في شخصية ابن السنوسي العفة والترفع عما في ايد الغير؛ فعندما حجت الى مكة والدة عباس باشا حفيد محمد علي باشا حاكم مصر، وسمعت بتقوى ابن السنوسي ، وولايته ذهبت لزيارته في الزاوية فلم تجده، وجدت الشيخ عبدالله التواتي، فسألته: أنت الشيخ؟ فأجابها : انا عبدالشيخ. واخبرها أن الشيخ في الطائف؛ فقصدت الطائف وطلبت مقابلته بالحاح؛ فقابلها على مضض؛ فحدثته عن ابنها عباس وكيف يضطهده عمه ابراهيم باشا، وكيف أنها تخشي عليه من عمه؛ ثم سألته أن يدعو لابنها فدعا له بالتوفيق ؛ فرغبت هي أن تقدم لإبن السنوسي هدية فمدت له صرة مملؤة ذهباً فرفضها؛ فلما ألحت أخبرها أنه لايأخذ شيئاً وأن بإمكانها أن تعرض الصرة على التواتي في زاوية ابي قبيس؛ فعادت الى مكة وقدمتها للتواتي؛ فرفضها حيث وصلته تعليمات من شيخه بالرفض، ولما ألحت طلب منها أن توزعها على الفقراء لأن أتباع الزاوية ليسوا بحاجة، وعندما عادت الى مصر توفي محمد علي وابراهيم في سنة واحدة؛ فخلا كرسي الولاية واحتله ولدها( )، وقد ربى أتباعه على العفة والترفع عن مافي ايد الناس، وقد ذكرت قصة مرتضى فركاش وحسين الغرياني مع البدو الذين أهدوا إليهم ابلاً وبقراً وغنماً ، وكيف ردها ابن السنوسي وبين لهم : أن مهمة بعثاتنا تنحصر في تلقين قواعد الدين، والتعريف به، لا لأن تقبل الهدايا والهبات والتبرعات وطلب منهم أن لايرهقوا البدو حتى بتكاليف الضيف، وكان يزود الدعاة بجميع مايلزمهم( ) وكان يحث إخوانه من العلماء والشيوخ والدعاة، أن يتعلقوا بالله وحده يقول حيث يقول: ( ... وورد من أحب شيئاً كان له عبداً، تعس عبدالدينار، وتعس عبدالدرهم، تعس عبدالخميلة، تعس عبدالخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتعش، وفي الحكم ما أحببت شيئاً إلا وكنت له عبداً، وهو لا يحب أن تكون لغيره عبداً، وإياك أن تطلب على عملك جزاء آجلاً أو عاجلاً، فيكون درى يقينك في الله آفلاً، أو تشهد أن لك في ذلك العمل أثر، فتشرك بخالق القوى والقدر، فإن الإخلاص له مراتب، فرتبة إخلاص العوام عدم طلب الثناء والسمعة، ورتبة إخلاص الخواص عدم طلب الجزاء الآجل أو المقامات المرتفعة، ورتبة إخلاص خواص الخواص التبري من الحول والقوة، ...)( ).
لقد كان ابن السنوسي يحذر من الإنكسار في حب الدراهم والدينار، وكان يريد من إخوانه أن يتجردوا في أعمالهم ويجعلوها لله وحده.
سادساً: قوة الحجة، والقدرة على الإقناع والمناظرة:
عندما وجه على عشقر والي طرابلس اتهاماته لإبن السنوسي، استطاع ابن السنوسي أن يبدد جميع الإتهامات، وطلب من الوالي العثماني أن يجمعه مع العلماء في طرابلس، وتألف مجلس من كبار
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الأربعاء 1 محرم 1429هـ/9 يناير 2008م/15:32

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لك الحمد والثناء والشكر كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
( ).
العلماء، أحمد المقرحي، وكان من أبرز العلماء وأقربهم مكانة عند الوالي العثماني، والشيخ القزيري، البنغازي، وأخذ أعضاء المجلس العلمي يناقشون ابن السنوسي، وجاء رده حاسماً، وشاملاً بل ومحرجاً لبعض العلماء، فأيقنوا أنهم أمام محيط من العلوم الراسخة، والحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، ومن ذلك الحين انضم الشيخ أحمد المقرحي، والشيخ علي القزيري إلى الإخوان وتجردوا لخدمة الحركة السنوسية، وانضم أيضاً على أشقر وأصبح من أتباع الطريقة السنوسية( ).
وكان من أساليبه في الإقناع، ضرب الأمثلة العملية الحية، وكان ذات مرّة في مجلسه بمكة يحف به بعض الزوار، فدخل شخص أجنبي له مظهره الملفت للنظر، وحيا الحاضرين ثم وجه سؤالاً علمياً معقداً إلى ابن السنوسي، كأنه يريد منه التعجيز، وكان ابن السنوسي مشغولاً بعمل باشره، وطلب السائل سرعة الجواب بصورة لفتت نظر الحاضرين، ففهم ابن السنوسي السائل وطمأنه بسرعة الإجابة، واستدعى تلميذه عبدالله التواتي وكان يقوم بنصيبه في العمل، وكان يومها يقوم بـ ( عجن الطين ) أثناء القيام بعملية بناء في زاوية مكة، وكان يرتدي لباس العمال، ولما استدعاه ابن السنوسي جاء مسرعاً بملابس، العمل وقد علق الطين الذي كان يقوم بعجنه في رجليه وهندامه، فقال له ابن السنوسي أجب سائلنا هذا عن سؤاله، كذا وكذا، واسترسل عبدالله في الإجابة الشاملة من ذاكرته، ولم يترك ثغرة في السؤال، وجاء بمختلف الأقوال في المسألة ثم ردها إلى حقيقتها، فتعجب الناس، وتحير السائل ثم اقتنع وقال: لايصح أن يكون مثل هذا الرجل الفاضل عاملاً وبهذه الصورة، فمن حقه أن يتصدر المجالس، فأجابه ابن السنوسي بقوله إن جماعتنا كلهم على هذا الغرار، ومن لم يصل منهم إلى هذا المستوى، فهو في طريقه إليه وهذا العمل الذي تعيبه عليهم لم يكن معيباً لهم أو لينقص من شأنهم وقيمتهم، إنهم يعملون كما يأمر الإسلام لرفعة شأن المسلمين، وإننا نعدهم لمجد الإسلام، ولرفعة شأنه، فاعتذر السائل على ماظهر منه( ).
سابعاً: شعوره بالمسؤولية:
كان ابن السنوسي يستشعر مسؤوليته وواجبه المنوط به نحو عباد الله والأمانة التي تحملها لهدايتهم وإرشادهم، فكان ذلك دافعاً له للقيام بواجبه وأداء رسالته، وكانت هذه الصفة واضحة في شخصيته، وكان يستشعر بأنه مأمور بواجب الدعوة إلى الله، وفي خطواته التي سار عليها، وشعوره بالمسؤولية، جعله لايعرف المستحيل، وكان لايأمر بأمر إلا وقد نفذه على نفسه وأحب الناس إليه، وأقربهم منه( )، وكان يقول لإخوانه ليس هناك على همة العاملين مايسمونه مستحيلاً إذا ما أخلصوا في عملهم وصدقت عزيمتهم، واتخذوا من القرآن الكريم دليلاً، وعرفوا معانيه وتدبروها كما يجب أن يتدبروها( ).
ثامناً: حليته:
كان أزهر اللون مدور الوجه أقنى الأنف خفيف العارضين واللحية، أشقر الشعر معتدل القامة، رقيق الحاجبين أزجهما، واسع الثغر، فصيح اللسان، جهوري الصوت مع رقة فيه، واسع العينين وفي احداهما انكسار لايكاد يظهر، طويل العنق، عريض الصدر والمنكبين من رآه مرة هابه وإذا خالطه وكالمه ألفه وأحبه( ).
تاسعاً: هوايته:
كان يهوى اقتناء الخيل، ويحسن ركوبها، إلى درجة عالية من المهارة، وكان يستطيع التقاط بعض الشئ من الأرض من على ظهر الجواد في أثناء عدوه، كما كان يستطيع الوقوف على رجليه، وعلى رأسه على ظهر الجواد أثناء عدوه، ويستطيع اصابة مايريده من المرمى، وكان يشجع اتباعه وإخوانه على تعلم الفروسية ويقول لهم: إن ذلك من صميم السنّة( ).
وفاته :
كان ابن السنوسي يشعر بالمرض، منذ مدة، وكان يصارعه بالصبر، وقوة العزيمة، فلم يركن للراحة، ويخضع لوطأة المرض، وشرع في إتمام ماعزم على إقامته، وحاول أن يتغلب على المتاعب والأمراض وكان يمهد الأمور لتولي ابنه محمد المهدي أمر زعامة الحركة السنوسية، ونجح في ذلك، وأقنع الإخوان، وزعماء القبائل بذلك، واشتد عليه المرض في شهر شعبان 1275هـ حتى صار يغيب عن احساسه، وكان يقول : ( أهل الله حملونا شيئاً كثيراً لو نزل على الجبال الراسيات لما اطاقته )( )، ثم ارتفع بعض ذلك المرض منتصف محرم عام ستة وسبعين ثم تزايد عليه الألم، والأسقام، وصار يغيب أحياناً، ويضيق أحياناً إلى أن دعاه مولاه يوم الأربعاء من صفر الخير بعد طلوع الشمس( )، وهكذا انتقل إلى جوار ربه.
وقبل الدفن اجتمع الإخوان في المسجد يوم الخميس، وقام فيهم عمران بن بركة خطيباً فألقى كلمة قال فيها: ( ... حمداً لمن قضى على جميع العباد بالموت وسدد سهمه للإصابة في جميع الوقت، فلا حيف عن سلوك سبيله ولامناص، ولامحيد عن الوقوع في شركه، ولاخلاص، فلم ينج منه أمير ولاوزير، ولاغني ولافقير، ولاشريف، ولاوضيع، ولادني، ولارفيع، حكم بذلك على سائر رسله وأنبيائه وأهل حضرته من أصفيائه، وأوليائه، وعلى الموت نفسه بعد ابقاء المقادير بالموت فلا محيط عنه ولافوت وجعله منة يفتدى بها من أسرار الأكدار وجُنة يتقى بها من سهام الاغترار، .......)( )، وبعد أن دفن ابن السنوسي رحمه الله، تولى أمر الحركة ابنه من بعده ( محمد المهدي )، فقام بإرسال خبر وفاة ابن السنوسي إلى شيوخ الزوايا في مختلف الأقطار وكان فيها: ( ... إنه من عبدربه سبحانه محمد المهدي بن السيد محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسن الإدريسي، إلى الأجلاء الأبرار الأصفياء الأخيار أخينا السيد محمد بن إبراهيم الغماري وأخينا اسماعيل بن رمضان، وأخينا وهبة، وكافة إخواننا أهل مكة سلمهم الله آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، ومرضاته وبعد، فقد وصلتنا كتبكم التي أرسلت باسم الوالد رحمه الله تعالى وسقى ثراه وأكرم نزله ومثواه. وكنا قبل هذا أرسلنا إليكم كتبنا وأخبرناكم فيها بما قدره الله وقضاه وأبرمه في أزله وأمضاه ونسأله تعالى أن يجعلنا من عباده الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. واستطرد محمد المهدي في رسالته إلى أن قال: كونوا على ماكنتم عليه من الدلالة على الله تعالى بالحال وبالمقال وصابروا، ورابطوا وتواصوا بالصبر، واذكروا عباد الله فيه وجاهدوا في الله حق جهاده، وكونوا يداً واحدة على من سواكم، وفي الله إخواناً وعلى البر والتقوى أعواناً، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وسلموا منا على كافة الإخوان والمحبين من أهل مكة والمعابد والوادي والطائف وغيرهم( ).
وقد رثاه الشعراء وهذه قصيدة عبدالرحيم المحبوب يبكي فيها ابن السنوسي حيث يقول:
مابال عينك لا بالنوم تكتحل
ودمعها لايزال اليوم ينهمل
كأنها سمات بالشوك أوكحلت
من الغضي بشواظ كان يشتعل
تخالها مزنة قد لاح بارقها
فاخضل الأرض منها صيب هطل
والوجه أسفع والأعضاء ناحلة
والقلب في شرك الاحزان مختبل
والجنب اذ تدعه حال لمضطجع
كان الوطأ له السعدان والاسل
تئن في لجج الأحلاك من نكد
منه ترى راحة أن يحضر الاجل
أمن تذكر أوزارا سفت لها
أو زار بالطيف من تهوى ولم يصل
ام ذا لفقد حبيب كنت تألفه
وازور دهرك ام قد خانك الأمل؟
يالهف نفسي على ماكان مسكنهم
قلبي وهم ان مضوا سفر به مهل
كانوا الغياث لملهوف ومتجعا
للمجدين إذا مامسهم محل
شدوا الرحال ولم يستأذنوا أحداً
وضل شوقاً لم يبكيهم الطلل
تبكيهم السنة الغراء من عصر
ما أن بمثلهم قد مسها ثكل
يبكيهم ماحوى ( كشف الظنون ) وما
يروى ( الجوامع ) مع ماساره المثل
مع ما روى ( حجة الإسلام ) من حكم
وأعلن الشيخ من رمز له قفل
من ( للصحاح ) (و شمس العلم ) بعدهموا
أو (للشفاء ) و ( للقاموس ) يحتفل
من ( للجلالين ) و ( الكشاف ) ينقذه
( البحر ) ( والنهر ) و ( الأنوار ) ينتخل
من ( للعلوم ) على أقصى تنوعها
من ( للحلوم ) إذا أشفت بها العلل
من ( للمكارم ) و ( الآثار ) يؤثرها
عن الجدود الآلى سارت بهم مثل

والغور والنجد من أرض الحجاز وما
ضاهى ( قبيساً ) بها من فقدهم عطل( )
إلى أن قال:
فالصبر أولى وعند الله محتسب
أن المصائب أن تعظم لها بدل
توارت الشمس عن عين الحسود بها
أو ذاك رفق ببدر ناله الخجل
وذاك عام (شروع الخطب قلت إذن
مابال عيناك لا بالنوم تكتحل( )
وهذه قصيدة ألقاها شاعر ليبيا أحمد رفيق المهدوي عام 1956م بمناسبة مرور مائة عام على وفاة ابن السنوسي:
خلدوا، ذكرى أمام المصلحين
سيد المجتهدين العارفين
الامام، ابن السنوسي، الذي
فاق صنف العلماء العاملين
عبقري قد تسامى للعلا
بجلال العلم والدين المتين
وباصلاح ترى آثاره
لم تزل تهد على مر السنين
نشر الدين بعزم صارم
وجهد كجهاد المرسلين
وهدى قوماً على غير هدى
بين جهل وضلال عائشين:
في صحارى يلفح القيظ بها
كشواظ النار فيها الساكنين
وبلاد في غمار مطبق
بظلام البؤس، والغيم المشين
عمها دينا ودنيا فغدا
اهلها من علماء المسلمين !
وبنى فيها (زوايا) أصبحت
منهلاً عذباً لورد الظامئين
ومنارات تشع العلم من
قابس عن نور رب العالمين
بالتآليف التي من فيضها
(سلسبيل) (المنهل) الصافي المعين
و(شفاء الصدر) من رين الهوى
و(بايقاظ لوسنان) مهين

وشروح لعلوم وضحت
ما عصى من مشكلات الأولين
بينت ماجاءنا عن جده
من علوم، وأحاديث، ودين
هذه آثاره من علمه
كلها تدعو الى الحق اليقين( )
هذا ما استطعت جمعه وتلخيصه عن ابن السنوسي رحمه الله تعالى، وما أردت بالكتابة عن حياته إلا احياء سير المصلحين، والدعاة العاملين، والعلماء الراسخين، لتعلم الأجيال الصاعدة ان لها تاريخاً عريقاً ضارباً في اعماق الزمن يزخر بأمجاد الاسلام، وأن ابن السنوسي ممن واصلوا نهج الصحابة والتابعين في الدعوة الى الله ، وأن سيرته ليست عنا ببعيدة، لعل هذه الصفحات المشرقة تصل الى قلوب دعاة الاسلام في ليبيا، وفي الأمة، فيقتبسوا من سيرته مايحثهم على مواصلة السير لدعوة الله ، والجهاد في سبيله ، وما اردت بذلك إلا وجه الله تعالى هو حسبي عليه توكلت وإليه أنيب ، انتهيت من هذه الترجمة في العشر الأواخر من شهر رمضان ، فاستبشرت بذلك خيراً، وتذكرت رؤيا رأيتها عندما كنت في المعتقل السياسي بطرابلس الغرب عام 1983م، حيث رأيت ابن السنوسي في منامي وقدم لي كأساً مملؤة بالحليب فشربته، ويبدو أن تأويل الرؤيا قد تحقق بكتابة هذا الكتاب، والفضل لله وحده من قبل ومن بعد وأختم
هذا الكتاب بهذه الأبيات التي سليت بها نفسي، عندما حذرني بعض الأخوة من نشر مايتعلق بأمجاد السنوسية، لأن ذلك يثير أعداؤهم ضدي، وأنت لاحول لك ولا قوة، فأجبتهم ماأردت بكتابي إلا نصرة الإسلام، وقلت لهم بأن هذه الأمجاد ليست خاصة بالسنوسية بل هي لكل مسلم وتلوت قول الله تعالى {فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين } ( سورة يوسف، آية 64).
أما الأبيات فهي:
لاتطلبن من غير ربك حاجة
إن كنت بالرحمن ذا إيمان
ومن الذي يستبدل الضعفاء
والفقراء والبخلاء بالرحمن
أو يشتري الظلمات بالأنوار أو
يرضى يعود بأخسر الخسران
فوض إلى المعبود أمرك كله
وافزع إلى المولى بغير تواني
واقرع إذا نام الأنام وغلَّقوا
أبوابهم باب النوال الهاني
باب الذي بسط اليدين بليله
ونهاره لتدارك العصيان
ويداه مبسوطان للإحسان ما
قبضت يد خوفاً من النقصان

باب الذي إن لم تسله فضله
يغضب فكيف يرد بالحرمان
باب المجيب إذا دعاه مرتج
لاج إليه ماله من ثاني
باب الذي يغنيك عن زيد وعن
عمرو وعن ثان وعن أعوان
باب الذي لاخير إلا عنده
بيديه كل منى وكل أمان
باب الذي يرجى لكل ملمة
لعظائم الآلام والحدثان
الحي قيوم الخلائق كلها
الواسع الرُّحْمَى عظيم الشان

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.






نـتائج البحث
أصيبت الدولة العثمانية في القرنيين الماضيين بداء الأمم كالحسد والبغضاء، واستبداد الملوك، وخيانة الأمراء، وغشهم للأمة وإخلاد الشعب الى الراحة، والدعة، وكان شر ماأصيبت به الدولة الجمود في العلم، وفي صناعة الحرب، وفي تنظيم الجيوش.
كانت الاحزاب العلمانية، والجمعيات السرية، والعصبيات القومية تنخر في كيان الدولة ، فظهرت الدعوة الى القومية الطورانية، والعربية، والكردية.... وبدأت الثورات تتفجر في البلدان، والحركات الإنفصالية تتكاثر، والدول الأوروبية تدعمها وتسعتد لتقسيم تركة الرجل المريض.
أصبحت الامة تعاني من الآثار التي ترتبت عن ابتعادها عن شرع الله، واصيبت الناحية الاجتماعية، بتفشي الجهل، والمظالم بين الناس، وصراع الأمراء، والولاة على حطام الدنيا الزائل، وأصبحت الأمة في ليل حالك، وظلام دامس.
جمد المسلمون في علوم دينهم فليس لديهم إلا ترديد بعض الكتب الفقهية، والنحوية، والصرفية، ونحوها، وجمدوا على فقه المذاهب، وجل همهم التعمق في الحواشي، وحفظ المتون، دون القدرة على الاجتهاد.
أصبح لكل مذهب من المذاهب الفقهية مفتياً وإماماً، وتعددت الجماعات في المسجد الواحد، كل ينتصر لمذهبه، وكل يصلي خلف إمام مذهبه، وبذلك يقف المسلمون لصلاة الجماعة وراء أكثر من إمام حسب المذاهب المتواجدة في ذلك المسجد.
انتشر التصوف المنحرف في ارجاء البلاد الاسلامية، شرقها، وغربها، عربيها، وعجميها، وضاع مفهوم العبادة الصحيح، ومفهوم الولاء والبراء، وانحرفت الأمة عن كتاب ربها وسنة رسولها .
بدأت الدول الأوروبية تستقطع من العالم الاسلامي بلداناً كلما اتيحت لها الفرصة.
اهتـز العالم الاسلامي لاحتلال الصليبيين لأجزاء من الوطن الاسلامي اهتزازاً عنيفاً، كما تأثر باحتكاكه بالغرب، واطلاعه على تقدمه، من هذا التحدي نبعت حركات الاصلاح.
تتابعت حركات الاصلاح في العالم الاسلامي منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، بتأثير عوامل عديدة منها؛ إحساس بعض العلماء الربانيين بسوء الأوضاع في العالم الاسلامي واحتلال أجزاء منه.
قامت حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في نجد، وكان الدافع لها إحساس مؤسسها بإنحطاط المسلمين ، وتأخرهم.
تعد حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب البداية الحقيقية لما حدث في العالم الاسلامي من يقظة جاءت بعد سبات طويل، وما تمخض عنها من صحوة مباركة، ورجعة الى الدين.
ظهر الإمام محمد بن علي السنوسي بدعوته الاسلامية بعد وفاة محمد بن عبدالوهاب بعشرات السنين.
ولد الإمام محمد بن علي السنوسي عام 1202هـ صبيحة يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول عند طلوع الفجر، ولذلك سماه والده محمداً تيمناً باسم النبي .
بعد وفاة والده تولت عمته فاطمة تربيته وتنشئته تنشئة صالحة، وكانت من فضيلات أهل زمانها، ومتبحرة في العلوم، ومنقطعة للتدريس والوعظ.
بعد وفاة عمته عام 1209هـ بسبب الطاعون تولى تربيته ابن عمه الشيخ محمد السنوسي الذي تولاه بعد وفاة عمته واتم على ابن عمه حفظ القرآن الكريم برواياته السبع مع علم رسم الخط للمصحف، والضبط، وقرأ عليه الرسالات الآتية، مورد الظمآن ، المصباح، العقيلية، الندى ، الجزري، الهداية المرضية في القراءة المكية، حرز الأماني للشاطبي..
بعد وفاة ابن عمه 1219هـ، جلس للأخذ من علماء مستغانم لمدة سنتين كامليتين، ثم توجهه الى بلدة مازونه ومكث بها عاماً ثم رحل الى مدينة تلمسان وأقام بها مايقارب من السنة وتتلمذ على كبار شيوخها.
كان تفكيره في حال الأمة مبكراً ، واجتهد في البحث عن العلل والأسباب التي أدت الى التدهور والضعف المخيف في كيان الأمة، وذكر أن من أسباب هذا الضياع، فقدان القيادة الراشدة، وغياب العلماء الربانيين، وانعدام الغيرة الدينية، والانشغال بالخلافات التي فرقتهم شيعاً وجماعات....الخ.
رأى ابن السنوسي أن الايمان هو القضية الأولى والأساسية، لهذه الأمة، فإذا تخلف المسلمون عن غيرهم في وسائل الحياة الحرة الكريمة؛ فمرد ذلك الى انحرافهم عن فهم الاسلام فهماً سليماً.
ولا سبيل الى إصلاح حالهم ومآلهم إلا بالايمان على الوجه الذي بينه الله في كتابه، ورسوله  في سنته. وهو أن يكون طاقة دافعة الى العمل، وقوة محركة للبناء، وحافزاً طبيعياً للتفوق.
رأى أهمية العلم في نهوض الأفراد والجماعات والأمم، لأن العلم ظهير الإيمان، وأساس العمل الصالح، ودليل العبادة .
سافر الى فاس ليزداد في طلب العلم وبقي في المغرب الأقصى سبع سنين متتالية، وكانت تجربته في فاس ثرية.
وبعد ذلك ترك المغرب الأقصى وتوجه نحو المشرق، فمر بتونس وليبيا ثم دخل القاهرة وكان ذلك عام 1239هـ/1824م.
كانت زيارته لمصر قد رسخت في نفسه ضعف دولة الخلافة من جهة، وزاد ضعفها بظهور حكومة محمد علي باشا على مسرح الأحداث في مصر وقد وصل الى قناعة مهمة في الاصلاح والنهوض.
لقد خبر ابن السنوسي اوضاع الدولة العثمانية في وطنه الأول الجزائر حيث تسلط الولاة الأتراك وحكمهم الاستبدادي، وعجز الدولة عن منعهم من الظلم ، وجاء الى القاهرة فرأى حكم محمد علي باشا وانفراده بشؤون مصر ، فزاد اقتناعاً بعجز الدولة وضعفها .
دخل ابن السنوسي الحجاز عام 1240هـ/1825م، ونزل مكة وكانت تلك الزيارة لمكة ذات أثر كبير في قيام الدعوة السنوسية وظهور شأنها.
اهتم ابن السنوسي بالقضية الجزائرية، وعمل على اذكاء جذوة الجهاد في نفوس ابناء الجزائر ضد فرنسا، وحرص على المشاركة فيه بنفسه وأعد لذلك العدة إلا أن الظروف، والعوائق التي كانت في طريقه منعته من ذلك، وعمل على امداد تلاميذه بالأسلحة والمال، وحرض اتباعه على القتال، واستمر اتباع السنوسية، والشعب الليبي في دعم حركة الجهاد حتى تم دحر الاحتلال الفرنسي.
إن المفتاح الكبير لقبائل برقة، هو قناعتها بأن ابن السنوسي ولي من أولياء الله الصالحين، ولذلك سمعت لنصائحه، واطاعت أوامره، فأرشدهم الى كتاب الله وسنة رسوله .
كانت زاوية البيضاء في الجبل الأخضر أول الزوايا التي أسسها ابن السنوسي، وشرع يعلم الناس فيها، ويذكرهم بالله ويرشدهم الى طريق النجاة في الدنيا والآخرة، وبدأت القبائل تتوافد إليه تطلب زيارته لها تبركاً به، وتطلب اقامة الزوايا لها اسوة بالزاوية البيضاء، فكان يتوجه بنفسه الى القبيلة أو المكان المطلوب الزاوية فيه ، وأحياناً ينتدب بعض الاخوان لذلك وهكذا بدأت القبائل تتسابق والزوايا تنتشر.
توفرت في قبائل برقة ظروف ملائمة لظهور الحركات السنوسية بوصفها حركة اسلامية شاملة منها؛ انفصالها عن الاقطار المجاورة بالصحارى والفيافي التي تحيط بها، تتألف تلك القبائل من قبائل عربية بدوية تربطها أنماط حياة اجتماعية متجانسة، ويقوم ذلك النظام على عصبيات دموية مشتركة، وتقاليد وأعراف متشابهة، كانت بعيدة عن سيطرة المدن، كانت القبضة العثمانية عليها ضعيفة...الخ.
ظل ابن السنوسي خمس سنين ينشئ الزوايا وينظمها، ويرسم مناهج الدعوة ومبادئها ، ويبث دعوته الاصلاحية عن طريق الزوايا.
عاد بعد هذه السنوات الخمس الى الحجاز، المركز الأول لدعوته، ومنذ ذلك الوقت كانت للدعوة مركزان رئيسيان؛ شرقي في الحجاز وغربي في برقة، وعن هذين المركزين أخذت الدعوة السنوسية تنتشر بواسطة الزوايا هنا وهناك.
طالت مدة غياب ابن السنوسي في الحجاز واشتد القلق في لييا لطول غيبته، وسافر الى الحجاز أكثر من وفد ليبي ليلتمس منه ان يعود وكانوا يسافرون غالباً في موسم الحج.
رجع ابن السنوسي الى ليبيا واختار الجغبوب كمقر لقيادة الحركة السنوسية.
استطاع ابن السنوسي أن يختار من بين المسلمين مجموعة خيرة من العلماء، والفقهاء، والدعاة ممن اتصفوا ، بالتميز الايماني، والتفوق الروحي، والرصيد العلمي، والزاد الثقافي، ورجاحة العقل ، وقوة الحجة، ورحابة الصدر، وسماحة النفس، واصبحوا من أعمدة الحركة السنوسية أثناء حياته وبعد وفاته.
قام عدد كبير بنصرة وتأييد الحركة السنوسية من العلماء والفقهاء والقادة والشيوخ ومن أشهر هؤلاء الاخوان الذين ساندوا ووقفوا مع ابن السنوسي في حركته الواسعة؛ محمد عبدالله التواتي ، احمد ابوالقاسم التواتي ، علي بن عبد المولى، احمد بن فرج الله، محمد بن الشفيع، احمد المقرحي، وعمران بن بركة الفيتوري وغيرهم كثير .
استطاع ابن السنوسي بتوفيق الله تعالى أن يجعل من الاخوان والقبائل في الصحراء الكبرى مجتمعاً متماسكاً، متوحداً في عقيدته وتصوراته ومنهجه، فانعكس ذلك في توادهم وتراحمهم فيما بينعم، وأصبحوا كالجسد الواحد الذي يخفق فيه قلب واحد، وتسري فيه روح واحدة، ويتأثر كل عضو فيه بما يصيب بقية الأعضاء.
إن الأصول التي تساهم في توحيد المجتمع هي؛ وحدة العقيدة، وتحكيم الكتاب والسنة، وصدق الانتماء الى الاسلام، طلب الحق والتحري في ذلك، وتحقيق الاخوة بين أفراد المجتمع.
يظهر البعد التنظيمي في شخصية ابن السنوسي في بناء الزوايا التي يتربى فيها اتباعه والمنهج التربوي الذي ساروا عليه.
كان نظام الزوايا معروفاً في العالم الاسلامي، والشمال الأفريقي واستطاع ابن السنوسي بعقليته التنظيمية أن يطور مفهوم الزوايا بحيث أصبحت تمثل النواة الأولى لمجتمع تحكمه سلطة وعليه واجبات؛ اجتماعية، واقتصادية ، وسياسية، ودعوية، وجهادية.
انتهج ابن السنوسي منهجاً تربوياً استمده من كتاب الله وسنة رسوله  ومن خبرته بالطرق الصوفية التي درس جلها، وانتقد اخطائها، وعمل على طريقة خاصة يسلكها اتباعه.
إن الصوفي الحقيقي في رايه من يتقيد بالكتاب والسنة وقد جعل للمريدين مراتب في السلوك يتدربون عليهاأولهما؛ تصحيح العقيدة بميزان أهل السنة والجماعة، أن يتعلم المريد مايحتاج إليه من المسائل الفقهية المتعلقة بظاهر البدن على مذهب من المذاهب الأربعة، أن يتوجه المريد الى تزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب وتنقية السر...الخ.
يظهر البعد السياسي عند ابن السنوسي في تعامله الحكيم مع الدولة العثمانية، حيث رأى في الدولة العثمانية دولة الخلافة، ضرورة لازمة لوحدة الأمة، والدفاع عن كيانها، وأنه لابد من معاضدتها والوقوف بجانبها، ويظهر أيضاً في حملة التوعية التي قام بها ضد الغزو القادم للأمة من قبل الأوروبيين وتنظيمه للزوايا، وتعبئة الأنصار؛ بغرس الثقة في دينهم وعقيدتهم، والثقة بقيادتهم ، وتأخير الصدام مع الأوروبيين حتى يكتمل.
كان أسلوب ابن السنوسي في الدعوة الى الله مستمداً من كتاب الله وسنة رسوله ، وقد نجح في ارشاد الطرق الصوفية المنحرفة، وتعامل مع الرقيق من الأفارقة بأسلوب رفيع، فاشتراهم واعتقهم، وعلمهم ثم ارسلهم دعاة الى قبائلهم، واهتم بدعوة القبائل وزعمائها، واستطاع ان يجعل منهم دعاة الى الله تعالى واعتمد في اسلوبه ضرب الأمثال، واستخدم القصة، واستعمل الشدة في محلها.
إن فهم أفكار ابن السنوسي يمكننا الوصول إليها من خلال كتبه، ومن أهمها؛ كتاب المسائل العشر، السلسبيل المعين، إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، رسالة مقدمة موطأ الامام مالك وغيرها...
كانت كتب ابن السنوسي في أكثرها تتناول المباحث الفقهية ، والصوفية وفيها كتاباً، أو كتابين يتناولان مواضيع تاريخية ...
إن ابن السنوسي في دراسته الطويلة لم يهمل الجانب التاريخي لقناعته الراسخة، بأهمية هذا العلم في تحقيق الفوائد التربوية، وادراك السنن الربانية، ومعرفة معالم تاريخ الانسانية، ومعرفة تاريخ الأنبياء، ومعرفة سيرة النبي  ومعرفة تاريخ الخلفاء الراشدين، وسير العلماء والمجاهدين والدعاة... وكانت ثقافته التاريخية تمتاز بغزارة المعلومات، ويعتز بتاريخ اجداده، ويؤمن بضرورة حصر الامامة في قريش، وكان اسلوبه في كتابة التاريخ على نمط مؤرخي المسلمين ، ويقتصر على سرد الحوادث.
كان ابن السنوسي فقيهاً متصوفاً، اهتم بالعلوم الفقهية، وغاص في معرفة حقائق النفوس البشرية، واستنبط منهجاً تربوياً لعلاج الأمراض النفسية، والرقي بها نحو الكملات الانسانية.
اتصف ابن السنوسي بصفات الدعاة الربانيين؛ من الصدق، والإخلاص، والدعوة على بصيرة ، والصبر، والرحمة، والعفو، والعزيمة، والتواضع، والارادة القوية التي تشمل قوة العزيمة ، والهمة العالية، والنظام والدقة، والزهد، والورع، والاستقامة...الخ.
إن هذا المجهود المتواضع قابل للنقد والتوجيه وماهي إلا محاولة جادة لإزاحة الركام عن صفحات مشرقة من تاريخ بلادنا الحبيبة التي كانت ونرجو من الله أن تكون مركزاً لدعوة الاسلام في مشارق الأرض ومغاربها وماذلك على الله بعزيز ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا.
هذه بعض النتائج التي وصلت إليها وقد ملت الىالاختصار الشديد خوفاً من الإطالة والإطناب.
وأسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يقتبل هذا الجهد المتواضع قبولاً حسناً وأن يبارك فيه وأن يجعله من أعمالي الصالحة التي أتقرب بها إليه. وأختم الجزء الأول من الكتاب السابع بقول الله تعالى: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} ويقول الشاعر:
أنا الفقير الى رب البريات
أنا المسكين في مجموع حالاتي
أنا المظلوم لنفسي وهي ظالمتي
والخير إن يأتينا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة
ولا عن النفس لي دفع المضرات
والفقر لي وصف ذات لازم أبداً
كما الغني أبداً وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم
وكلهم عنده عبد له آتي
(سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)، (وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين).
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الأربعاء 1 محرم 1429هـ/9 يناير 2008م/15:35

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لك الحمد والثناء والشكر كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أهم مراجع ومصادر البحث

(أ)
إمام التوحيد ، الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الدعوة والدولة، تأليف ، أحمد القطان، محمد الزين، مكتبة السندس، الكويت، الطبعة الثانية، 1988م.
انتشار الاسلام في القارة الأفريقية، د. حسن ابراهيم حسن ، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثالثة، 1984م.
ايقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، للإمام محمد بن علي السنوسي، طبع مع المجموعة المختارة للإمام السنوسي، على نفقة محمد عبده بن غلبون وشقيقه هشام وعلي في منشستر، ببريطانيا عام 1990م.

(ب)
4. برقة العربية أمس واليوم، محمد الطيب بن أحمد ادريس الأشهب، مطبعة الهواري، شارع محمد علي بمصر.
5. البحر الرائق في الزهد والرقائق، أحمد فريد، دار البخاري، القصيم بالسعودية، الطبعة الأولى 1411هـ-1991م.
6. البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة بيروت.

(ت)

7. تاريخ ليبيا المعاصر، محمود عامر، منشورات جامعة دمشق طبعة عام 1411هـ، 1991م.
8. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، أبو الفداء اسماعيل، تحقيق عبدالعزيز غنيم، وحمد أحمد عاشور، ومحمد ابراهيم البناء، مطبعة الشعب القاهرة بمصر.
9. تفسير السعدي، المسمى تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي، المؤسسة السعدية بالرياض 1977م.
10. تفسير الإمام البغوي، المسمى معالم التنزيل، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1413هـ، 1992م.
11. التمكين للأمة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم، محمد السيد محمد يوسف، دار السلام بمصر، الطبعة الأولى 1418هـ،1997م.
12. توضيح الأحكام من بلوغ المرام، عبدالله بن عبدالرحمن البسام، دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، الطبعة الأولى 1413هـ، 1992م.
(ج)
13. جند الله تخطيطاً، سعيد حوى، دار السلام بمصر.

14. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، مكتبة المعارف، الرياض 1403هـ/1983م.
15. الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
16. المجتمع الليبي، د. عبدالجليل الطاهر، المكتبة العصرية صيدا، بيروت، طبعة عام 1969م.
17. المجتمع والدولة والإستعمار في ليبيا، د. علي عبداللطيف حميده، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1995م.
18. الجغرافيا السياسية لأفريقيا، د. فيليب رفلة، القاهرة عام 1965م.

(ح)
19. حاضر العالم الإسلامي، تأليف لوثروب ستودارد الأمريكي، ترجمة: عجاج نويهض، تعليق: شكيب أرسلان، دار الفكر.
20. حاضر العالم الإسلامي، وقضاياه المعاصرة، محمد جميل المصري، منشورات جامعة المدينة المنورة.
21. الحكمة في الدعوة إلى الله، سعيد بن علي القحطاني، الطبعة الأولى، 1412هـ، 1992م.
22. الحكمة والموعظة الحسنة، د. أحمد سليمان المورعي، دار الأندلس الخضراء، جدة، الطبعة الأولى، 1418هـ،1997م.

23. الحركة السنوسية، نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر، أحمد الدجاني، الطبعة الأولى، 1967م، دار لبنان.
24. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني، دار الكتاب العربي، بيروت.

(د)
25. دراسات وصور من تاريخ الحياة الأدبية في المغرب العربي، د. محمد طه الحاجري، دار النهضة العربية، بيروت، طبعة أولى، عام 1403هـ،1983م.
26. دائرة المعارف، بطرس البستاني، مطبعة الهلال بمصر، طبعة عام 1898.
27. دراسات في التاريخ اللوبي، مصطفى بعيو، القاهرة، 1945م.
28. الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية، للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعة في منشتر ببريطانيا عام 1990م على نفقة محمد عبده بن غلبون، وشقيقه هشام وعلي.
29. دولة الموحدين، من سلسلة صفحات من التاريخ الإسلامي في الشمال الإفريقي، لعلي محمد محمد الصلاّبي، دار البيارق، عمان، بيروت، طبعة أولى 1998م.
30. الدولة العثمانية، عوامل النهوض، وأسباب السقوط، لعلي حمد محمد الصلاّبي، تحت الطبع ضمن منشورات دار البيارق.
31. ديوان الإمام الشافعي، تحقيق، محمد عبدالمنعم خفاجي، الطبعة الثالثة 1406هـ، مكتبة المعارف.

(ر)
32. رحلة الحشائشي إلى ليبيا، جلاء الكرب عن طرابلس الغرب، محمد عثمان الحشائشي التونسي، تحقيق علي مصطفى المصراتي، دار لبنان، الطبعة الأولى 1965م.

(س)
33. سد باب الإجتهاد وماترتب عليه، عبدالكريم الخطيب، دار الأصالة، الطبعة الأولى 1405هـ،1984م.
34. سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة 1405هـ، 1985م، بيروت، دمشق.
35. سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث، تحقيق عزت عبيد الدعاس، حمص، الناشر: محمد السيد.
36. سياحتي في صحراء أفريقيا الكبرى، لصادق المؤيد، مطبعة سي، استانبول، عام 1314هـ.
37. السنوسية دين ودولة، د. محمد فؤاد شكري، دار الفكر، طبعة 1948م.
38. السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين، للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعة منشستر عام 1990م.
39. السيد محمد رشيد رضا، محمد أحمد درنيقة، مؤسسة الرسالة، دار الإيمان، طرابلس، لبنان، طبعة أولى 1406هـ،1986م.
40. الإسلام في القرن العشرين، حاضره ومستقبله، عباس محمود العقاد، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1969م.
41. السنوسي الكبير، محمد الطيب بن إدريس الأشهب، مطبعة محمد عاطف، ميدان الخازندار بمصر.

(ش)
42. شرح الحماسة للمزروقي، ط2، لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة 1387هـ/1967م.
43. شرح النووي على مسلم، للنووي ط1، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة.
44. شرح مقدمة أبي زيد القيرواني، الأمين الحاج محمد أحمد، مكتبة دار المطبوعات الحديثة، الطبعة الأولى، 1412هـ،1991م.
(ص)
45. صحيح البخاري، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار الطباعة العامرة باستانبول1315هـ، المكتب الإسلامي، استانبول، تركيا.
46. صحيح مسلم، للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج القسيري النيسابوري، دار الحديث، القاهرة الطبعة الأولى 1412هـ/1991م.

(ع)
47. عجائب الآثار في التراجم والاخبار، لعبدالرحمن الجبرتي، دار فاس.

(ف)
48. فقه التمكين في القرآن الكريم، لعلي بن محمد الصلاّبي، رسالة دكتوراه لم تطبع.
49. في تاريخ العرب الحديث وجهاد الأندلسيين ، د. رأفت الشيخ، دار الثقافة، طبعة 1412هـ/1992م.
50. الفوائد الجليلة في تاريخ العائلة السنوسية، عبدالقادر بن علي، مطبعة دار الجزائر العربية، دمشق، عام 1386هـ/1966م.


(ق)
51. قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، محمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ، الطبعة الاولى 1399هـ/1979م.
(ك)
52. كتب في الساحة الاسلامية ، عائض القرني، دار العميعي ط، 1412هـ.
(م)
53. موسوعة التاريخ الاسلامي، محمود شاكر.
54. موسوعة التاريخ الاسلامي، د. احمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، الطبعة العاشرة 1995م.
55. مفاتيح الغيب، للأمام فخر الدين الرازي، دار الفكر لبنان.
56. مقدمة الإمام مالك، للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعة في منستر عام 1990م على نفقة بن غلبون.
57. المنهل الروي الرّائق في اسانيد العلوم وأصول الطرائق للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعة في منستر عام 1990م على نفقة آل بن غلبون.
58. مجموع فتاوى ابن تيمية ، جمع وترتيب عبدالرحمن القاسم ، بيروت ،ط 1390هـ/1971م.

59. المستخلص في تزكية الأنفس، سعيد حوى، دار السلام، الطبعة الرابعة، 1408هـ/1988م.
60. الإمام البخاري، تقي الدين الندوي المظاهري، الطبعة الثالثة 1408هـ/1988م، دار القلم ، بيروت ، دمشق .
61. مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية ، إدريس محمود إدريس، مكتبة الرشد - الرياض، شركة الرياض للنشر والتوزيع، الطبعة الاولى 1419هـ/1998م.
62. الموطأ : الامام مالك بن أنس ، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى الحلبي وشركاه، القاهرة.
63. المسائل العشر، للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعت بمنستر ببريطانيا، عام 1990م على نفقة آل بن غلبون.
64. الملك أدريس عاهل ليبيا، تأليف دي كاندول، ترجمة ليبي، الناشر محمد عبده بن غلبون.
65. المهدي السنوسي، محمد الطيب الأشهب، مطبعة بلينوماجي، طرابلس.
66. ليبيا من الاستعمار الايطالي الى الاستقلال، د. نقولا زيادة، منشورات قسم الدراسات التاريخية والجغرافية، معهد الدراسات العربية العالمية ، جامعة الدول العربية، طبعة 1958م.

(ن)
67. الانحرافات العقدية والعلمية في القرنيين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة، تأليف علي بن نجيب الزهراني ، دار طيبة مكة ، دار آل عمار الشارقة، الطبعة الثانية 1418هـ/1998م.
68. النجوم الزاهرة ، لجمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1391هـ/1971م.

(و)
69. واقعنا المعاصر ، محمد قطب، الطبعة الثانية، 1408هـ/1988م ، مؤسسة المدينة المنورة.
70. وجوب التعاون بين المسلمين ، عبدالرحمن السعدي، المعارف ، الرياض، طبعة 1402هـ.









الموضوع ص
المقدمة...............................................................
..................................................... 3
المدخل...............................................................
..................................................... 11
الفصل الأول: الإمام محمد بن علي السنوسي......................... 23
المبحث الأول: اسمه ونسبه وشيوخه ورحلاته في طلب العلم............ 23
أولاً: اسمه ونسبه........................................... 23
ثانياً: نبوغ مبكر........................................... 25
ثالثاً: الرحلة الى فاس....................................... 28
رابعاً: الأسباب التي جعلت ابن السنوسي يغادر فاس.......... 34
خامساً: رحلته الى المشرق..................................... 37
سادساً: دخوله القاهرة....................................... 40
سابعاً: دخوله الحجاز........................................ 48
ثامناً: رحلته من الحجاز الى المغرب.......................... 54
تاسعاً: ابن السنوسي في طرابلس............................. 60
عاشراً: ابن السنوسي في برقة................................. 62
المبحث الثاني: اسباب اختيار ابن السنوسي برقة مركزاً لدعوته........ 71
تمهيد: ..................................................... 71
المبحث الثالث: إقامة ابن السنوسي في الحجاز وعودته الى برقة.......... 83
أولاً: عودة ابن السنوسي الى برقة........................... 88
ثانياً: اسباب اختيار الجغبوب............................... 93
الموضوع ص
ثالثاً: الاخوان السنوسيون الذين حملوا مع ابن السنوسي الدعوة. 95
رابعاً: الأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع عند ابن السنوسي. 110
أ- وحدة العقيدة.............................................. 112
ب- تحكيم الكتاب والسنة...................................... 121
ج- صدق الانتماء الى الاسلام.................................. 124
د- طلب الحق والتحري في ذلك............................... 124
هـ- تحقيق الأخوة بين أفراد المجتمع............................... 125
الفصل الثاني: البعد التنظيمي، والمنهج التربوي، والبعد السياسي عند ابن السنوسي.. 127
المبحث الأول: البعد التنظيمي عند ابن السنوسي.................................... 127
أولاً: الأسلوب الذي تبنى به الزاوية........................ 131
ثانياً: مواقع الزوايا......................................... 132
ثالثاً: وظائف الزاوية....................................... 135
رابعاً: السلطة في الزاوية.................................... 137
خامساً: طريقة فض المنازعات في الزاوية....................... 138
سادساً: أراضي الزاوية....................................... 139
سابعاً: موارد الزاوية........................................ 141
ثامناً: التعليمات الخاصة بنظام الزاوية....................... 141
تاسعاً: اسماء بعض الزوايا التي أنشأها ابن السنوسي............ 144
المبحث الثاني: المنهج التربوي........................................ 155
أولاً: يتعين على المريد أن يصحح عقيدته.................... 155
ثانياً: أن لايقدم المريد على شيء حتى يعلم حكم الله......... 158
ثالثاً: تزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب......... 165
رابعاً: اسباب تزكية النفس.................................. 171
الموضوع ص
خامساً: ابن السنوسي ونقده لأخطاء الصوفية.................. 177
أ- في مفهوم العبادة..................................... 178
ب- في مفهوم التوكل..................................... 179
ج- في مفهوم الجهاد...................................... 180
المبحث الثالث: البعد السياسي عند ابن السنوسي...................... 183
الفصل الثالث: اسلوبه الدعوي، وثروته الفكرية، وصفاته الربانية....... 195
المبحث الأول: الاسلوب الدعوي عند ابن السنوسي.................. 195
أولاً: التعامل مع الطرق الصوفية........................... 196
ثانياً: التعامل مع العبيد من الأفارقة......................... 197
ثالثاً: التعامل مع القبائل وتوظيفها للدعوة................... 197
رابعاً: ضرب الامثال عند ابن السنوسي...................... 199
خامساً: استخدام القصة عند ابن السنوسي..................... 201
سادساً: استعماله للشدة في موقف الشدة...................... 202
سابعاً: من رسائل ابن السنوسي الدعوية...................... 204
المبحث الثاني: الجانب الفكري عند ابن السنوسي من خلال كتبه...... 207
أولاً: المنهل الروي الرائق في أسانيد العلوم وأصول الطرائق... 211
ثانياً: الدرر السنية في أخبار السلالة الادريسية............... 218
ثالثاً: إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن.............. 223
المبحث الثالث: من أهم صفات ابن السنوسي......................... 239
أولاً: الحلم................................................ 239
ثانياً: العفو والصفح عند المقدرة............................ 240
ثالثاً: زهده................................................ 240
رابعاً: تواضعه.............................................. 242
الموضوع ص
خامساً: العفة والترفع عما في أيد الناس........................ 243
سادساً: قوة الحجة، والقدرة على الاقناع والمناظرة............. 244
سابعاً: شعوره بالمسؤولية.................................... 246
ثامناً: حليته................................................ 247
تاسعاً: هوايته............................................... 247
وأخيراً: وفاته................................................ 247
نتائج البحث.......................................................... 257
فهرس المصادر والمراجع............................................... 267
فهرس الكتاب........................................................ 277
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الأربعاء 1 محرم 1429هـ/9 يناير 2008م/15:41

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لك الحمد والثناء والشكر كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركات


- الجزء الثاني -

تأليف
الدكتور علي محمد محمد الصلابي


الإهداء

الى العلماء العاملين ، والدعاة المخلصين،
وطلاب العلم المجتهدين،وأبناء الأمة الغيورين
أهدي هذا الكتاب سائلاً المولى عز وجل بأسمائه
الحسنى وصفاته العُلا أن يكون خالصاً
لوجهه الكريم
قال تعالى: ................ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِهِ فَلْيَعمَل عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشرِك بِعِبَادَةِ رَبِه أَحَدَاً.
(سورة الكهف، آية 110)

إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله , ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حَق تقاتِهِ ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون- (سورة آل عمران : آية 102).
, ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطعِ الله ورسوله فقد فازاً فوزاً عظيماً-
(سورة النساء، آية 1).
أما بعد؛
يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى.
هذا الجزء الثاني من الكتاب السابع يتحدث عن الحركة السنوسية في ليبيا وقد سميته (الحركة السنوسية في ليبيا وأثرها الدعوي والجهادي وسيرة الزعيمين محمد المهدين واحمد الشريف).
إن غربلة التاريخ، وحفظه من التزوير ، وكشف الاكاذيب التي دسها أصحاب الأغراض الخبيثة الذين عملوا على تشويه، وتزويره، وتشكيك الاجيال في سير ابطالهم، وقدواتهم، لعبادة عظيمة يحبها المولى عز وجل الذي من اسمائه الحسنى العدل، والحق إن الأبناء البررة يحفظون لزعماء بلادهم، وصانعي تاريخها، اعمالهم العظيمة، وجهادهم الشاق، ودعوتهم المخلصة مع الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة قال تعالى: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}.
لقد اطلع مجموعة من المفكرين، والمختصين بشؤون الدعوة، والمهتمني بأمر التاريخ على سيرة الامام محمد بن علي السنوسي، فنالت اعجابهم واشادوا بالأسس التي قامت عليها الحركة السنوسية من إيمان عميق، واخلاص لله، وعلم غزير، وجهاد متواصل ، واشاروا الى أهمية نشر مثل هذه المعلومات لأنها تساهم في توعية الاجيال بحقائق مهمة في مجال الدعوة الى الله تعالى.
وفي هذا الجزء من هذه الدراسة نحاول أن نتعرف على سيرة إمامين من أئمة الدعوة السنوسية، محمد المهدي السنوسي، وأحمد الشريف السنوسي.
فالإمام محمد المهدي يعتبر الزعيم الثاني للحركة السنوسية وكانت سيرته مليئة بالدروس والعبر، والعظات، وتوسعت الحركة في زمنه اكثر من اربعة اضعاف على ماكانت عليه وحققت انتصارات عظيمة للاسلام في إفريقيا بسبب اخلاصه لله، وصدقه في الدعوة، وتفانيه في العمل ، وشجاعته النادرة، ورجولته الصادقة، وسيره الرشيد المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. لقد نمت الحركة السنوسية في عهد المهدي حتى بلغت ذروة نموها وانتشارها، وكانت فترة قيادته أكثر من أربعين عاماً، فكانت هذه المدة الطويلة، فترة استقرار وانتشار للدعوة، ويمكن تسميتها بالعصر الذهبي للدعوة السنوسية.
وكان المهدي بعيد النظر، سديد الرأي ، شديد العزم على إتمام البناء الذي شيده والده ابن السنوسي، فواصل مسيرة والده في انشاء الزوايا، وإرسال الدعاة والعلماء الى قبائل افريقيا، فدخلوا النيجر والكنغو والكامرون وجهات بحيرة تشاد، وعمل على ذيوع الدعوة عن طريق واداي، وبرنو، وكانم، والداهومي وغيرها.
لقد تغلغلت الحركة السنوسية بقيادة المهدي السنوسي في قلب افريقيا من البحر المتوسط شمالاً، الى قلب السودان الغربي جنوباً حيث كانت تنتشر الوثنية، وبتوفيق الله تعالى ثم هذه الجهود العظيمة دخل عدد كبير من الزنوج في الدين الاسلامي، وخرجت عدة قبائل وثنية من مهاوي الكفر بدرجة لايتصورها العقل وفي هذا يقول الشاعر:
كانت طريقته القيام بسنة
نبوية لالاءة الاوضاح
فله من الخدمات للاسلام ما
يعلو على متناول الشراح
يكفيه نشر الدين في الآلاف من
أقصى حدود (الشاد) حتى (الواح)
نصر لدين الله بين مجاهل
صعبت على الرواد والسياح
فازوا من الفتح المبين بعزة
الاسلام بعد عبادة الاشباح
لقد بسطت الحركة السنوسية في زمن المهدي سلطانها الروحي على أقاليم كثيرة في أفريقيا، وحققت نجاحات كبيرة في أوساطها ، وفي قلب الصحراء الكبرى، وكانت عقبة كأداء في طريق الرسالات المسيحية التنصيرية، التي وجدت في اتباع السنوسية خصوماً عنيدين ، عطلوا عليها أعمالها لدرجة بعيدة.
لقد كانت سيرة محمدالمهدي السنوسي، روحها إيمان عميق بالله، وحب شديد لدعوته الخالدة، ورغبة أكيدة في الشهادة في سبيله، وجهاد مرير لأعداء الاسلام، وصبر لا ينفذ في مجال الدعوة، ومجالدة دول الاستعمار بالبناء المتين، والتربية الشاملة ، والأعداد المتوازن في كافة المجالات.
لقد اتصف محمد المهدي بصفات القادة الربانيين، من سلامة المعتقد، والعلم الشرعي، والثقة بالله، والقدوة الحسنة، والصدق والشجاعة، والمروءة ، الزهد، وحب التضحية، وحسن اختياره لمعاونيه، والتواضع ، وقبول النصح، والحلم ، والصبر، وعلو الهمة، والحزم ، والارادة القوية، والعدل ، والقدرة على حل المشكلات، والقدرة على التعليم وإعداد القادة ، وإيمان بالله عظيم.
لقد انعكست ثمار الايمان بالله على جوارحه، وتفجرت صفات التقوى في اعماله ، وسكناته واحواله واستطع بتوفيق الله تعالى أن ينتقل بالحركة نحو اهدافها المرسومة بخطوات ثابتة، ورؤية واضحة، ومعرفة حقيقية للظروف المحلية والإقليمية والدولية التي تحيط به.
لقد كانت معالم سيرته ، كما قال الشاعر:
كانت معالمها كسيرة جده
احياء دين وانتشار صلاح
اعمال مجتهد بخالص نية
للخير منتصر بغير سلاح
لو كان عن شيء لغير الله في
اعماله ماكللت بنجاح
اذ لايدوم سوى الذي هو نافع
للناس مرتفع عن الارباح
ومن الكرامة للولي نجاحه
في النصح بالاقناع والافصاح
والمرء لايعجبك منه ماسعى
بل مانوى في السعي من اصلاح
فإذا استوى علم وحسن عقيدة
كان النجاح حليف كل طماح
إن العقيدة لا يصح يقينها
إلا بفعل ظاهر وصراح
فإذا أحب الله باطن عبده
ظهرت عليه مواهب الفتاح
وإذا صفت لله نية مصلح
مال العباد إليه بالارواح
هذي صفات السيد (المهدي) ولا
والله مابالغت في الايضاح
إن هذا الجهد المتواضع يحاول أن يجيب القارئ الكريم عن كثير من الأسئلة التي تتعلق بسيرة محمد المهدي السنوسي: كيف طلب العلم؟ وكيف تولى زعامة الحركة؟ وهل كان له مجلس شورى؟ وهل تطورت مؤسسات الحركة السنوسية في عهده؟ وماهي اسباب نمو الحركة؟ وهل كان هناك اهتمام خاص في زمنه بالمنهج التربوي الجهادي؟ ولماذا هذا الاهتمام ؟ وماموقف الدول الأوروبية من الحركة السنوسية؟ وماموقف محمد المهدي السنوسي من الثورة العرابية في مصر، وثورة محمد احمد في السودان؟ وماموقفه من الدولة العثمانية وفكرة الجامعة الاسلامية؟ وماهي الاهداف من رحلاته وانتقاله الى الكفرة ثم قرو؟ وماحقيقة الصراع بين فرنسا والحركة السنوسية؟
هذه الاسئلة وغيرها يحاول الكتاب أن يجد لها إجابات مقنعة من خلال البحث التاريخي.
أما سيرة الزعيم الثالث للحركة السنوسية السيد أحمد الشريف السنوسي، فيجد القارئ شيئاً من سيرته في هذا الكتاب الذي يحاول أن يعرّف أبناء الأمة عموماً وليبيا خصوصاً بهذا السيد الصنديد والعالم الجليل، والعابد الخاشع، والمجاهد الشجاع ، والمهاجر الحزين بقصته الدعوية، وسيرته الجهادية، واعماله البطولية سواء ضد فرنسا في تشاد والنيجر ومالي وجنوب الجزائر، عبر الصحراء الكبرى، أو ضد إيطاليا في ليبيا أو بريطانيا في مصر، لقد قال في حقه الشيخ الطاهر الزاوي: (فالسيد أحمد رجل صقله العلم، وهذبته العبادة، فعفت نفسه، وكبرت همته، وانكمشت يده عما للناس فيه حق أو شبه حق، وأخلص عمله لله فتولى الله توفيقه، وأطلق ألسنة الناس بمدحه والثناء عليه).
وقال فيه شكيب ارسلان: (... فالسيد أحمد الشريف السنوسي هو خاتمة مجاهدي الاسلام الى هذا الوقت قد سبقه الشيخ شامل الداغستاني الذي قاوم الروسية أربعين سنة والامير عبدالقادر الجزائري الذي ناهز فرنسا 17 سنة وتبعه في الجهاد واقتدى بسيرته محمد عبدالكريم الخطابي الريفي الذي كانت مقاومته قصيرة ولكنها عريضة توافق فيها دولتي فرنسا وأسبانيا معاً وجهاً لوجه وزلزلتا في حربة زلزالا شديد ولولا السيد أحمد الشريف -رحمه الله- لكانت ايطاليا استصفت قطري طرابلس وبرقة من الشهر الاول...) وقال أيضاً: (...ولم يكن في قلبه شيء من الدنيا بجانب الآخرة وكانت جميع حطام هذا العالم الفاني لا توازي عنده جناح بعوضة في جانب الواجب الاسلامي وهذا الرجل هو السيد السنوسي الكبير الذي لولاه لم يكن أنور قدر أن يعمل شيئاً ولا كانت الدولة العثمانية قدرت أن تدافع عن طرابلس شهراً واحداً. وما كان المرحوم الشهيد البطل الفريد عمر المختار إلا حسنة من حسنات السيد احمد الشريف وقائداً من قواده...) وقال أيضاً: (...أن السيد أحمد الشريف هو بنفسه أمة، وأن سيرة السيد احمد الشريف هي بذاتها تاريخ. وإن كل من عرف عن كثب ذلك السيد الغطريف علم من أخلاقه وورعه وحلمه وعلمه وزهده في الدنيا وحبه لمعالي الأمور وعزوفه عن سفاسفها ومؤاساته للفقراء وحنانه على الضعفاء وشدته مع ذلك في الدين وانحصار كل همومه في استتباب أمر المسلمين ومحافظته على الفرائض والسنن وغير ذلك من الأخلاق العالية والهمم الشماء والمنازل القعساء مايذكر بأخلاق الصحابة الكرام بل يشبه من أخلاق الخلفاء الراشدين العظام...) وقال في حقه أيضاً: (....ولم يكن للسيد غرام في الدنيا إلا بأمر هذه الأمة ولما سالته عند اجتماعنا في مكة عن أولاده الذين تركهم أطفالاً أجابني: قد صاروا الآن رجالاً وما أنا بمفكر في أمرهم؛ إنما يهمني أمر هذه الأمة المعذبة في طرابلس، وكان في قلبه من أمر طرابلس مالا يعلمه إلا الله ولكنه كان في إيمانه في ثبات الجبال وكان يرى في هذه المصائب مقدمات يقظة الاسلام...).
وقال عنه أنور باشا القائد التركي المشهور في جهاده ببرقة: (...رسائله تشكل بصورة واضحة أهمية كبيرة بالنسبة لي كرمز للصداقة ؛ لأنه الشخص الوحيد الذي يتمتع بتأثير سلبي أو ايجابي في هذه الحرب...).
في هذا الكتاب سيجد القارئ ماقاله المؤرخون في حق أحمد الشريف هل هو صواب أم خطأ، ويجد إجابات لكثير من الاسئلة المتعلقة بسيرته: كيف تولى احمد الشريف زعامة الحركة السنوسية؟ وهل خاض بنفسه الحروب ضد فرنسا؟ ومن هم القادة الذين كانوا معه؟ وماموقفه من الغزو الايطالي؟ وهل وقف مع الاتراك ضد الغزو؟ وهل وافق على الصلح الذي تم بين تركيا وايطاليا؟ وماموقف الزوايا السنوسية من الاحتلال الايطالي؟ وهل تفاعل العالم الاسلامي مع جهاد ليبيا؟ وهل دخول احمد الشريف في حرب بريطانيا في الأراضي المصرية كان صحيحاً من الناحية العسكرية والسياسية؟ وماهي اسباب هزيمة احمد الشريف امام بريطانيا في الجبهة الشرقية؟ وماحقيقة الخلاف بين ادريس السنوسي، وأحمد الشريف؟ وماهي آثار حملته ضد بريطانيا على حركة الجهاد؟ وماهي الاسباب الرئيسية في سفره الى تركيا؟ كيف ومتى وصل الى تركيا؟ وماموقفه من مصطفى كمال ؟ وهل عرض عليه مصطفى كمال منصب نيابة الخليفة؟ وهل شارك في جهاد الاتراك ضد اليونان؟ ولماذا طرده مصطفى كمال من تركيا؟ والى اين هاجر وكيف كان استقبال الملك عبدالعزيز آل سعود له؟ ومتى توفي؟
نعم اسئلة كثيرة يحاول الكاتب أن يجيب عليها في هذا الكتاب بإذن الله تعالى.
لقد وفقني الله تعالى للجمع والترتيب والتحليل، فإن كان خيراً ؛ فمن الله وحده، وإن أخطأت السبيل فأني عنه راجع إن تبين لي ذلك والمجال مفتوح للنقد، والرد، والتعليق، والتوجيه، كما أقرر بأنني قد استفدت كثيراً من الجهود التي سبقتني، ككتاب (الحركة الوطنية في شرق ليبيا خلال الحرب العالمية الاولى) لمصطفى علي هويدي، وجهاد الابطال للشيخ طاهر الزاوي، وحركة الجامعة الاسلامية ، لأحمد فهد الشوابكة، والغزو الايطالي لليبيا لعبدالمنصف البوري، وتاريخ ليبيا المعاصر لمحمود عامر، وحروب البلقان لعايض الروقي، وبرقة العربية لمحمد الطيب الأشهب، والمهدي السنوسي لمحمد الطيب الأشهب، والحركة السنوسية للدجاني، والفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية لعبدالقادر بن علي، وغيرها من الكتب، وقد دونت مااختصرته من مباحث وأشرت إليه في هامش الكتاب للأمانة العلمية، واعترافاً بجهود الذين سبقوا كما أنني انتهجت منهجاً دعوياً تاريخيا ًيعتمد على توسيع النقاط البيضاء المشرقة، وتضييق النقاط السوداء المظلمة، مساهمة مني في علاج الهزيمة النفسية التي يمر به شعبنا المظلوم ومتضرعاً لله تعالى الحي القيوم أن يحي شعبنا وأمتنا بالإيمان والقرآن الكريم وسنة سيد الخلق أجمعين.
إن هاتين السيرتين العطرتين تبين لمسلمي ليبيا، أن من أصلاب أجدادهم خرج مثل هؤلاء الابطال وعاشوا للذود عن الاسلام ونشره بين الأنام، وبذلوا الأنفس والأموال والغالي والثمين من أجل دينهم وعقيدتهم واسلامهم، كما تعطي الأمل في نفوس دعاة شعبنا بأن شجرة الاسلام الزكية الضاربة بجذورها في شعبنا من زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكفيلة بأن تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
هذا وقد قمت بتقسيم الجزء الثاني من الكتاب السابع في السلسلة التاريخية الى مقدمة وفصلين ، وخلاصة وهي كالآتي:
الفصل الاول: محمد المهدي ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اسمه وولادته وشيوخه ومبايعته ومواقفه.
المبحث الثاني: موقف محمد المهدي السنوسي والليبيين من الدولة العثمانية وفكرة الجامعة الاسلامية.
المبحث الثالث: رحلة المهدي السنوسي الى الكفرة وقرو.
الفصل الثاني: الزعيم الثالث للحركة السنوسية، أحمد الشريف ويشتمل على ستة مباحث:
المبحث الأول: ولادته وتربيته وشيوخه.
المبحث الثاني: تولي قيادة الحركة.
المبحث الثالث: الغزو الايطالي.
المبحث الرابع: الجهاد في برقة.
المبحث الخامس: الحرب العالمية الاولى.
المبحث السادس: وصول احمد الشريف الى تركيا.
ثم الخلاصة.
وأخيراً: أرجو من الله تعالى أن يكون عملاً خالصاً لوجهه الكريم وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكافة مايملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من القارئ الكريم أن لاينسى العبد الفقير الى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه في صالح دعواته.
((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين)).

الفقير الى عفو ربه ومغفرته
علي محمد محمد الصّلابي






























الفصل الأول
محمد المهدي السنوسي

المبحث الأول
اسمه، وولادته، وشيوخه، ومبايعته، ومواقفه

أولاً: اسمه وولادته وشيوخه:
هو محمد المهدي بن محمد بن علي السنوسي ولد في الجبل الأخضر في ليبيا في محل يقال له ماسة، يقع بجانب زاوية البيضاء، في شهر ذي القعدة عام 1260هـ، الموافق نوفمبر 1844م( ).
ويذكر أحمد الشريف في تاريخه: (أن ابن السنوسي كان في درنة عند ولادة ابنه المهدي، فكتب له عمران بن بركة يهنئه ويسأله عن الاسم فلما قدم المبشر عليه حكى لهم حكاية قال: كان رجل يخرز طبلاً فمر به جماعة وهو يخرز. قالوا له: ماذا تفعل؟ قال: اذا يبس تسمعون صوته. ثم قال لحميه احمد بن فرج الله هذا المولود الذي ازداد على ابنتك يقف موقفاً يجري فيه الدم مجرى الماء في الوادي. وكتب لعمران بتسميته محمد المهدي وقال: اسميناه المهدي ليحوز إن شاء الله أنواع الهداية، ونرجو الله أن يجعله مهدياً)( ). لقد كان مجيئ الولد لابن السنوسي بعد ما تقدمت به السن وكان الاخوان السنوسيون يتمنون من الله أن يرزق شيخهم مولوداً مباركاً، ولذلك كانت فرحة الاخوان، وابن السنوسي بهذا المولود عظيمة، وسارع عمران بن بركة لزف البشرى لوالده، لإدخال السرور على قلبه، وبعد مدة أرسل ابن السنوسي الى زوجته بالقدوم الى درنة وسلم ابنه للمرضعة، وكان سرور ابن السنوسي عظيماً وكان يرى أن ابنه المهدي سيخلفه بالدعوة ويكمل مابدأه هو من أعمال، ومكث ابن السنوسي في درنة بجانب أهله الى أن ولد ابنه الثاني سنة 1262هـ/1846م. (وعندما كتب له عمران بن بركة يهنئه ويسأله عن اسم الوليد الثاني رد له الجواب بتسميته الشريف قائلاً له : (إننا لا نحيد بأسماء ابنائنا عن اسماء النبي وإنما يختلفون في الألقاب والكنى فكما سميت الأول محمد المهدي ليحوز انواع الهداية فسمي هذا محمد الشريف ليحوز أنواع الشرف..ثم شرّق للحجاز)( ).
واسند أمر تربية أولاده للأخوان وكان المسؤول الأول الشيخ العلامة عمران بن بركة وكان يتابع أخبار ولديه في برقة وعندما أتم المهدي الخامسة من عمره أرسل ابن السنوسي للأخوان الكافلين له قائلاً: ادخلوه الكتّاب وعلموه الوضوء والصلاة. ففعلوا كما أمر( ).
وبعد أن أتم السنة السادسة من عمره أدخله المدرسة القرآنية تحت إشراف العلامة عمران بن بركة الفيتوري، وفي منتصف السنة السابعة من عمره. حفظ جميع القرآن الكريم.
وكان علماء الحركة السنوسية يعلمون أولادهم كتاب الله، ويشجعونهم على حفظه مقتدين في فعلهم بفعل الصحابة مع أولادهم وبأقوال العلماء في هذا الباب:
قال السيوطي: (تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الاسلام فينشأون على الفطرة ويسبق الى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكن الأهواء منها وسوادها بأكدار المعصية والضلال)( ).
وأكد ابن خلدون هذا المفهوم بقوله: تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين أخذ به أهالي الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم لما يسبق الى القلوب من رسوخ الايمان وعقائده بسبب آيات القرآن ومتون الاحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي يبنى عليه مايحصل بعد من الملكات)( ).
وبعد أن سمع والده بحفظ ابنه للقرآن الكريم طلبه والده للمجيئ للحجاز، وصحبه العلامة محمد بن ابراهيم الغماري، وهناك عهد به والده الى نخبة من العلماء لتربيته وتلقينه العلوم تحت إشرافه المباشر، وفي سنة 1274هـ رجع محمد المهدي الى الجغبوب بصحبة العلامة عبدالرحيم المحبوب، وواصل محمد المهدي تعليمه العالي في معهد الجغبوب وأشرف على تعليمه وتربيته والده ابن السنوسي وكبار الأخوان.
وكان ابن السنوسي يتابع بعناية فائقة حركات وأقوال وأفعال ابنه، ويوجهه للصفات الرفيعة، والأخلاق الحميدة، وكان محمد المهدي منذ طفولته يتميز بالذكاء، وحسن الخلق، والتربية الرفيعة، ومن القصص التي تدل على صفاته الحميدة، جيئ للسيد المهدي في إحدى المناسبات بجواد مسروج ليركبه، وكان محمد المهدي لايزال صغيراً بحيث أنه لايستطيع وضع رجله بدون واسطة في ركاب السرج، وتقدم أحد الاخوان مطأطئاً ليصعد المهدي على كتفه حتى تصل رجله الركاب، وكان ابن السنوسي يلاحظ هذه الحركات وينظر إليها بإهتمام من طرف خفي، ورفض المهدي أن تطأ رجله كتفي الشخص الذي تقدم لمعاونته رفضاً باتاً، وأخذ يقود جواده بنفسه الى أن اقترب من حجر عال مثبت بالأرض فعلاه وبذلك تمكن من أن تصل رجله الى ركاب السرج فنال هذا اعجاب واستحسان والده والاخوان الحاضرين( ).
(وكان والده يكثر من سؤال الاخوان الذين يشرفون على تربيته وتعليمه عما وصل إليه فكانوا يبدون أعجابهم)( ).
وفي السنتين الأخيرتين من حياة ابن السنوسي اهتم بتوطيد مركز ابنه المهدي بين الأخوان، وألقى الأضواء عليه، وعمل على رفع شأنه.
نقل عن الشيخ عمر الفضيل -رحمه الله- قوله: جاء السيد المهدي بـ(لوحة) الى والده ابن السنوسي يريد أن يبدأ له فيه (بالأفتتاح) فلما فرغ من كتابته قال له: أشهد لنا بأننا خدمناك( ).
وكان ابن السنوسي يقف احتراماً للمهدي عندما يستأذنه للخروج، وأنه أصلح له حذاءه مرة وقال للاخوان: اشهدوا أنني خدمت المهدي، فخجل ابنه وتبللت ملابسه بالعرق وأحمر وجهه حياء حتى قيل أنه أصيب بنوع من الحمى( ).
وقال في احدى المناسبات (المهدي له السيف والشريف له الكتاب. ثم البسه السيف وقال له تقدم لتصلي بنا)( ).
وحرص ابن السنوسي أن يزوج ابنه المهدي في حياته، فزوجه وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره بفاطمة ابنة عمران بن بركة وذلك عام 1275هـ/1858م، وقد أنجبت للمهدي عدة أولاد وتوفيت في حياته سنة 1891م( ).
ثانياً: مبايعته:
عندما توفي ابن السنوسي في صفر عام 1276هـ كانت سن محمد المهدي حوالي ستة عشر سنة، ومع هذا فقد خف كبار العلماء والشيوخ في الحركة السنوسية الى مبايعته، وكان على رأسهم عمران بن بركة، وأحمد الريفي، علي بن عبدالمولى، ومحمد المدني التلمساني، محمد بن حسن البسكري، وعبدالمتعال الادريسي، احمد ابوالقاسم التواتي، ابوالقاسم العيساوي، عمر الأشهب، محمد بن الشفيع، مصطفى المحجوب، عبدالرحيم المحبوب، عمر الفضيل، محمد السكوري، احمد ابوسيف، محمد بن الصادق الطائفي، ابوسيف مقرب، ومحمد بن ابراهيم الغماري، عبدالله السني، المرتضى فركاش، حسين الغرياني، فالح الظاهري، فقدموا لمحمد المهدي وشقيقه محمد الشريف واجب التعزية، وبايعوا الإمام المهدي قاطعين على أنفسهم عهد الله وميثاقه أن لايتهاونوا بواجب الامانة التي تركها شيخهم الجليل لهم، وانهم مستعدون لتقديم الانفس والأرواح، في سبيل دعوتهم ودينهم، وكانت تلك البيعة قبل دفن ابن السنوسي( ) -رحمه الله تعالى- وقد بين عمران بن بركة في خطبة تأبين ابن السنوسي هذه البيعة في قوله: (... وأن تجعل تأييد الدين وتمامه على لسان ويد نجله الطاهر وفرعه الزاهر ووارثه الماهر سيدي ومولاي السيد محمد المهدي،...)( ).
ثالثاً: المجلس الأعلى للحركة وسير الحركة:
كون الامام المهدي السنوسي مجلساً أعلى من كبار الاخوان، يتكون من ؛ العلامة عمران بن بركة، واحمد الريفي، علي عبدالمولى، وفالح الظاهري، عبدالرحيم المحبوب، محمد المدني التلمساني، محمد بن الحسن البسكري، وسيف مقرب( )، وكان هذا المجلس يمثل قمة الهرم الذي قاعدته الزوايا، وكان يضم كبار رؤساء الزوايا في برقة وطرابلس ومصر، والحجاز والسودان، وشمال أفريقيا، وكان يجتمع سنوياً في الجغبوب للنظر في أهم أمور الحركة، وكان يرأسه محمد الشريف السنوسي ثم تعرض قراراته على الامام المهدي، للموافقة عليها، او تعديلها بما يبدو له، أو رفضها، أما المجلس الخاص، فيتكون من كبار الاخوان المقمين في الجغبوب، فيعقد جلساته يومياً بالجغبوب، وللكثير من اعضائه أعمال اخرى مضافة الى عضوية المجلس وهو يشكل قيادة للحركة، وقد وصف الطيب الأشهب هذا المجلس ، بمثابة مجلس الوزراء، فالسيد احمد الريفي بمثابة رئيس للوزراء، وهو المستشار الخاص للامام محمد المهدي، وعمران بن بركة رئيس مجلس الشيوخ، وعلي بن عبدالمولى حاكم الجغبوب، بمثابة وزير داخلية ومالية في وقت واحد الى جانب نظارة الخاصة الامامية، ومحمد المدني بمثابة وزير الشؤون الاجتماعية ومحمد الشريف ، بمثابة وزير المعارف، الى جانب نيابته عن الامام المهدي، ورؤساء الزوايا، كحكام للمناطق ، وبمثابة نواب الأمة عندما يجمعهم المجلس الأعلى وهناك مسؤليات أخرى وزعت على من ذكرنا وغيرهم، كالأشراف على طلبة القرآن ، وطلبة العلم ، ومراقبة المعلمين في المدرستين القرآنية والعلمية، والاشراف على العمال، وعلى دار الضيافة، ولاستقبال الزوار، ومراقبة المكتبة الجغبوبية ونظام توزيع الأرزاق (التموين)، واستلام الوارد وحفظه، الى جانب هذا النظام المحكم، هناك مجالس فرعية في كل أقليم من الأقاليم تضم رؤساء المراكز الاصلاحية في ذلك الاقليم، للنظر فيم يتعلق باختصاصاتهم، والشؤون المرتبطة بهم، فعلى هذا التخطيط كانت تدار شؤون الحركة( ).
ومن الملاحظ أن مبدأ التفرغ كان موجوداً في الحركة، لقناعة الحركة السنوسية أن الأعمال العظيمة تحتاج الى أوقات كبيرة، وجهود ضخمة، وهمم عالية، ولذلك سلكت الحركة السنوسية مسلك تفريغ بعض القيادات، ووفرت المال اللازم لهذا الهدف، ووفرت كل مايحتاجه الافراد المتفرغين حتى يستطيع المتفرغون أن يبذلوا مافي وسعهم من أجل الدعوة ونشرها بين الناس.
واهتم الامام المهدي بتطوير العاصمة السنوسية، فحفلت الجغبوب بالنشاط العلمي والزراعي وانتظم سير العمل في معهد الجغبوب، ووزع تلاميذ المدارس القرآنية على أقسام، ورتبت بدقة أمور الدراسة، وكل مايتعلق بالطلاب، كذلك سارت حركة الصناعة البسيطة التي يحتاجها الأهالي كالحدادة والنجارة …الخ واستصلحت مساحات من الأراضي وصارت تنتج الخضار والتمور، وارتبطت الجغبوب بالزوايا المتناثرة في الصحراء، فكانت القوافل تمر منها في رحلاتها بين الساحل الأفريقي والصحراء، وبين مصر والمغرب، كما كانت قبلة وفود القبائل التي تدين بالولاء للسنوسية، وانتظم سير العمل في الزوايا بسبب التنظيم الدقيق الذي سادها؛ وكان الاتصال بين المركز والزوايا يتم بانتظام، ودقة بالغين، فالرسائل مستمرة بين المهدي ورؤساء الزوايا تنقلها القوافل في طريقها، أو ينقلها في بعض الاحيان مبعوثون إذا استوجب الأمر الاستعجال، وتضمنت الرسائل تعاليم الحركة للزوايا وتقارير رؤساء الزوايا للمركز بالاضافة الى أخبار الحركة والاخوان( ) وكانت الزوايا تقوم بدورها في جمع المعلومات وما يتعلق بالقضايا الأمنية وترسلها الى الجغبوب، وكان نظام البريد في الحركة السنوسية في عهد الامام المهدي ينقسم الى أربعة أقسام نقطة ارتكازها الجغبوب وكان ترتيبه على الوجه الآتي:
• بريد خاص بزوايا طرابلس.
• بريد خاص بزوايا برقة.
• بريد خاص بزوايا مصر.
• بريد خاص بزوايا السودان.
وكثير ما يصل البريد ويصدر بواسطة قوافل الزوار والتجار وهذا عدا البريد المنظم والرسل الخاصين متى دعت الحالة. يصل البريد ببرقة الى زاوية مسوس وهذه تقوم بتوزيعه الى زوايا برقة ويصل الى زاوية جنـزور أو العزيات وهذه تقوم بتوزيعه على زوايا الجبل ويصل البريد الخاص بطرابلس الى احدى زواياها والمفهوم أنها سرت في المدة الأخيرة وهذه تقوم بتوزيعه، كما أن البريد الخاص بزوايا واحات فزان يصل الى زاوية (واو) وهي تقوم بتوزيعه، وتقوم احدى هذه الزوايا بمهمة ارسال البريد العادي الى زوايا الجزائر، ان لم يكن البريد مستعجلاً وألا يرسل بصفة خاصة الى زوايا السيد بن تكوك رأساً من الجغبوب والكفرة، ويصل البريد الخاص بزوايا مصر الى سيوه وهناك من يتولى مسؤوليته ممثل السنوسيين بما في ذلك بريد الحجاز، وإذا كان هذا مستعجلاً فتتخذ له طريقة خاصة، اما اذا كان البريد خاصاً بزوايا خاصة في أي جهة من الجهات يقوم به الساعي من الجغبوب رأساً وكل زاوية من الزوايا يحدث لها أمر من الأمور يدعو لمواصلة المركز العام، فيقوم منها ساع مخصوص، ولايكاد البريد يتأخر أكثر من شهر لاي جهة من الجهات لكثرة القوافل، وتعاقب الزوار، أما البريد الخاص بالسودان، فعادة مايكون مع سيل القوافل المنهمر ذهاباً واياباً وهكذا كانت الأخبار تصل الى عاصمة الحركة وتصدر منها التوجيهات والأوامر الى جميع الزوايا وفي كل البلدان وممن أشرف على سير بريد الحركة السنوسية من الاخوان؛ محمد السمالسوسي، عبدالسلام الشرداخ، عبدالرسول الرتيوي، السنوسي التيتلي، عيسى التارقي، ابراهيم الشهيبي، علي السعيطي، حسين الهبري، عبدالرحيم الفضيل، محمد البوعيثي( ).
وكان من يريد زيارة الامام المهدي يذهب الى الجغبوب وهناك يخضع لنظام خاص متبع ترتبط اجراءاته بالسيد محمد البسكري الذي يعد بمثابة رئيس الديوان والتشريفاتي، فهو الذي يقوم بتحديد مواعيد الزيارة التي لاتكون إلا عن طريقه، ويصحب كبار الزائرين ويقف خلف زعيم الحركة السنوسية اثناء الزيارة سواء كانت الزيارة للعوام او الخواص، اما اذا كان الزائر او الزوار تابعين لاحد الزوايا، فعلى رئيس الزاوية ان كان حاضراً ترتيب هذه الزيارة مع محمد البسكري وقد جرت العادة بأن تكون زيارة الضيوف بعد تمام مدة الضيافة وهي ثلاثة أيام إلا في حالات استثنائية( ).
رابعاً: نمو الحركة السنوسية واسبابه:
نمت الحركة السنوسية في عهد محمد المهدي نمواً كبيراً، وتضاعفت عدد الزوايا أكثر من أربعة أضعاف وانتشرت هذه الزوايا في الصحراء الكبرى، وعلى طريق مصر، وتونس، وفي واداي …وغيرها.
وكان من اسباب هذا النمو السريع، طبيعة الحركة، ونظمها المتطورة بالنسبة لعصرها، وفهمها لطبيعة المجتمعات القبلية، وطول المدة التي قضاها الزعيم الثاني في قيادة الحركة إذ تجاوزت اربعين سنة، فتمكن أثناءها من تركيز العمل الذي بدأه والده وكان يقول: ( إن والدي بدأ عملاً من المنتظر أن يأتي بنتائج عظيمة، وقد أخذت على عاتقي اتمامه وليس على غرض آخر)( )، وكانت سياسته الحكيمة تمنعه من الاحتكاك بالدولة العثمانية، او الدول الأوروبية وحصر جل اهتمامه بنشر الدعوة بين القبائل، وساعدته اخلاق رفيعة، وصفات حميدة تحلى بها في اقبال الناس على الحركة السنوسية، واحتل بها مكانة رفيعة في قلوب الاخوان والأتباع ومؤيدي الدعوة، فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبث العلوم في اوساط القبائل متبعاً في ذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
قال احمد رفيق المهدوي:
كانت طريقته القيام بسنــة
نبوية لالاءة الاوضـــــــــــــــاح
فله من الخدمات للاســـلام
مايعلو على متناول الشــــــــراح
يكفيه نشر الدين في الالاف من
أقصى حدود(الشاد)حتى (الواح)
نصر لدين الله بين مجاهـــل
صعبت على الرواد والسيـــاح
فازوا من الفتح المبين بعــزة
الاسلام بعد عبادة الاشـــباح( )
لقد تحلى الامام محمد المهدي بعلم وورع وتقوى، وشخصية جذابة، وبعد نظر، وثاقب فكر، ورأي صحيح، وعزم شديد وحرص أكيد على اتمام البناء الذي شيده والده، والعمل بكل جهد وقوة من أجل نشر الدعوة بين أهل البلاد القريبة والبعيدة في أفريقيا الوسطى خصوصاً حتى ذاع صيته، وتمكن السنوسيون بفضل الله تعالى ثم جهودهم المتواصلة من أن يصلوا بدعوتهم الى قلب الصحراء الكبرى، وأطرافها حتى جهات بحيرة تشاد ومايجاورها من إمارات اسلامية قديمة أو قبائل زنجية وثنية أو قبائل أخرى لم يكن قد صلح حال اسلامها بعد( ).
لقد دخلت عدة قبائل افريقية في الدعوة الاسلامية بفضل الله تعالى ثم جهود الحركة السنوسية ومن أشهر القبائل التي استجابت لدعاة الحركة السنوسية؛ قبيلة بلي التي كانت على الوثنية، ووصلت الدعوة الاسلامية الى شعب التيدا في بلاد تيبستس بالصحراء الكبرى جنوب واحة فزان، فقد كانوا لايعرفون من الاسلام إلا إسمه، وكان دعاة الحركة السنوسية قد توغلوا في افريقيا ووصلوا الى بلاد الجَلا في الحبشة، فيرسلون إليها في كل عام من هَرَر، حيث تتمتع السنوسية بنفوذ كبير، وتكاد تجد كل الرؤساء منهم في بلاط الأمير بلا استثناء، وكانت الحركة السنوسية، تفتح المدارس وتبنى المساجد، والمراكز الاصلاحية وتشتري العبيد ثم يعلمونهم مبادئ الاسلام ثم يعتقوهم ويرسلونهم الى أوطانهم وقبائلهم ليدعوا اقوامهم الى الاسلام( ).
واستفادت الحركة السنوسية من هجرة القبائل العربية القديمة في افريقيا وجددت الصلة معها ونسقت معها في الدعوة وفي الجهاد ضد فرنسا ومن اشهر هذه القبائل؛ أولاد سليمان، أولاد يعقوب، أولاد غنّام ، المحافيظ وغيرها كثير وكانت قد استقر بعضها في مالي، وتشاد، والنيجر، ونيجيريا ، والكمرون( ).
وتمكن الامام المهدي ان يبني علاقات قوية مع الامارات الاسلامية في واداي، وبرقو، وكانم وغيرها، واختط خطة حكيمة كانت مبنية على الحيطة والحذر من النفوذ الصليبي الأوروبي في افريقيا ثم عدم التردد في مكافحة هذه الدول إذا جد الجد، كما فعل مع فرنسا( ).
وواصل المهدي السنوسي سيره في فتح المراكز الاصلاحية، والمدارس القرآنية، وبناء المساجد التي اهتمت بنشر الاسلام، وقام بإرسال دعاة ومبشرين بالاسلام ودين الله، اشتهر منهم العلامة، محمد عبدالله السني، والشيخ حموده المقعاوي، وطاهر الدغماري، وغيرهم كثير.
وقام المهدي، بتقوية الصلات التجارية بين الزوايا وبين مراكز التجارة والاسواق المختلفة، ونتج عن ذلك استتباب الأمن في هذه الربوع وإنتشار الطمأنينة، فقد زاد نشاط القوافل وأقدم المسافرون والتجار على قطع الفيافي والصحارى من غير تردد، فظهرت بوادر العمران في الطرق الصحراوية وأصبح من الميسور على دعاة الحركة أن يصحبوا هذه القوافل وهؤلاء المسافرين والتجار في رحلاتهم وأسفارهم ويدعون الى الاسلام، ويقضون على الوثنية، ويعطلون بذلك أعمال التنصير الذي تدعمه الدول الأوروبية في أفريقيا، وبالفعل حققت الحركة انتشاراً عظيماً في أوساط أفريقيا مثل بلاد النيجر ، والكنغو، والكامرون، وجهات بحيرة تشاد، وذاع خبر الحركة السنوسية في افريقيا من خلال طريق واداى وبرنو وكانم واداموا والداهومي( ) وغيرها، وبدأت الدول الأوروبية تشعر بخطر الحركة السنوسية وشرعت في حبك دسائسها ومؤمراتها وتأليب الدولة العثمانية عليها، لقد صدمت الدول الأوروبية بالنتائج التي حققتها الحركة السنوسية، واشتاطت غضباً وحقداً على الاسلام وهي ترى قبائل وثنية مثل التبو، والبرقو، الندى تدخل طائعة مختارة في الاسلام( ).
كان الدعاة السنوسيون يعملون بالليل والنهار، والسر والاعلان، ويقطعون المسافات الشاسعة من أجل دعوة الله تعالى وكان بعضهم يترك أهله وأطفاله في الجغبوب وذات مرة دخلت السيدة صالحة البسكرية زوجة ابن السنوسي على محمد المهدي وكان يجلها ويحترمها، وقالت له: ان نساء الاخوان قد سئمن كثرة اسفار ازواجهن، وطول تغيبهم، وعدم استقرارهم، فابتسم وقال : إن الجهاد طويل وشاق، وان العمل يتطلب الجد، والشيء الذي ينتظرنا وينتظر اخواننا في المستقبل اشق مما هم عليه الآن)( ).
وكان الامام المهدي مهتماً بالبناء الداخلي للحركة ولذلك اشرف بنفسه على إصلاح ذات البين بين القبائل وكان يرى وحدة الصف والتربية الجهادية مهمة في مواجهة المعارك القادمة ضد الاسلام.
وعندما اشتد النزاع بين قبائل الجبارنة وأولاد علي ووصل الى مرحلة اوشك القتال أن يندلع بينهم بسبب حادثة قتل جربوع بن الشيخ ابو سيف الكزة بمصر وكان الشيخ ابو سيف ابن ابي شنيف الكزة من الشخصيات الظاهرة بين شيوخ الجبارنة ومسموع الكلمة وهو والد المقتول، فأصبح داعية كبرى لغزو أولاد علي وأنشد قصيدة باللغة الشعبية مثيرة لما كمن من الاحقاد والضغائن، ومسعرة لشرار الغضب، ومذكية لنار الانتقام يستنجد بها جميع القبائل الموالية له أو التابعة والمرتبطة به، كما جرت العادات ويحثهم في قصيدته بالاستعداد لغزو أولاد علي، وقتل رجالهم، وأخذ أموالهم وسبي نساءهم وكانت مطلع قصيدته تقول:
ياعون من قابلا عـون
وأشرف على رأس عال
أو جنة فراجين وحسون
أوعينت طامية في المشالي( )
وكاد الشيخ ابوسيف أن ينجح فيما أراده للغزو حيث لبي طلبه، وأخذت قبائل أولاد علي تستعد للمعركة وأرسلت الى الشيخ ابي سيف تدعوه للإسراع للقتال وفي هذه الأثناء وصل كتاب من شيخ زاوية مسوس السنوسي الاشهب الى الزعيم محمد المهدي يخبره بالأمر، فأرسل المهدي في طلب الشيخ أبي سيف بسرعة، فأمتثل الأخير أمر السيد المهدي في الوقت الذي تقرر فيه الغزو وارجأه الى أن يعود من الجغبوب ولما وصل الشيخ ابو سيف ومثل امام يدي إمام الحركة السنوسية الذي أخذ ينصحه في الإقلاع عما عزم عليه، ويبين له حرمة هذا الفعل الجاهلي، فأمتثل الشيخ ابو سيف أمر المهدي، واقلع عن فكرته وعاهد إمام الحركة بالعدول عنها وان لايعود لمثلها، بالرغم عمّا في ذلك من المساس بكرامته وكرامة بني قومه وسمعتهم التي يرون حفظها في الأخذ بالثأر ورجع الشيخ أبي سيف وبر بوعده وأمر قومه والنجدات التي استعدت لمساعدته بالرجوع الى مواطنهم، وكتب الى زعيم قبائل أولاد علي وبقية شيوخهم يخبرهم بالعدول عن رأيه وأن يكونوا في مأمن من جهته لا خوفاً منهم ولا خشية من العاقبة ولكن امتثالاً لأمر الشرع وطاعة لزعيم الحركة السنوسية( ).
وكان المهدي يحرص دائماً على ازالة البغضاء والشحناء من نفوس القبائل المتعادية، ويدعوها الى أخوة الاسلام، وشغلها بالطاعة، ودفعها نحو المعالي، والأخلاق الرفيعة، واستطاع أن ينظم من القبائل كتائب للجهاد ساهمت في قتال فرنسا وبعد وفاته قاتلت ايطاليا.
لقد كرّس المهدي جهوده للبناء الداخلي في الحركة واختط طريقاً سلمياً تجنب الاحتكاك فيه جهد المستطاع بالقوى المحيطة به، واستطاع أن يتخذ مواقف تدل على بعد نظره وثاقب فكره من الثورات التي حدثت في السودان وفي مصر، وكذلك الدول الأوروبية.
خامساً : المنهج التربوي الجهادي:
حرص الإمام المهدي على تعميق المنهج التربوي في أتباع الحركة، وكان
-رحمه الله- يدرك تماماً أن العمل بأحكام القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة يقتضي وجود القوة والسلطان، ولذلك جعل من الزوايا مركزاً لتعليم الرماية أيضاً؛ فكان يحث الاخوان والأتباع على إتقانها ويبث فيهم روح الأنفة والنشاط ويحملهم على الطراد والجلاد، ويعظم في اعينهم فضيلة الجهاد، وكان المهدي يمتلك خمسين بندقية خاصة يعتني بتنظيفها وإعدادها دائماً بيده ولا يرضى بأن يؤدى هذا غيره من أتباعه الكثيرين قصداً، وعمداً، حتى يقتدى به الناس ويهتموا بأمر الجهاد، ويحفلوا به( ).
ونشطت الحركة السنوسية في تعبئة اتباعها على الاستعداد للجهاد، ونظمت صفوفها، ورأى السلطان عبدالحميد الثاني في الحركة السنوسية قوة منظمة ومعدة اعداداً مادياً ومعنوياً جيداً يمكن استغلالها في المواجهة العسكرية المتوقعة مع أعداء الدولة العثمانية في شمال أفريقيا، وقد أعرب السلطان عبدالحميد عن ثقته بقوة الحركة السنوسية قائلاً: (واذا كان هناك احد عليه الدفاع عن حقوقنا، فهو الشيخ السنوسي، لأنه قادر على أن يجمع حوله ثلاثين ألفاً من الرجال، ولن يتخلى عن بنغازي إلا بعد قتال ثم إن صلته بمئات الألوف من أتباع الطرق والمريدين قوية، فإذا قام السنوسيون قومتهم؛ فلابد أن يجرون الإيطاليين الى صراع دموي أشد مما شهدته السودان في ثورة المهدي، لقد جهزنا السنوسي بمقدار كافي من الاسلحة والذخائر، فهم قوة لايستهان بهم أبداً)( ).
كان هذا التصريح بعد ما وصلت للسلطان عبدالحميد المخططات الايطالية التي كانت تستهدف ليبيا، لأن ايطاليا كانت تحلم بضم شمال أفريقيا، لأنها تراه ميراث ايطالي هكذا صرح رئيس وزرائها (مارتريني) لكن فرنسا احتلت تونس، وانكلترا احتلت مصر، ولم يبق أمام إيطاليا إلا ليبيا.
واستطاعت مخابرات السلطان عبدالحميد الثاني أن تكشف سياسة ايطاليا في ليبيا التي كانت على ثلاث مراحل:
1. الحلول السلمية، بإنشاء المدارس والبنوك وغيرها من " مؤسسات خدمية".
2. العمل على أن تعترف الدول بآمال إيطاليا في احتلال ليبيا، بالطرق الدبلوماسية.
3. إعلان الحرب على الدولة العثمانية والاحتلال الفعلي.
وكانت السياسة الايطالية لاتلفت النظر الى تحركاتها ، بعكس السياسة البريطانية أو الفرنسية في ذلك الوقت وكان الايطاليون يتحركون بحكمة وهدوء شديدين دون إثارة حساسية العثمانيين.
وكان السلطان عبدالحميد متيقظاً لتلك الأطماع الايطالية وطلب معلومات من مصادر مختلفة عن نشاط إيطاليا في ليبيا وأهدافهم، فجاءته المعلومات تقول: (إن للايطاليين بمدارسهم وبنوكهم ومؤسساتهم الخيرية التي يقيمونها في الولايات العثمانية، سواء في ليبيا أو في ألبانيا، هدفاً أخيراً هو تحقيق أطماع إيطاليا في الاستيلاء على كل من:
1- طرابلس الغرب.
2- ألبانيا.
3- مناطق الأناضول الواقعة على البحر الأبيض المتوسط: أزمير، الاسكندرون، انطاكيا.
وقام السلطان عبدالحميد الثاني بإتخاذ التدابير اللازمة أمام أطماع إيطاليا، ولما شعر أنه سيواجه اعتداءً إيطالياً مسلحاً على ليبيا، قام بإمداد القوات العثمانية في ليبيا بـ (15.000) جندي لتقويتها وظل يقظاً حساساً تجاه التحركات الايطالية، ويتابعها شخصياً وبدقة، ويطالع كل ما يتعلق بالشؤون الليبية بنفسه بواسطة سفير الدولة العثمانية في روما، ووالي طرابلس مما جعل الايطاليون يضطرون الى تأجيل احتلال ليبيا، وتم لهم ذلك في عهد جمعية الاتحاد والترقي، ولذلك حرص السلطان عبدالحميد على تقوية الحركة السنوسية
ودعمها مادياً، ومعنوياً( ).
لقد اهتمت الحركة السنوسية بإعداد أفرادها للجهاد في سبيل الله ضد أوروبا الصليبية التي تهاجم ديار المسلمين في كل مكان، وكانت وسائل التربية عند الحركة السنوسية، روحية، وفكرية، ونفسية، وجسدية، واجتماعية، ومالية، فكان اهتمام الحركة بالتربية الروحية عظيماً، ولذلك تعلق أفراد الحركة السنوسية بالجنة وحرصوا على رضى الله تعالى، وتعمقت مفاهيم القضاء والقدر في نفوسهم، فأصبحوا لايخافون إلا الله، فكانوا يتربون على قول رسول الله : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ به الروح ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه وأجله وعمله شقي أو سعيد...)( ).
فأجل المرء يكتب وهو في بطن أمه قال تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى الى أجل مسمى (سورة الزمر،آية 42).
كانت عقيدة القضاء والقدر واضحة المعالم في فكر الحركة السنوسية، فأصبح اتباعها يؤدون واجبهم بكل شجاعة، وهم على يقين راسخ بقوله تعالى:قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (سورة التوبة، آية 51).
ولقد ألتقيت بالشيخ الفاضل رئيس المحاكم الشرعية في ليبيا سابقاً في زمن المملكة الليبية، الشيخ منصور المحجوب بمكة المكرمة وحدثته عن حرصي لكتابة تاريخ الحركة السنوسية، فأنساب في الحديث عن رجالات الحركة وحبهم للاسلام، وتعلقهم بالآخرة وجهادهم ضد فرنسا وذكر بعض المجاهدين عندما استعصى عليهم فتح حصن من الحصون التي احتلتها فرنسا بتشاد قاموا بحصاره وتأخر الفتح اقسم احد الأخوان السنوسيين أما الشهادة وإما الفتح، وانقض كالأسد بجواده على الحصن وكان ذلك الهجوم سبباً في الفتح وفاضت عينا الشيخ منصور بالدموع، وشرع في البكاء ثم قال أولئك قوم عرفوا الله وعملوا بهذه المعرفة ثم وجه الخطاب إليّ وقال لي ياصلاّبي اتقي الله في كتابتك واعلم بأن الله سيحاسبك عليها يوم القيامة، وانتفضت من مكاني من شدة تأثير كلامه عليّ، وحثني على الاخلاص والرغبة فيما عند الله وقال لي أنا الآن قد جاوزت السبعين من عمري وقد رأيت الكثير في الدنيا ورفع يده الى فمه ثم نفخ في كفه وقال إن حقيقة هذه الدنيا مثل هذه النفخة.
إن الشيخ منصور المحجوب يعتبر من اتباع الحركة السنوسية وقد تولى مناصب كبيرة من رئاسة الجامعة الاسلامية بالبيضاء، وتولى رئاسة القضاء وهو من مؤسسي رابطة العالم الاسلامي وأخبرني بأنه ماكث في مكة ينتظر الوفاة حتى يدفن في الأراضي المقدسة.
إن الحركة السنوسية اهتمت بتربية اتباعها على الصلاة والقيام، والصوم، والزكاة، والحج، وتلاوة القرآن الكريم الذي هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم.
إن من أعظم العبادات ومن أحسن الوسائل في التربية الروحية التي سلكها السنوسيون هي تلاوة القرآن الكريم والتفقه فيه والعمل به قال تعالى:
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (سورة الحشر، آية 21).
إن القرآن الكريم يطهر النفوس، ويحي القلوب، ويغذي الأرواح ويصل الافراد بخالقهم العظيم سبحانه وتعالى، ولا تعجب أيها القارئ الكريم اذا علمت أن احمد الشريف السنوسي القائد الثالث للحركة السنوسية -رحمه الله تعالى- كان يشترط في حرسه الخاص حفظ القرآن الكريم وان التعاقب بين جنوده يعرف عن طريق تلاوة الاجزاء من القرآن الكريم.
وكانت الحركة في وسائلها التربوية لأتباعها تهتم بأخبار العالم الاسلامي وتوصيلها الى الأتباع، وكانت الزوايا تقوم بهذا الدور، وكانت القوافل تتوغل في الدول الاسلامية للتجارة، وتأتي بأخبار الاسلام والمسلمين، والأعداء، وكانت تغذي اتباعها بالتربية الفكرية والنفسية للوقوف ضد اطماع النصارى الغزاة المجرمين وكانت تهتم بالتربية الجسدية لأتباعها ولذلك نجدهم يقطعون الفيافي والصحارى على الجمال ثم يجاهدون الأعداء بعد قطع مئات الكيلومترات، وقد وجدت في سيرة عمر المختار -رحمه الله- انه قطع على جواده ثلاثة أيام متواصلة ليلها بنهارها لفض النزاع بين عزير المصري قائد من ضباط الاتراك واحدى القبائل، وهذا يدل على لياقة بدنية عالية، وقوة بدنية متميزة.
كان المهدي السنوسي يسير بخطى ثابتة، ووفق أهداف مرسومة، ويستعد للمستقبل القريب حيث بدأت الأطماع الفرنسية تتوغل في أفريقيا، وبدأت الدول الأوروبية تصطدم مصالحها مع وجود الحركة السنوسية في أفريقيا.

سادساً: موقف الدول الأوروبية من الحركة:
حققت الحركة السنوسية انتشاراً كبيراً في أواسط أفريقيا، وتوطد سلطانها في قلب الصحراء الكبرى، وكانت عقبة في طريق الرسالات التنصيرية التي وجدت في الحركة السنوسية خصوماً عنيدين، عطلوا عليها اعمالها لدرجة بعيدة، فحاولت الدول الأوروبية التقدم، والتقرب من الامام المهدي السنوسي؛ فكان لايأبه بمحاولة هذه الدول، من أجل التقرب إليه، وفشلت وسائلهم في اجتذابه إليهم، وأعرض عنهم، وعظمت مخاوفهم من تشكيلاته ، وحركاته ، وانكبوا يسعون لدى الدولة العثمانية ويشددون الضغط على السلطان عبدالحميد الثاني كي يتوسط بوصفه الخليفة الأكبر في استدعاء السيد المهدي في أفريقيا للإقامة في أرض الحجاز أو في دار الخلافة وعدم مغادرتها والعودة الى وطنه، ولكن السلطان لم يجب الدول الى هذه الرغبة، بل وقف مع محمد المهدي موقفاً مشرفاً.
لقد وجدت الرسالات التنصيرية المسيحية في السنوسيين خصوماً عنيدين عطلوا عليها أعمالها لدرجة بعيدة، إن لم يكونوا قد أفسدوا هذه الأعمال في بعض الجهات وأبطلوها زد على ذلك أن نجاح الدعوة السنوسية وتقوية أركانها جعلت الدول الأوروبية تسعى لتوقي خطرها ووجدت فرنسا نفسها في طريق الاصطدام عاجلاً أو آجلاً مع الحركة السنوسية، اضف الى ذلك أصبحت إيطاليا بعد وحدتها تتطلع الى احتلال طرابلس الغرب، وغدت تبذل كل مابوسعها لكسب المهدي السنوسي، لعلها تظفر بسكوته حينما تواتيها الفرصة لتحقيق هدفها، وأما ألمانيا بعد خروجها منتصرة من الحرب السبعينية شرعت في كسب المهدي حتى يدعمهم ضد فرنسا في افريقيا الغربية( )، فحاولوا عام 1872م مفاوضة المهدي على أمل تحريكه ضد الجهات التي خضعت للفرنسيين في أفريقيا الشمالية والغربية، ولكن محاولتهم ذهبت سدى، لأن المهدي رفض مقابلة الرسل الذين أوفدوهم إليه فغادر هؤلاء البلاد دون أن يتمكنوا من الحديث معه، ومع هذا فقد تكررت محاولات الألمان في الأعوام التالية للغرض نفسه واستطاع الرحالة (جبرار رولفس) في عام 1876م أن يزور برقة والكفرة ثم قصد الى الجغبوب لمقابلة السيد المهدي ، ووقف عند (سبر سلام) بالقرب منها؛ وقابله احمد بن البسكري عدة مرات، ولكنه عجز عن الوصول الى المهدي السنوسي( ).
تولت فرنسا مهمة الهجوم الاعلامي على الحركة السنوسية، وأرسلت عدداً من الرحالة منهم دوفرييه، ثم وقفت من الحركة موقفاً عدائياً وشنت عليها حرباً دعائية، بواسطة رحالتها الذين كتبوا عن السنوسية، وقصدت بذلك تشوية الحركة، كما تجلى موقفها العدائي في ضغطها على الباب العالي للتضييق على السنوسية. ثم تبلور هذا الموقف في حربها الظالمة لمواقع الحركة السنوسية في تشاد وسنتحدث عنها في موضع آخر.
وكان أكثر الرحالة الفرنسيين تعصباً في كتاباته دوفرييه الذي اتهم السنوسية بعدة تهم وبالغ في تخيلاته، وذلك أنه رأى في الحركة خطراً عظيماً يتهدد مصالح فرنسا والمسيحية في افريقيا وقد اعتبر دوفرييه السنوسية مسؤولة عن جميع حوادث الاغتيال التي حدثت في الصحراء ضد بعض الرحالة الأوروبيين، كما اتهمها بالتعصب وكراهية اليهود والنصارى وصورها عدواً فاغراً فاه للقضاء على الأوروبيين، وزعم أنها حرّكت وساعدت جميع الثورات التي قامت في الجزائر، وقد وافق الرحالة لوي رين على بعض هذه التهم ورددها كتّاب آخرون مثل مونتيه وهوايت وفبرود. إن السنوسية ماتعرضت لمثل هذه الحرب الدعائية إلا لكونها حركة اسلامية جهادية دعوية شاملة في مفاهيمها( ) أما اتهامها بالاغتيالات فهذا باطل ومردود بالحجة والبرهان، والدليل، بل كان الإمام المهدي يعامل غير المسلمين باللطف والبشاشة والرفق وحسن الخلق؛ وعندما يريدون الرجوع يرسل معهم من يوصلهم الى المكان الذي يريدون سواء مصر أو درنة أو بنغازي، ويقول للاخوان؛ لابد لنا من إكرام الأجنبي، ويعني غير المسلم، عسى الله أن يهديه الى الدين الحق لأن واجبات المسلم وشعائره إكرام الضيف كيفما كانت ديانته ليبلّغ عنا ماشاهده منا والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم( ).
وفي عام 1312م قدم على الجغبوب رجل انكليزي، فأراد بعض الاخوان أن يؤذوه، لكنه طلب مقابلة الشيخ المهدي فأذن له في ذلك، واجتمع به وسئل هل له من حاجة من الشيخ!؟ فقال: ماعندي حاجة، إنما القصد من إتياني النظر في وجه الشيخ لما أسمع عنه، وحظي الانكليزي بالإكرام، وحسن القبول، ومكث عنده ثلاثة أيام ضيفاً كريماً ثم كر راجعاً الى طريق مصر( ).
وكان محمد المهدي السنوسي يوصي جميع أخوانه ومشايخ الزوايا، واتباع الحركة بعدم أخذ أموال السواحين والغرباء ولو من الافرنج، ويقول على رؤوس الاشهاد إن قتلهم واخذ أموالهم لظلم عظيم، والظلم يرجع على فاعله بالنكال والوبال( ).
إما اتهام الحركة السنوسية بكراهية اليهود والنصارى فالمعلوم عنها تمسكها بالشريعة، فكان اتباعها يعاملون أهل الكتاب حسب توجيهات الاسلام، إما كراهيتهم للمستعمرين المعتدين، فهذا أمر يوجبه عليهم دينهم، وكان القصد من الحرب الاعلامية الداعية لتمهيد الرأي العام الأوروبي واقناعه بما ستخطوه فرنسا ضد الحركة فيما بعد، وقد أنصف عدد من الكتّاب المحدثين السنوسية وردوا على تلك التهم، منهم؛ محمد فؤاد شكري، زيادة نقولا، بريتشارد، الحشائشي( ).
أما بريطانيا، فكان موقفها من الحركة السنوسية في بداية الأمر استطلاعياً، وكانت حريصة على جمع معلومات دقيقة عن الحركة وخصوصاً وأن لها أطماعاً في مصر، وتخشى من جهاد السنوسية ضدها، كما أن نفوذ بريطانيا في طرابلس كان قوياً ، وقد زار الرحالة هاملتون الانكليزي سيوه، وتحدث عن الحركة السنوسية واستمر موقف بريطانيا يمتاز بالهدوء تجاه الحركة السنوسية، حتى عام 1882م عندها شرعت بريطانيا بإحتلال مصر، وقامت ثورة عرابي، تحركت بريطانيا بكافة الوسائل المتاحة لها لتمنع أية مساعدة متوقعة قد تُقدم لعرابي، وتدخلت لدى الدولة العثمانية لمنع الحركة السنوسية من دعم الثورة العرابية( ).
سابعاً : موقف محمد المهدي من الحركة العرابية:
عندما اشتعلت الثورة العرابية عام 1882م اتصل أحمد عرابي طالباً للعون والمدد وعلمت بريطانيا بالأمر، فتدخلت لدى الدولة العثمانية ونشط قنصلها في طرابلس الغرب لمعرفة موقف المهدي. ويتضح من احدى الرسائل التي بعث بها والي طرابلس الى ولاية بنغازي بتاريخ 16 أغسطس 1882م أنه انتشر خبر مضمونه أن عدداً من قبائل برقة تهيأوا للألتحاق بعرابي وان الخبر وصل الى طرابلس من الاستانة، وأن قنصل بريطانيا في طرابلس يستفسر عن صحته. ويقول الوالي: ( في حال أن هذا الخبر صحيح نطلب منكم إجراء التدابير الحكيمة). وقد اتضح لدى تحقيق المسؤولين في بنغازي أن هذه الجماعة التي تريد دخول مصر ماهي إلا حجاج وأن شيخ الركب هو شيخ الحجاج)( ).
إن المهدي السنوسي كان حريصاً على نموه الطبيعي ولذلك ابتعد عن الدخول في حروب لم يستعد لها، ويبدو أن المهدي السنوسي لم يقتنع بجدوى الثورة، كأسلوب لتحقيق مطالب عرابي لأنها تتيج للأجانب التدخل، وقد وضح هذا الرأي في رسالة بعث بها محمد الشريف أخو المهدي الى الشيخ مصطفى المحجوب شيخ زاوية الطيلمون بتاريخ شعبان 1306هـ بمناسبة قيام إحدى قبائل برقة بالعصيان على الدولة العثمانية، إذ قال فيها: (ونرجو أن تكون الفتنة التي بالوطن قد طفئت لأنها مخيفة سيئة العاقبة تشبه الفتنة العرابية التي من أجلها حل بالوطن الشرقي وأهله ماحل، لأنهم يحركونها ويعجزون عنها فتكون العاقبة التسليم للأجانب؛ فلو أنهم سلكوا طريقاً غير هذا لكان أسهل وأمن عاقبة وذلك بأن يلتجئوا للحضرة السلطانية ويلتمسوا من مراحمها الشاهانية التخفيف من هذا المجعول عليهم قائلين إنهم لاقدرة لهم لهذا الأمر الشاق، والتكليف بما لايطاق وان قلتم لابد منه نجلو عن الوطن، لكلية إذ لا قدرة لنا على العطاء ولا على المخالفة...)( ).
إن نظرة المهدي للثورات الغير مدروسة دراسة دقيقة، تتيح للأجانب التدخل، ويرى أن طريق البناء، والتربية، والإعداد العقدي، والوسائل السلمية هي الطريقة المثلى، وتجنب الفتنة حتى لا يتدخل الأجانب في شؤون المسلمين وكان المهدي قد لزم نفسه واتباعه سياسة حكيمة رشيدة، بعيدة عن ردود الأفعال يقول الاستاذ نيقولا زيادة : (طلب العرابيون مساعدته عام 1882م، وتقدمت إليه إيطاليا راغبة في الاتفاق معه على مقاومة التقدم الفرنسي في تونس عام 1881م وحتى السلطان العثماني طلب منه العون في حربه هذه ضد روسيا عام 1876م، وجرب الألمان ان يحصلوا على عون منه، ضد فرنسا في أفريقيا عام 1872م، لكن السيد المهدي
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الأربعاء 1 محرم 1429هـ/9 يناير 2008م/16:01

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لك الحمد والثناء والشكر كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أهم مراجع ومصادر البحث

(أ)
إمام التوحيد ، الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الدعوة والدولة، تأليف ، أحمد القطان، محمد الزين، مكتبة السندس، الكويت، الطبعة الثانية، 1988م.
انتشار الاسلام في القارة الأفريقية، د. حسن ابراهيم حسن ، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثالثة، 1984م.
ايقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، للإمام محمد بن علي السنوسي، طبع مع المجموعة المختارة للإمام السنوسي، على نفقة محمد عبده بن غلبون وشقيقه هشام وعلي في منشستر، ببريطانيا عام 1990م.

(ب)
4. برقة العربية أمس واليوم، محمد الطيب بن أحمد ادريس الأشهب، مطبعة الهواري، شارع محمد علي بمصر.
5. البحر الرائق في الزهد والرقائق، أحمد فريد، دار البخاري، القصيم بالسعودية، الطبعة الأولى 1411هـ-1991م.
6. البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة بيروت.

(ت)

7. تاريخ ليبيا المعاصر، محمود عامر، منشورات جامعة دمشق طبعة عام 1411هـ، 1991م.
8. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، أبو الفداء اسماعيل، تحقيق عبدالعزيز غنيم، وحمد أحمد عاشور، ومحمد ابراهيم البناء، مطبعة الشعب القاهرة بمصر.
9. تفسير السعدي، المسمى تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي، المؤسسة السعدية بالرياض 1977م.
10. تفسير الإمام البغوي، المسمى معالم التنزيل، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1413هـ، 1992م.
11. التمكين للأمة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم، محمد السيد محمد يوسف، دار السلام بمصر، الطبعة الأولى 1418هـ،1997م.
12. توضيح الأحكام من بلوغ المرام، عبدالله بن عبدالرحمن البسام، دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، الطبعة الأولى 1413هـ، 1992م.
(ج)
13. جند الله تخطيطاً، سعيد حوى، دار السلام بمصر.

14. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، مكتبة المعارف، الرياض 1403هـ/1983م.
15. الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
16. المجتمع الليبي، د. عبدالجليل الطاهر، المكتبة العصرية صيدا، بيروت، طبعة عام 1969م.
17. المجتمع والدولة والإستعمار في ليبيا، د. علي عبداللطيف حميده، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1995م.
18. الجغرافيا السياسية لأفريقيا، د. فيليب رفلة، القاهرة عام 1965م.

(ح)
19. حاضر العالم الإسلامي، تأليف لوثروب ستودارد الأمريكي، ترجمة: عجاج نويهض، تعليق: شكيب أرسلان، دار الفكر.
20. حاضر العالم الإسلامي، وقضاياه المعاصرة، محمد جميل المصري، منشورات جامعة المدينة المنورة.
21. الحكمة في الدعوة إلى الله، سعيد بن علي القحطاني، الطبعة الأولى، 1412هـ، 1992م.
22. الحكمة والموعظة الحسنة، د. أحمد سليمان المورعي، دار الأندلس الخضراء، جدة، الطبعة الأولى، 1418هـ،1997م.

23. الحركة السنوسية، نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر، أحمد الدجاني، الطبعة الأولى، 1967م، دار لبنان.
24. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني، دار الكتاب العربي، بيروت.

(د)
25. دراسات وصور من تاريخ الحياة الأدبية في المغرب العربي، د. محمد طه الحاجري، دار النهضة العربية، بيروت، طبعة أولى، عام 1403هـ،1983م.
26. دائرة المعارف، بطرس البستاني، مطبعة الهلال بمصر، طبعة عام 1898.
27. دراسات في التاريخ اللوبي، مصطفى بعيو، القاهرة، 1945م.
28. الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية، للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعة في منشتر ببريطانيا عام 1990م على نفقة محمد عبده بن غلبون، وشقيقه هشام وعلي.
29. دولة الموحدين، من سلسلة صفحات من التاريخ الإسلامي في الشمال الإفريقي، لعلي محمد محمد الصلاّبي، دار البيارق، عمان، بيروت، طبعة أولى 1998م.
30. الدولة العثمانية، عوامل النهوض، وأسباب السقوط، لعلي حمد محمد الصلاّبي، تحت الطبع ضمن منشورات دار البيارق.
31. ديوان الإمام الشافعي، تحقيق، محمد عبدالمنعم خفاجي، الطبعة الثالثة 1406هـ، مكتبة المعارف.

(ر)
32. رحلة الحشائشي إلى ليبيا، جلاء الكرب عن طرابلس الغرب، محمد عثمان الحشائشي التونسي، تحقيق علي مصطفى المصراتي، دار لبنان، الطبعة الأولى 1965م.

(س)
33. سد باب الإجتهاد وماترتب عليه، عبدالكريم الخطيب، دار الأصالة، الطبعة الأولى 1405هـ،1984م.
34. سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة 1405هـ، 1985م، بيروت، دمشق.
35. سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث، تحقيق عزت عبيد الدعاس، حمص، الناشر: محمد السيد.
36. سياحتي في صحراء أفريقيا الكبرى، لصادق المؤيد، مطبعة سي، استانبول، عام 1314هـ.
37. السنوسية دين ودولة، د. محمد فؤاد شكري، دار الفكر، طبعة 1948م.
38. السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين، للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعة منشستر عام 1990م.
39. السيد محمد رشيد رضا، محمد أحمد درنيقة، مؤسسة الرسالة، دار الإيمان، طرابلس، لبنان، طبعة أولى 1406هـ،1986م.
40. الإسلام في القرن العشرين، حاضره ومستقبله، عباس محمود العقاد، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1969م.
41. السنوسي الكبير، محمد الطيب بن إدريس الأشهب، مطبعة محمد عاطف، ميدان الخازندار بمصر.

(ش)
42. شرح الحماسة للمزروقي، ط2، لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة 1387هـ/1967م.
43. شرح النووي على مسلم، للنووي ط1، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة.
44. شرح مقدمة أبي زيد القيرواني، الأمين الحاج محمد أحمد، مكتبة دار المطبوعات الحديثة، الطبعة الأولى، 1412هـ،1991م.
(ص)
45. صحيح البخاري، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار الطباعة العامرة باستانبول1315هـ، المكتب الإسلامي، استانبول، تركيا.
46. صحيح مسلم، للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج القسيري النيسابوري، دار الحديث، القاهرة الطبعة الأولى 1412هـ/1991م.

(ع)
47. عجائب الآثار في التراجم والاخبار، لعبدالرحمن الجبرتي، دار فاس.

(ف)
48. فقه التمكين في القرآن الكريم، لعلي بن محمد الصلاّبي، رسالة دكتوراه لم تطبع.
49. في تاريخ العرب الحديث وجهاد الأندلسيين ، د. رأفت الشيخ، دار الثقافة، طبعة 1412هـ/1992م.
50. الفوائد الجليلة في تاريخ العائلة السنوسية، عبدالقادر بن علي، مطبعة دار الجزائر العربية، دمشق، عام 1386هـ/1966م.


(ق)
51. قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، محمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ، الطبعة الاولى 1399هـ/1979م.
(ك)
52. كتب في الساحة الاسلامية ، عائض القرني، دار العميعي ط، 1412هـ.
(م)
53. موسوعة التاريخ الاسلامي، محمود شاكر.
54. موسوعة التاريخ الاسلامي، د. احمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، الطبعة العاشرة 1995م.
55. مفاتيح الغيب، للأمام فخر الدين الرازي، دار الفكر لبنان.
56. مقدمة الإمام مالك، للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعة في منستر عام 1990م على نفقة بن غلبون.
57. المنهل الروي الرّائق في اسانيد العلوم وأصول الطرائق للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعة في منستر عام 1990م على نفقة آل بن غلبون.
58. مجموع فتاوى ابن تيمية ، جمع وترتيب عبدالرحمن القاسم ، بيروت ،ط 1390هـ/1971م.

59. المستخلص في تزكية الأنفس، سعيد حوى، دار السلام، الطبعة الرابعة، 1408هـ/1988م.
60. الإمام البخاري، تقي الدين الندوي المظاهري، الطبعة الثالثة 1408هـ/1988م، دار القلم ، بيروت ، دمشق .
61. مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية ، إدريس محمود إدريس، مكتبة الرشد - الرياض، شركة الرياض للنشر والتوزيع، الطبعة الاولى 1419هـ/1998م.
62. الموطأ : الامام مالك بن أنس ، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى الحلبي وشركاه، القاهرة.
63. المسائل العشر، للإمام محمد بن علي السنوسي، ضمن المجموعة المختارة للإمام السنوسي، طبعت بمنستر ببريطانيا، عام 1990م على نفقة آل بن غلبون.
64. الملك أدريس عاهل ليبيا، تأليف دي كاندول، ترجمة ليبي، الناشر محمد عبده بن غلبون.
65. المهدي السنوسي، محمد الطيب الأشهب، مطبعة بلينوماجي، طرابلس.
66. ليبيا من الاستعمار الايطالي الى الاستقلال، د. نقولا زيادة، منشورات قسم الدراسات التاريخية والجغرافية، معهد الدراسات العربية العالمية ، جامعة الدول العربية، طبعة 1958م.

(ن)
67. الانحرافات العقدية والعلمية في القرنيين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة، تأليف علي بن نجيب الزهراني ، دار طيبة مكة ، دار آل عمار الشارقة، الطبعة الثانية 1418هـ/1998م.
68. النجوم الزاهرة ، لجمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1391هـ/1971م.

(و)
69. واقعنا المعاصر ، محمد قطب، الطبعة الثانية، 1408هـ/1988م ، مؤسسة المدينة المنورة.
70. وجوب التعاون بين المسلمين ، عبدالرحمن السعدي، المعارف ، الرياض، طبعة 1402هـ.









الموضوع ص
المقدمة...............................................................
..................................................... 3
المدخل...............................................................
..................................................... 11
الفصل الأول: الإمام محمد بن علي السنوسي......................... 23
المبحث الأول: اسمه ونسبه وشيوخه ورحلاته في طلب العلم............ 23
أولاً: اسمه ونسبه........................................... 23
ثانياً: نبوغ مبكر........................................... 25
ثالثاً: الرحلة الى فاس....................................... 28
رابعاً: الأسباب التي جعلت ابن السنوسي يغادر فاس.......... 34
خامساً: رحلته الى المشرق..................................... 37
سادساً: دخوله القاهرة....................................... 40
سابعاً: دخوله الحجاز........................................ 48
ثامناً: رحلته من الحجاز الى المغرب.......................... 54
تاسعاً: ابن السنوسي في طرابلس............................. 60
عاشراً: ابن السنوسي في برقة................................. 62
المبحث الثاني: اسباب اختيار ابن السنوسي برقة مركزاً لدعوته........ 71
تمهيد: ..................................................... 71
المبحث الثالث: إقامة ابن السنوسي في الحجاز وعودته الى برقة.......... 83
أولاً: عودة ابن السنوسي الى برقة........................... 88
ثانياً: اسباب اختيار الجغبوب............................... 93
الموضوع ص
ثالثاً: الاخوان السنوسيون الذين حملوا مع ابن السنوسي الدعوة. 95
رابعاً: الأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع عند ابن السنوسي. 110
أ- وحدة العقيدة.............................................. 112
ب- تحكيم الكتاب والسنة...................................... 121
ج- صدق الانتماء الى الاسلام.................................. 124
د- طلب الحق والتحري في ذلك............................... 124
هـ- تحقيق الأخوة بين أفراد المجتمع............................... 125
الفصل الثاني: البعد التنظيمي، والمنهج التربوي، والبعد السياسي عند ابن السنوسي.. 127
المبحث الأول: البعد التنظيمي عند ابن السنوسي.................................... 127
أولاً: الأسلوب الذي تبنى به الزاوية........................ 131
ثانياً: مواقع الزوايا......................................... 132
ثالثاً: وظائف الزاوية....................................... 135
رابعاً: السلطة في الزاوية.................................... 137
خامساً: طريقة فض المنازعات في الزاوية....................... 138
سادساً: أراضي الزاوية....................................... 139
سابعاً: موارد الزاوية........................................ 141
ثامناً: التعليمات الخاصة بنظام الزاوية....................... 141
تاسعاً: اسماء بعض الزوايا التي أنشأها ابن السنوسي............ 144
المبحث الثاني: المنهج التربوي........................................ 155
أولاً: يتعين على المريد أن يصحح عقيدته.................... 155
ثانياً: أن لايقدم المريد على شيء حتى يعلم حكم الله......... 158
ثالثاً: تزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب......... 165
رابعاً: اسباب تزكية النفس.................................. 171
الموضوع ص
خامساً: ابن السنوسي ونقده لأخطاء الصوفية.................. 177
أ- في مفهوم العبادة..................................... 178
ب- في مفهوم التوكل..................................... 179
ج- في مفهوم الجهاد...................................... 180
المبحث الثالث: البعد السياسي عند ابن السنوسي...................... 183
الفصل الثالث: اسلوبه الدعوي، وثروته الفكرية، وصفاته الربانية....... 195
المبحث الأول: الاسلوب الدعوي عند ابن السنوسي.................. 195
أولاً: التعامل مع الطرق الصوفية........................... 196
ثانياً: التعامل مع العبيد من الأفارقة......................... 197
ثالثاً: التعامل مع القبائل وتوظيفها للدعوة................... 197
رابعاً: ضرب الامثال عند ابن السنوسي...................... 199
خامساً: استخدام القصة عند ابن السنوسي..................... 201
سادساً: استعماله للشدة في موقف الشدة...................... 202
سابعاً: من رسائل ابن السنوسي الدعوية...................... 204
المبحث الثاني: الجانب الفكري عند ابن السنوسي من خلال كتبه...... 207
أولاً: المنهل الروي الرائق في أسانيد العلوم وأصول الطرائق... 211
ثانياً: الدرر السنية في أخبار السلالة الادريسية............... 218
ثالثاً: إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن.............. 223
المبحث الثالث: من أهم صفات ابن السنوسي......................... 239
أولاً: الحلم................................................ 239
ثانياً: العفو والصفح عند المقدرة............................ 240
ثالثاً: زهده................................................ 240
رابعاً: تواضعه.............................................. 242
الموضوع ص
خامساً: العفة والترفع عما في أيد الناس........................ 243
سادساً: قوة الحجة، والقدرة على الاقناع والمناظرة............. 244
سابعاً: شعوره بالمسؤولية.................................... 246
ثامناً: حليته................................................ 247
تاسعاً: هوايته............................................... 247
وأخيراً: وفاته................................................ 247
نتائج البحث.......................................................... 257
فهرس المصادر والمراجع............................................... 267
فهرس الكتاب........................................................ 277
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

مشاركةبواسطة الفقير عادل » الجمعة 3 محرم 1429هـ/11 يناير 2008م/21:41

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لك الحمد والثناء والشكر كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد واله وصحبه عدد كل مثقال ذرة فى علمك ياعليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
( ).
العلماء، أحمد المقرحي، وكان من أبرز العلماء وأقربهم مكانة عند الوالي العثماني، والشيخ القزيري، البنغازي، وأخذ أعضاء المجلس العلمي يناقشون ابن السنوسي، وجاء رده حاسماً، وشاملاً بل ومحرجاً لبعض العلماء، فأيقنوا أنهم أمام محيط من العلوم الراسخة، والحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، ومن ذلك الحين انضم الشيخ أحمد المقرحي، والشيخ علي القزيري إلى الإخوان وتجردوا لخدمة الحركة السنوسية، وانضم أيضاً على أشقر وأصبح من أتباع الطريقة السنوسية( ).
وكان من أساليبه في الإقناع، ضرب الأمثلة العملية الحية، وكان ذات مرّة في مجلسه بمكة يحف به بعض الزوار، فدخل شخص أجنبي له مظهره الملفت للنظر، وحيا الحاضرين ثم وجه سؤالاً علمياً معقداً إلى ابن السنوسي، كأنه يريد منه التعجيز، وكان ابن السنوسي مشغولاً بعمل باشره، وطلب السائل سرعة الجواب بصورة لفتت نظر الحاضرين، ففهم ابن السنوسي السائل وطمأنه بسرعة الإجابة، واستدعى تلميذه عبدالله التواتي وكان يقوم بنصيبه في العمل، وكان يومها يقوم بـ ( عجن الطين ) أثناء القيام بعملية بناء في زاوية مكة، وكان يرتدي لباس العمال، ولما استدعاه ابن السنوسي جاء مسرعاً بملابس، العمل وقد علق الطين الذي كان يقوم بعجنه في رجليه وهندامه، فقال له ابن السنوسي أجب سائلنا هذا عن سؤاله، كذا وكذا، واسترسل عبدالله في الإجابة الشاملة من ذاكرته، ولم يترك ثغرة في السؤال، وجاء بمختلف الأقوال في المسألة ثم ردها إلى حقيقتها، فتعجب الناس، وتحير السائل ثم اقتنع وقال: لايصح أن يكون مثل هذا الرجل الفاضل عاملاً وبهذه الصورة، فمن حقه أن يتصدر المجالس، فأجابه ابن السنوسي بقوله إن جماعتنا كلهم على هذا الغرار، ومن لم يصل منهم إلى هذا المستوى، فهو في طريقه إليه وهذا العمل الذي تعيبه عليهم لم يكن معيباً لهم أو لينقص من شأنهم وقيمتهم، إنهم يعملون كما يأمر الإسلام لرفعة شأن المسلمين، وإننا نعدهم لمجد الإسلام، ولرفعة شأنه، فاعتذر السائل على ماظهر منه( ).
سابعاً: شعوره بالمسؤولية:
كان ابن السنوسي يستشعر مسؤوليته وواجبه المنوط به نحو عباد الله والأمانة التي تحملها لهدايتهم وإرشادهم، فكان ذلك دافعاً له للقيام بواجبه وأداء رسالته، وكانت هذه الصفة واضحة في شخصيته، وكان يستشعر بأنه مأمور بواجب الدعوة إلى الله، وفي خطواته التي سار عليها، وشعوره بالمسؤولية، جعله لايعرف المستحيل، وكان لايأمر بأمر إلا وقد نفذه على نفسه وأحب الناس إليه، وأقربهم منه( )، وكان يقول لإخوانه ليس هناك على همة العاملين مايسمونه مستحيلاً إذا ما أخلصوا في عملهم وصدقت عزيمتهم، واتخذوا من القرآن الكريم دليلاً، وعرفوا معانيه وتدبروها كما يجب أن يتدبروها( ).
ثامناً: حليته:
كان أزهر اللون مدور الوجه أقنى الأنف خفيف العارضين واللحية، أشقر الشعر معتدل القامة، رقيق الحاجبين أزجهما، واسع الثغر، فصيح اللسان، جهوري الصوت مع رقة فيه، واسع العينين وفي احداهما انكسار لايكاد يظهر، طويل العنق، عريض الصدر والمنكبين من رآه مرة هابه وإذا خالطه وكالمه ألفه وأحبه( ).
تاسعاً: هوايته:
كان يهوى اقتناء الخيل، ويحسن ركوبها، إلى درجة عالية من المهارة، وكان يستطيع التقاط بعض الشئ من الأرض من على ظهر الجواد في أثناء عدوه، كما كان يستطيع الوقوف على رجليه، وعلى رأسه على ظهر الجواد أثناء عدوه، ويستطيع اصابة مايريده من المرمى، وكان يشجع اتباعه وإخوانه على تعلم الفروسية ويقول لهم: إن ذلك من صميم السنّة( ).
وفاته :
كان ابن السنوسي يشعر بالمرض، منذ مدة، وكان يصارعه بالصبر، وقوة العزيمة، فلم يركن للراحة، ويخضع لوطأة المرض، وشرع في إتمام ماعزم على إقامته، وحاول أن يتغلب على المتاعب والأمراض وكان يمهد الأمور لتولي ابنه محمد المهدي أمر زعامة الحركة السنوسية، ونجح في ذلك، وأقنع الإخوان، وزعماء القبائل بذلك، واشتد عليه المرض في شهر شعبان 1275هـ حتى صار يغيب عن احساسه، وكان يقول : ( أهل الله حملونا شيئاً كثيراً لو نزل على الجبال الراسيات لما اطاقته )( )، ثم ارتفع بعض ذلك المرض منتصف محرم عام ستة وسبعين ثم تزايد عليه الألم، والأسقام، وصار يغيب أحياناً، ويضيق أحياناً إلى أن دعاه مولاه يوم الأربعاء من صفر الخير بعد طلوع الشمس( )، وهكذا انتقل إلى جوار ربه.
وقبل الدفن اجتمع الإخوان في المسجد يوم الخميس، وقام فيهم عمران بن بركة خطيباً فألقى كلمة قال فيها: ( ... حمداً لمن قضى على جميع العباد بالموت وسدد سهمه للإصابة في جميع الوقت، فلا حيف عن سلوك سبيله ولامناص، ولامحيد عن الوقوع في شركه، ولاخلاص، فلم ينج منه أمير ولاوزير، ولاغني ولافقير، ولاشريف، ولاوضيع، ولادني، ولارفيع، حكم بذلك على سائر رسله وأنبيائه وأهل حضرته من أصفيائه، وأوليائه، وعلى الموت نفسه بعد ابقاء المقادير بالموت فلا محيط عنه ولافوت وجعله منة يفتدى بها من أسرار الأكدار وجُنة يتقى بها من سهام الاغترار، .......)( )، وبعد أن دفن ابن السنوسي رحمه الله، تولى أمر الحركة ابنه من بعده ( محمد المهدي )، فقام بإرسال خبر وفاة ابن السنوسي إلى شيوخ الزوايا في مختلف الأقطار وكان فيها: ( ... إنه من عبدربه سبحانه محمد المهدي بن السيد محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسن الإدريسي، إلى الأجلاء الأبرار الأصفياء الأخيار أخينا السيد محمد بن إبراهيم الغماري وأخينا اسماعيل بن رمضان، وأخينا وهبة، وكافة إخواننا أهل مكة سلمهم الله آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، ومرضاته وبعد، فقد وصلتنا كتبكم التي أرسلت باسم الوالد رحمه الله تعالى وسقى ثراه وأكرم نزله ومثواه. وكنا قبل هذا أرسلنا إليكم كتبنا وأخبرناكم فيها بما قدره الله وقضاه وأبرمه في أزله وأمضاه ونسأله تعالى أن يجعلنا من عباده الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. واستطرد محمد المهدي في رسالته إلى أن قال: كونوا على ماكنتم عليه من الدلالة على الله تعالى بالحال وبالمقال وصابروا، ورابطوا وتواصوا بالصبر، واذكروا عباد الله فيه وجاهدوا في الله حق جهاده، وكونوا يداً واحدة على من سواكم، وفي الله إخواناً وعلى البر والتقوى أعواناً، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وسلموا منا على كافة الإخوان والمحبين من أهل مكة والمعابد والوادي والطائف وغيرهم( ).
وقد رثاه الشعراء وهذه قصيدة عبدالرحيم المحبوب يبكي فيها ابن السنوسي حيث يقول:
مابال عينك لا بالنوم تكتحل
ودمعها لايزال اليوم ينهمل
كأنها سمات بالشوك أوكحلت
من الغضي بشواظ كان يشتعل
تخالها مزنة قد لاح بارقها
فاخضل الأرض منها صيب هطل
والوجه أسفع والأعضاء ناحلة
والقلب في شرك الاحزان مختبل
والجنب اذ تدعه حال لمضطجع
كان الوطأ له السعدان والاسل
تئن في لجج الأحلاك من نكد
منه ترى راحة أن يحضر الاجل
أمن تذكر أوزارا سفت لها
أو زار بالطيف من تهوى ولم يصل
ام ذا لفقد حبيب كنت تألفه
وازور دهرك ام قد خانك الأمل؟
يالهف نفسي على ماكان مسكنهم
قلبي وهم ان مضوا سفر به مهل
كانوا الغياث لملهوف ومتجعا
للمجدين إذا مامسهم محل
شدوا الرحال ولم يستأذنوا أحداً
وضل شوقاً لم يبكيهم الطلل
تبكيهم السنة الغراء من عصر
ما أن بمثلهم قد مسها ثكل
يبكيهم ماحوى ( كشف الظنون ) وما
يروى ( الجوامع ) مع ماساره المثل
مع ما روى ( حجة الإسلام ) من حكم
وأعلن الشيخ من رمز له قفل
من ( للصحاح ) (و شمس العلم ) بعدهموا
أو (للشفاء ) و ( للقاموس ) يحتفل
من ( للجلالين ) و ( الكشاف ) ينقذه
( البحر ) ( والنهر ) و ( الأنوار ) ينتخل
من ( للعلوم ) على أقصى تنوعها
من ( للحلوم ) إذا أشفت بها العلل
من ( للمكارم ) و ( الآثار ) يؤثرها
عن الجدود الآلى سارت بهم مثل

والغور والنجد من أرض الحجاز وما
ضاهى ( قبيساً ) بها من فقدهم عطل( )
إلى أن قال:
فالصبر أولى وعند الله محتسب
أن المصائب أن تعظم لها بدل
توارت الشمس عن عين الحسود بها
أو ذاك رفق ببدر ناله الخجل
وذاك عام (شروع الخطب قلت إذن
مابال عيناك لا بالنوم تكتحل( )
وهذه قصيدة ألقاها شاعر ليبيا أحمد رفيق المهدوي عام 1956م بمناسبة مرور مائة عام على وفاة ابن السنوسي:
خلدوا، ذكرى أمام المصلحين
سيد المجتهدين العارفين
الامام، ابن السنوسي، الذي
فاق صنف العلماء العاملين
عبقري قد تسامى للعلا
بجلال العلم والدين المتين
وباصلاح ترى آثاره
لم تزل تهد على مر السنين
نشر الدين بعزم صارم
وجهد كجهاد المرسلين
وهدى قوماً على غير هدى
بين جهل وضلال عائشين:
في صحارى يلفح القيظ بها
كشواظ النار فيها الساكنين
وبلاد في غمار مطبق
بظلام البؤس، والغيم المشين
عمها دينا ودنيا فغدا
اهلها من علماء المسلمين !
وبنى فيها (زوايا) أصبحت
منهلاً عذباً لورد الظامئين
ومنارات تشع العلم من
قابس عن نور رب العالمين
بالتآليف التي من فيضها
(سلسبيل) (المنهل) الصافي المعين
و(شفاء الصدر) من رين الهوى
و(بايقاظ لوسنان) مهين

وشروح لعلوم وضحت
ما عصى من مشكلات الأولين
بينت ماجاءنا عن جده
من علوم، وأحاديث، ودين
هذه آثاره من علمه
كلها تدعو الى الحق اليقين( )
هذا ما استطعت جمعه وتلخيصه عن ابن السنوسي رحمه الله تعالى، وما أردت بالكتابة عن حياته إلا احياء سير المصلحين، والدعاة العاملين، والعلماء الراسخين، لتعلم الأجيال الصاعدة ان لها تاريخاً عريقاً ضارباً في اعماق الزمن يزخر بأمجاد الاسلام، وأن ابن السنوسي ممن واصلوا نهج الصحابة والتابعين في الدعوة الى الله ، وأن سيرته ليست عنا ببعيدة، لعل هذه الصفحات المشرقة تصل الى قلوب دعاة الاسلام في ليبيا، وفي الأمة، فيقتبسوا من سيرته مايحثهم على مواصلة السير لدعوة الله ، والجهاد في سبيله ، وما اردت بذلك إلا وجه الله تعالى هو حسبي عليه توكلت وإليه أنيب ، انتهيت من هذه الترجمة في العشر الأواخر من شهر رمضان ، فاستبشرت بذلك خيراً، وتذكرت رؤيا رأيتها عندما كنت في المعتقل السياسي بطرابلس الغرب عام 1983م، حيث رأيت ابن السنوسي في منامي وقدم لي كأساً مملؤة بالحليب فشربته، ويبدو أن تأويل الرؤيا قد تحقق بكتابة هذا الكتاب، والفضل لله وحده من قبل ومن بعد وأختم
هذا الكتاب بهذه الأبيات التي سليت بها نفسي، عندما حذرني بعض الأخوة من نشر مايتعلق بأمجاد السنوسية، لأن ذلك يثير أعداؤهم ضدي، وأنت لاحول لك ولا قوة، فأجبتهم ماأردت بكتابي إلا نصرة الإسلام، وقلت لهم بأن هذه الأمجاد ليست خاصة بالسنوسية بل هي لكل مسلم وتلوت قول الله تعالى {فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين } ( سورة يوسف، آية 64).
أما الأبيات فهي:
لاتطلبن من غير ربك حاجة
إن كنت بالرحمن ذا إيمان
ومن الذي يستبدل الضعفاء
والفقراء والبخلاء بالرحمن
أو يشتري الظلمات بالأنوار أو
يرضى يعود بأخسر الخسران
فوض إلى المعبود أمرك كله
وافزع إلى المولى بغير تواني
واقرع إذا نام الأنام وغلَّقوا
أبوابهم باب النوال الهاني
باب الذي بسط اليدين بليله
ونهاره لتدارك العصيان
ويداه مبسوطان للإحسان ما
قبضت يد خوفاً من النقصان

باب الذي إن لم تسله فضله
يغضب فكيف يرد بالحرمان
باب المجيب إذا دعاه مرتج
لاج إليه ماله من ثاني
باب الذي يغنيك عن زيد وعن
عمرو وعن ثان وعن أعوان
باب الذي لاخير إلا عنده
بيديه كل منى وكل أمان
باب الذي يرجى لكل ملمة
لعظائم الآلام والحدثان
الحي قيوم الخلائق كلها
الواسع الرُّحْمَى عظيم الشان

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.






نـتائج البحث
أصيبت الدولة العثمانية في القرنيين الماضيين بداء الأمم كالحسد والبغضاء، واستبداد الملوك، وخيانة الأمراء، وغشهم للأمة وإخلاد الشعب الى الراحة، والدعة، وكان شر ماأصيبت به الدولة الجمود في العلم، وفي صناعة الحرب، وفي تنظيم الجيوش.
كانت الاحزاب العلمانية، والجمعيات السرية، والعصبيات القومية تنخر في كيان الدولة ، فظهرت الدعوة الى القومية الطورانية، والعربية، والكردية.... وبدأت الثورات تتفجر في البلدان، والحركات الإنفصالية تتكاثر، والدول الأوروبية تدعمها وتسعتد لتقسيم تركة الرجل المريض.
أصبحت الامة تعاني من الآثار التي ترتبت عن ابتعادها عن شرع الله، واصيبت الناحية الاجتماعية، بتفشي الجهل، والمظالم بين الناس، وصراع الأمراء، والولاة على حطام الدنيا الزائل، وأصبحت الأمة في ليل حالك، وظلام دامس.
جمد المسلمون في علوم دينهم فليس لديهم إلا ترديد بعض الكتب الفقهية، والنحوية، والصرفية، ونحوها، وجمدوا على فقه المذاهب، وجل همهم التعمق في الحواشي، وحفظ المتون، دون القدرة على الاجتهاد.
أصبح لكل مذهب من المذاهب الفقهية مفتياً وإماماً، وتعددت الجماعات في المسجد الواحد، كل ينتصر لمذهبه، وكل يصلي خلف إمام مذهبه، وبذلك يقف المسلمون لصلاة الجماعة وراء أكثر من إمام حسب المذاهب المتواجدة في ذلك المسجد.
انتشر التصوف المنحرف في ارجاء البلاد الاسلامية، شرقها، وغربها، عربيها، وعجميها، وضاع مفهوم العبادة الصحيح، ومفهوم الولاء والبراء، وانحرفت الأمة عن كتاب ربها وسنة رسولها .
بدأت الدول الأوروبية تستقطع من العالم الاسلامي بلداناً كلما اتيحت لها الفرصة.
اهتـز العالم الاسلامي لاحتلال الصليبيين لأجزاء من الوطن الاسلامي اهتزازاً عنيفاً، كما تأثر باحتكاكه بالغرب، واطلاعه على تقدمه، من هذا التحدي نبعت حركات الاصلاح.
تتابعت حركات الاصلاح في العالم الاسلامي منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، بتأثير عوامل عديدة منها؛ إحساس بعض العلماء الربانيين بسوء الأوضاع في العالم الاسلامي واحتلال أجزاء منه.
قامت حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في نجد، وكان الدافع لها إحساس مؤسسها بإنحطاط المسلمين ، وتأخرهم.
تعد حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب البداية الحقيقية لما حدث في العالم الاسلامي من يقظة جاءت بعد سبات طويل، وما تمخض عنها من صحوة مباركة، ورجعة الى الدين.
ظهر الإمام محمد بن علي السنوسي بدعوته الاسلامية بعد وفاة محمد بن عبدالوهاب بعشرات السنين.
ولد الإمام محمد بن علي السنوسي عام 1202هـ صبيحة يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول عند طلوع الفجر، ولذلك سماه والده محمداً تيمناً باسم النبي .
بعد وفاة والده تولت عمته فاطمة تربيته وتنشئته تنشئة صالحة، وكانت من فضيلات أهل زمانها، ومتبحرة في العلوم، ومنقطعة للتدريس والوعظ.
بعد وفاة عمته عام 1209هـ بسبب الطاعون تولى تربيته ابن عمه الشيخ محمد السنوسي الذي تولاه بعد وفاة عمته واتم على ابن عمه حفظ القرآن الكريم برواياته السبع مع علم رسم الخط للمصحف، والضبط، وقرأ عليه الرسالات الآتية، مورد الظمآن ، المصباح، العقيلية، الندى ، الجزري، الهداية المرضية في القراءة المكية، حرز الأماني للشاطبي..
بعد وفاة ابن عمه 1219هـ، جلس للأخذ من علماء مستغانم لمدة سنتين كامليتين، ثم توجهه الى بلدة مازونه ومكث بها عاماً ثم رحل الى مدينة تلمسان وأقام بها مايقارب من السنة وتتلمذ على كبار شيوخها.
كان تفكيره في حال الأمة مبكراً ، واجتهد في البحث عن العلل والأسباب التي أدت الى التدهور والضعف المخيف في كيان الأمة، وذكر أن من أسباب هذا الضياع، فقدان القيادة الراشدة، وغياب العلماء الربانيين، وانعدام الغيرة الدينية، والانشغال بالخلافات التي فرقتهم شيعاً وجماعات....الخ.
رأى ابن السنوسي أن الايمان هو القضية الأولى والأساسية، لهذه الأمة، فإذا تخلف المسلمون عن غيرهم في وسائل الحياة الحرة الكريمة؛ فمرد ذلك الى انحرافهم عن فهم الاسلام فهماً سليماً.
ولا سبيل الى إصلاح حالهم ومآلهم إلا بالايمان على الوجه الذي بينه الله في كتابه، ورسوله  في سنته. وهو أن يكون طاقة دافعة الى العمل، وقوة محركة للبناء، وحافزاً طبيعياً للتفوق.
رأى أهمية العلم في نهوض الأفراد والجماعات والأمم، لأن العلم ظهير الإيمان، وأساس العمل الصالح، ودليل العبادة .
سافر الى فاس ليزداد في طلب العلم وبقي في المغرب الأقصى سبع سنين متتالية، وكانت تجربته في فاس ثرية.
وبعد ذلك ترك المغرب الأقصى وتوجه نحو المشرق، فمر بتونس وليبيا ثم دخل القاهرة وكان ذلك عام 1239هـ/1824م.
كانت زيارته لمصر قد رسخت في نفسه ضعف دولة الخلافة من جهة، وزاد ضعفها بظهور حكومة محمد علي باشا على مسرح الأحداث في مصر وقد وصل الى قناعة مهمة في الاصلاح والنهوض.
لقد خبر ابن السنوسي اوضاع الدولة العثمانية في وطنه الأول الجزائر حيث تسلط الولاة الأتراك وحكمهم الاستبدادي، وعجز الدولة عن منعهم من الظلم ، وجاء الى القاهرة فرأى حكم محمد علي باشا وانفراده بشؤون مصر ، فزاد اقتناعاً بعجز الدولة وضعفها .
دخل ابن السنوسي الحجاز عام 1240هـ/1825م، ونزل مكة وكانت تلك الزيارة لمكة ذات أثر كبير في قيام الدعوة السنوسية وظهور شأنها.
اهتم ابن السنوسي بالقضية الجزائرية، وعمل على اذكاء جذوة الجهاد في نفوس ابناء الجزائر ضد فرنسا، وحرص على المشاركة فيه بنفسه وأعد لذلك العدة إلا أن الظروف، والعوائق التي كانت في طريقه منعته من ذلك، وعمل على امداد تلاميذه بالأسلحة والمال، وحرض اتباعه على القتال، واستمر اتباع السنوسية، والشعب الليبي في دعم حركة الجهاد حتى تم دحر الاحتلال الفرنسي.
إن المفتاح الكبير لقبائل برقة، هو قناعتها بأن ابن السنوسي ولي من أولياء الله الصالحين، ولذلك سمعت لنصائحه، واطاعت أوامره، فأرشدهم الى كتاب الله وسنة رسوله .
كانت زاوية البيضاء في الجبل الأخضر أول الزوايا التي أسسها ابن السنوسي، وشرع يعلم الناس فيها، ويذكرهم بالله ويرشدهم الى طريق النجاة في الدنيا والآخرة، وبدأت القبائل تتوافد إليه تطلب زيارته لها تبركاً به، وتطلب اقامة الزوايا لها اسوة بالزاوية البيضاء، فكان يتوجه بنفسه الى القبيلة أو المكان المطلوب الزاوية فيه ، وأحياناً ينتدب بعض الاخوان لذلك وهكذا بدأت القبائل تتسابق والزوايا تنتشر.
توفرت في قبائل برقة ظروف ملائمة لظهور الحركات السنوسية بوصفها حركة اسلامية شاملة منها؛ انفصالها عن الاقطار المجاورة بالصحارى والفيافي التي تحيط بها، تتألف تلك القبائل من قبائل عربية بدوية تربطها أنماط حياة اجتماعية متجانسة، ويقوم ذلك النظام على عصبيات دموية مشتركة، وتقاليد وأعراف متشابهة، كانت بعيدة عن سيطرة المدن، كانت القبضة العثمانية عليها ضعيفة...الخ.
ظل ابن السنوسي خمس سنين ينشئ الزوايا وينظمها، ويرسم مناهج الدعوة ومبادئها ، ويبث دعوته الاصلاحية عن طريق الزوايا.
عاد بعد هذه السنوات الخمس الى الحجاز، المركز الأول لدعوته، ومنذ ذلك الوقت كانت للدعوة مركزان رئيسيان؛ شرقي في الحجاز وغربي في برقة، وعن هذين المركزين أخذت الدعوة السنوسية تنتشر بواسطة الزوايا هنا وهناك.
طالت مدة غياب ابن السنوسي في الحجاز واشتد القلق في لييا لطول غيبته، وسافر الى الحجاز أكثر من وفد ليبي ليلتمس منه ان يعود وكانوا يسافرون غالباً في موسم الحج.
رجع ابن السنوسي الى ليبيا واختار الجغبوب كمقر لقيادة الحركة السنوسية.
استطاع ابن السنوسي أن يختار من بين المسلمين مجموعة خيرة من العلماء، والفقهاء، والدعاة ممن اتصفوا ، بالتميز الايماني، والتفوق الروحي، والرصيد العلمي، والزاد الثقافي، ورجاحة العقل ، وقوة الحجة، ورحابة الصدر، وسماحة النفس، واصبحوا من أعمدة الحركة السنوسية أثناء حياته وبعد وفاته.
قام عدد كبير بنصرة وتأييد الحركة السنوسية من العلماء والفقهاء والقادة والشيوخ ومن أشهر هؤلاء الاخوان الذين ساندوا ووقفوا مع ابن السنوسي في حركته الواسعة؛ محمد عبدالله التواتي ، احمد ابوالقاسم التواتي ، علي بن عبد المولى، احمد بن فرج الله، محمد بن الشفيع، احمد المقرحي، وعمران بن بركة الفيتوري وغيرهم كثير .
استطاع ابن السنوسي بتوفيق الله تعالى أن يجعل من الاخوان والقبائل في الصحراء الكبرى مجتمعاً متماسكاً، متوحداً في عقيدته وتصوراته ومنهجه، فانعكس ذلك في توادهم وتراحمهم فيما بينعم، وأصبحوا كالجسد الواحد الذي يخفق فيه قلب واحد، وتسري فيه روح واحدة، ويتأثر كل عضو فيه بما يصيب بقية الأعضاء.
إن الأصول التي تساهم في توحيد المجتمع هي؛ وحدة العقيدة، وتحكيم الكتاب والسنة، وصدق الانتماء الى الاسلام، طلب الحق والتحري في ذلك، وتحقيق الاخوة بين أفراد المجتمع.
يظهر البعد التنظيمي في شخصية ابن السنوسي في بناء الزوايا التي يتربى فيها اتباعه والمنهج التربوي الذي ساروا عليه.
كان نظام الزوايا معروفاً في العالم الاسلامي، والشمال الأفريقي واستطاع ابن السنوسي بعقليته التنظيمية أن يطور مفهوم الزوايا بحيث أصبحت تمثل النواة الأولى لمجتمع تحكمه سلطة وعليه واجبات؛ اجتماعية، واقتصادية ، وسياسية، ودعوية، وجهادية.
انتهج ابن السنوسي منهجاً تربوياً استمده من كتاب الله وسنة رسوله  ومن خبرته بالطرق الصوفية التي درس جلها، وانتقد اخطائها، وعمل على طريقة خاصة يسلكها اتباعه.
إن الصوفي الحقيقي في رايه من يتقيد بالكتاب والسنة وقد جعل للمريدين مراتب في السلوك يتدربون عليهاأولهما؛ تصحيح العقيدة بميزان أهل السنة والجماعة، أن يتعلم المريد مايحتاج إليه من المسائل الفقهية المتعلقة بظاهر البدن على مذهب من المذاهب الأربعة، أن يتوجه المريد الى تزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب وتنقية السر...الخ.
يظهر البعد السياسي عند ابن السنوسي في تعامله الحكيم مع الدولة العثمانية، حيث رأى في الدولة العثمانية دولة الخلافة، ضرورة لازمة لوحدة الأمة، والدفاع عن كيانها، وأنه لابد من معاضدتها والوقوف بجانبها، ويظهر أيضاً في حملة التوعية التي قام بها ضد الغزو القادم للأمة من قبل الأوروبيين وتنظيمه للزوايا، وتعبئة الأنصار؛ بغرس الثقة في دينهم وعقيدتهم، والثقة بقيادتهم ، وتأخير الصدام مع الأوروبيين حتى يكتمل.
كان أسلوب ابن السنوسي في الدعوة الى الله مستمداً من كتاب الله وسنة رسوله ، وقد نجح في ارشاد الطرق الصوفية المنحرفة، وتعامل مع الرقيق من الأفارقة بأسلوب رفيع، فاشتراهم واعتقهم، وعلمهم ثم ارسلهم دعاة الى قبائلهم، واهتم بدعوة القبائل وزعمائها، واستطاع ان يجعل منهم دعاة الى الله تعالى واعتمد في اسلوبه ضرب الأمثال، واستخدم القصة، واستعمل الشدة في محلها.
إن فهم أفكار ابن السنوسي يمكننا الوصول إليها من خلال كتبه، ومن أهمها؛ كتاب المسائل العشر، السلسبيل المعين، إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، رسالة مقدمة موطأ الامام مالك وغيرها...
كانت كتب ابن السنوسي في أكثرها تتناول المباحث الفقهية ، والصوفية وفيها كتاباً، أو كتابين يتناولان مواضيع تاريخية ...
إن ابن السنوسي في دراسته الطويلة لم يهمل الجانب التاريخي لقناعته الراسخة، بأهمية هذا العلم في تحقيق الفوائد التربوية، وادراك السنن الربانية، ومعرفة معالم تاريخ الانسانية، ومعرفة تاريخ الأنبياء، ومعرفة سيرة النبي  ومعرفة تاريخ الخلفاء الراشدين، وسير العلماء والمجاهدين والدعاة... وكانت ثقافته التاريخية تمتاز بغزارة المعلومات، ويعتز بتاريخ اجداده، ويؤمن بضرورة حصر الامامة في قريش، وكان اسلوبه في كتابة التاريخ على نمط مؤرخي المسلمين ، ويقتصر على سرد الحوادث.
كان ابن السنوسي فقيهاً متصوفاً، اهتم بالعلوم الفقهية، وغاص في معرفة حقائق النفوس البشرية، واستنبط منهجاً تربوياً لعلاج الأمراض النفسية، والرقي بها نحو الكملات الانسانية.
اتصف ابن السنوسي بصفات الدعاة الربانيين؛ من الصدق، والإخلاص، والدعوة على بصيرة ، والصبر، والرحمة، والعفو، والعزيمة، والتواضع، والارادة القوية التي تشمل قوة العزيمة ، والهمة العالية، والنظام والدقة، والزهد، والورع، والاستقامة...الخ.
إن هذا المجهود المتواضع قابل للنقد والتوجيه وماهي إلا محاولة جادة لإزاحة الركام عن صفحات مشرقة من تاريخ بلادنا الحبيبة التي كانت ونرجو من الله أن تكون مركزاً لدعوة الاسلام في مشارق الأرض ومغاربها وماذلك على الله بعزيز ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا.
هذه بعض النتائج التي وصلت إليها وقد ملت الىالاختصار الشديد خوفاً من الإطالة والإطناب.
وأسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يقتبل هذا الجهد المتواضع قبولاً حسناً وأن يبارك فيه وأن يجعله من أعمالي الصالحة التي أتقرب بها إليه. وأختم الجزء الأول من الكتاب السابع بقول الله تعالى: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} ويقول الشاعر:
أنا الفقير الى رب البريات
أنا المسكين في مجموع حالاتي
أنا المظلوم لنفسي وهي ظالمتي
والخير إن يأتينا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة
ولا عن النفس لي دفع المضرات
والفقر لي وصف ذات لازم أبداً
كما الغني أبداً وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم
وكلهم عنده عبد له آتي
(سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)، (وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين).
الفقير عادل
الفقير عادل
مرابط في سبيل الله
 
مشاركات: 773
اشترك في: الأحد 3 شعبان 1427هـ/27 أغسطس 2006م/21:46

التالي

العودة إلى زاويـــة الطــريـقــة الســــنـوســــــيّـــة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

?